شياطين العقول
اعلمْ أن العلم ثلاث أشطار
من عرف الشطر الأول تكبر
من عرف الشطر الثاني تواضع
من عرف الشطر الثالث علم .. أنه لا يعلم شيئًا !
توجدُ أمامي عدة مشكلات متداخلة ، ليس من بينها إيصال الفكرة ، لأن للأفكار أجنحة تحلق بها إلى العقول ، لكن المشكلات – كلها - تكمن في تبديل بعض العقول لفطرتها ، وفطرة العقول السليمة هي الرؤية الواضحة ، ولأجل هذه الرؤية كرم الله الإنسان بالحرية ، هذه الحرية التي تجلت في الأمانة التي حملها ، فإن أضاع هذه الفطرة ، وشوه هذه الرؤية ، لم يعد أهلاً لهذه الحرية ، ولم يكن إنسانًا أمينًا على نفسه أولاً ، وعلى غيره من بني الوطن .
لكن كيف تتبدل فطرة العقول ؟
نعود ونقول أن فطرة العقول هي الرؤية الواضحة ، تلك التي تتيح للإنسان القدرة على الاختيار بين النقيضين ، وبدون هذه الرؤية الواضحة والقدرة على الاختيار ، تصبح الحرية عبئًا على الإنسان لا نعمة ، ولهذا فإننا نجد الطفل الصغير يلجأ إلى أمه دومًا ، فإن تخيلنا أن هذه الأم رفضتْ مد يد المساعدة لابنها ، وتركتْ له الحرية الكاملة لفعل ما يريد ، فإننا سنجد هذا الطفل فيما يشبه التيه ، يقف وحده باكيًا ، لا يعرف "ماذا" يفعل ولا "كيف" يفعل ، ولن يطلب من أمه حريته أبدًا ، ولن يقول لها غاضبًا : اتركيني وشاني . إلا حينما يكون على قدر مسؤولية هذه الحرية ، بعد أن ينضج عقله الصغير فيمتلك الرؤية ، وبعد أن يمتلك القدرة على تحقيق هذه الرؤية من الذهن إلى الواقع .
إن الإجابة على سؤالنا السابق سهلة للغاية ، تتبدل فطرة العقول حين تضيع الرؤية أو يفقد صاحبها القدرة على تحقيقها ، ولا يظن أحدٌ بأن هناك فصل بين الرؤية والقدرة فهما مرتبطان بشدة ، فالرؤية الواضحة لن تستقيم سوى بقدرة للتنفيذ ، ولا أقصد بالقدرة : التنفيذ الفعلي على أرض الواقع ، بل أن هذا التنفيذ ليس سوى نتيجة للقدرة ، وهب أننا أمام مشكلة ما ، ونبحث لها عن حل ، مثل أن (س) تشاجر مع (ص) ، وكل من (س ، ص) أصدقاء لنا ، نعرف تماما أن علينا أن نصالحهما ببعض ، هذا هو الحل ، ولكن "كيفية" تحقيق هذا المصالحة ، هي دليل قدرة رؤيتنا على الوضوح ، وتحقيق هذه المصالحة بالفعل إنما هو "نتيجة" هذه الرؤية وقدرتها .
إن الإنسان كثيرًا ما يميل للكسل ، ولهذا قد نقع فريسة للشر مظنة منا بأن هذا هو الطريق الأسرع والأسهل نحو الخير ( الخير الشخصي على الأقل) . ولهذا نجد اللص الذي يسرق جهد غيره ، والأقطاعي الذي يسرق عمل الفلاح ، والانتهازي الذي يلعق الأحزية للوصول للمنصب ، أن كل هذه أشكال للكسل ، فكل من هؤلاء يبحث عن فرصة أسهل نحو مكسب أكبر . وهذا هو مدخل الشيطان إلى الإنسان ، وهذا هو مدخل الشيطان إلى آدم وحواء ، فقد وسوس لهما بأن الأكل من الشجرة سيحولهما – بقدرة تفاحة – إلىى الملك أو الخلود الأبدي . وهذا هو مدخل كل الشياطين ، من نار كانت أم من طين ، تستغل ميل الإنسان للكسل لتحقيق منفعتها الخاصة ، بينما يظن المسكين أن في هذا الشر .. كل الخير !
يقول خبراء التنمية بأن من أدلة تقدم المجتمعات مدى تقبل الأفراد للأفكار الجديدة ، وليس المقصود بالطبع الاستسلام للأفكار ، بل المقصود الاستعداد لها ، لأنكَ إن كنتَ في حالة ضعف غزتك فهزمتك ، وإن كنتَ قليل الرؤية غرتكَ قوتك فاغتلتْ كل الأفكار بمميزاتها وسلبياتها ، والمطلوب هو موقف وسط يقوم على التمحيص لا الاستسلام ، والنقد لا النقض ، يؤدي في النهاية إلى الأخذ بمميزات الفكرة الواحدة وطرد عيوبها . وهذه العملية المرنة ليستْ سهلة ، وليستْ مستحيلة كذلك ، هي فقط بحاجة إلى عقل سليم صاحب رؤية ، وليس عقل مغلق يؤمن بامتلاك الحق المطلق ، وييقين بأن باقي العقول الأخرى عفنة مثواها النار.
وهذا الطريق نحو بناء العقل السليم لن يتم سوى بالقراءة ، والتدرج في العلم ، وعدم الكسل فالاتكال على المعرفة الرخيصة ، لا على المعرفة النفيسة القائمة على الجد والجهد في طلب العلم .
واعلم إن كسلك طريق الشيطان إليكَ ، وحينها سيزرع في عقلك أفكارًا لستَ بصاحبها ، وسيوسوس لكَ بأنكَ صاحب الحقيقية وحدك ، وستقتنع بتلك الفكرة الشيطانية ، وستتركها تنسج الردى في ذهنك حتى ترى ظلك على الحائط عظيمًا ، وقد تموت قبل أن تستيقظ فترى بعينيك ضآلة فكركَ ، وقد ترفض الآن أن يكون هذا الحديث لمثلك ، فتحمد الله أن هداك إلى الصراط المستقيم !

مصطفى الشيمي
14-5-2011
الله ينور عليك يامصطفى
ردحذفكلامك سليم ولاغبار علية
تسلم ايدك
مع خالص تحياتى
الله يكرمك يا تامر
ردحذفسعيد أن المقال عجبك
ويارب دايما كدة حسك في المدونة :)