الأربعاء، 17 مايو، 2017

مصطفى الشيمي: «سورة الأفعى» رواية رمادية تشبه ملامحنا - جريدة القدس العربي

تعمدت عنوانا يحث القارئ على البحث بين المقدس والمدنس:

المصري مصطفى الشيمي: «سورة الأفعى» رواية رمادية تشبه ملامحنا



May 17, 2017 القاهرة ـ «القدس العربي» عبد السلام الشبلي: يجتاز الروائي مصطفى الشيمي شكه بالوحي الملهم للكاتب، فيستيقظ على حلم مفزع يمنحه رواية يقول أنها نص «مقدس»، لأنها ولدت من الغريب الذي قص عليه حكايتها فرسم شخوصها حوله، ومنحه مفتاح كتابتها، لتكون «سورة الأفعى» العمل الروائي الثاني للشيمي، بعد رواية «حي» ومجموعات قصصية عدة كان أبرزها «بنت حلوة وعود» الفائزة بجائزة دبي الثقافية 2015. يعتقد الشيمي أنه حطم تابوهات الكتابة وتخلص من سلطة الموروث الديني على اللغة والأدب، بدءا من عنوانه الأدبي الخالص، إلى نصه الروائي الذي حاول أن يمنح القارئ هامشا للبحث والتفكر بما يقرأ، ليكون أساس ذلك التناقضات التي كانت الجزء الأهم من «سورة الأفعى».

المزيد في الحوار التالي..

■ كتبت في مدونتك الخاصة عن حلم مفزع حمل لك خيوط الرواية، ما قصة حلمك؟
 □ على امتداد التاريخ، كان الشعراء العرب، واليونانيون، يتعاملون مع نصوصهم باعتبار أنها وحي من وادي عبقر، أو ربات الشعر، كان هذا يضفي قدسية لنصوصهم، وأنا لا أؤمن بالوحي، أرى الكتابة ميل، شغف طفولي لاكتشاف العالم. لكن سورة الأفعى جاءت لتهدم اعتقادي، فقد رأيت في حلمٍ أن يدا تمتد لانتزاع ضرسي، تشد هذا الضرس المربوط بخيط رفيع من الدم. استيقظ من النومِ وأشعر بألم في ضرسي، أردد: أن آلام سكرة الموت تضاهي انتزاع ضرس تالف، بعدها أرى أحداث كل الرواية، وأبطالها، ومحاوراتهم تنفجر أمام عيني. لم يكن هذا الحلم حلمي، كان هو حلم الغريب في «سورة الأفعى»، بطريقة ما وحدنا الحلم، كان وحيًا، وعرفت أن هذا نص مقدس.


■ »سورة الأفعى» عنوان ربما يكون جدليا للقارئ، ما هي الغاية من اختيار مثل هذا العنوان؟
□ ثمة سلطة للموروث الديني على الأدب واللغة؛ المفردات تستسلم لسلطة النص الديني، فتفقد دلالتها وتظل في زنزانة مظلــــــمة، الكتابة ثورة على القوالبِ، على اللغةِ الميتة، كان المقصود تحرير اللغة والقارئ، القارئ يقف أمام نص مغاير، نص رافض للسلطة، ابتداء من العنوان؛ باعتباره عتبة النص. عنوان يحث القارئ على البحثِ. عنوان يحمل النقيضين: المقدس والمدنس. والصراع لا يبدأ إلا بضدين، فهو عنوان يليق بعالم رواية الذي يبدأ بمفتتح هو، صوت الرب في التوراة، حرب هي حياة الإنسان على الأرض.


■ قلت في أحد حواراتك أن الكاتب غير معني بوصول معنى محدد لما يكتبه، ألا تجد أن تعدد المعاني للنص الراوئي يربك المتلقي وينفره من العمل ربما؟
□ في رأيي أن النص الذي لا يحتمل سوى معنى واحد، هو نص ميت، أو سيموت بعد أيام. ليس المقصود هنا هو الإغراق في الغموض والألغاز، ولكن المقصود هو خلق أكثر من نافذة، كل قارئ يتلصص على العالم من نافذة غير الآخر، من منظور غير الآخر، هناك من سيرى العالم من عين الشيخ، أو الأحدب، أو الغريب، أو البابلي، أو عاهرة من عاهرات هذا العالم. تعدد المعاني يولد مع تعدد القراء، أو من تعدد القراءات للقارئ الواحد، وهذه اللعبة تتيح للنص أن يعيش أكثر، ويقرأ مرة بعد أخرى.


■ العمل يرصد صراعات إنسانية متخيلة مرتبطة بحروب حقيقية، ما هو الشيء الذي أردت قوله من خلال هذا الربط؟ □ الواقعية الطيفية؛ كان هو المصطلح النقدي الذي اختاره الناقد صلاح السروي لوصفِ «سورة الأفعى»، وقال إنها تؤسس لمدرسة جديدة، وهذا حال الكتابة الجيدة. فالرواية تهتم بالواقع الإجتماعي والتاريخي للإنسان، ولهذا فهي واقعية، وطيفية لإنك لا تكون على يقين مما يحدث، ثمة ضبابية متعمدة، لون رمادي حاضر. في ظل عالم مليء بالدخان، الرماد، الجثث، نعيش في وطننا العربي، فكيف ستكون ملامحنا؟ وما أثر هذه الحروب علينا؟ وما مغانم حروبنا اليومية الصغيرة؟ في دائرة هذه الأسئلة يطوف أبطال العمل.


■ علاقة الإنسان مع الله كانت جزءا غامضا من «سورة الأفعى» ما القصد من هذا الغموض الذي تعمدت رسمه؟
 □ علاقة الإنسان السيء، المؤمن، بالله دومًا غامضة، الشيطان على سبيل المثال يعرف بوجوده حق اليقين، ومع هذا اختار طريق الهلاك، وشيطان هذه الرواية ليس سوى الإنسان. يهوذا كان من حواري المسيح، ومقابل ثلاثين قطعة فضة فقط، باع النبي. والذين قتلوا أحفاد النبي، كانوا مؤمنين رغم ذلك. مشكلة الشر مشكلة معقدة؛ حروب مقدسة تسفك فيها الدماء باسم الرب، ولا استغفار، ولا توبة. الله هو الخير المطلق، البعيد، عن الإنسان المنفي في الأرضِ، فلا عجب أن تكون العلاقة غامضة.


■ تقول في أحد تصريحاتك إنك تحب الكتابات الخالدة التي تقرأ مرات عدة، هل تعتقد أن «سورة الأفعى» ستنال من هذا الخلود؟
□ أتمنى، وربما لن أكون موجودًا لأشهد هذا. في عالمنا العربي يتم الاحتفاء بالأعمال الجيدة بعد موت أصحابها، لكن هناك من ينجو. على أي حال، الأعمال الجيدة لابد أن تقرأ، وأن تخلد، بمثل هذه الأفكار نؤمن، وحكم كهذا على العمل الأدبي متروك للقراء والنقاد، وقبل ذلك للزمن، فالأعمال العظيمة تسبق عصرها، لا أشهد لنفسي، الزمن يشهد لي، أو عليّ، أنا ميت، مت بعد الانتهاء من الكتابة و«سورة الأفعى» ملكٌ لقارئها.


■ يقول الناقد يسري عبد الغني أنك أجدت في رصد المتناقضات التي كانت واضحة، خصوصا في حوارات الرواية، ما الهدف من تلك التناقضات؟
 □ كثير من القراء والنقاد لاحظوا أنني مولع بالمتناقضات، في «سورة الأفعى»، و«بنت حلوة وعود» أيضًا، لكن هذه المتناقضات كان وجودها ضروريًا في «سورة الأفعى»، لأن الحروب تقوم بضدين، في رقعة الشطرنج لابد من الأبيض والأسود، واللون الرمادي كان حاضرًا في المحاورات، ترى منطق كل شخصية في الحربِ، لا أحد يمثل ضدًا، ولكن كل منهم يقف في منطقة مقابلة للآخر في مأزق أخلاقي، أو من أجل الفوز بغنيمة ما، وربما يتبنى الواحد منطق الآخر المرفوض إن كان يقف في الجبهةِ الأخرى.


■ هل يمكن القول إن «سورة الأفعى» هي صورة مصر المتخيلة في عقلك؟
□ للأسفِ، حاولت أن أهرب من هذه الصورة، بحثت عن شعاع ضوء في بلدانها، القاهرة، أسوان، والإسكندرية ـ التي بدت للوهلة الأولى وكأنها كأس ماء، والعالم من حولها صحراء، لكنها في النهاية لم تكن أكثر من سراب؛ مدينة يلجأ إليها الموتى، لتصير ملاذهم. نحن أبناء هذه اللحظة، التي بدورها ابنة لتاريخ سيء، ثورات وحروب وهزائم، لم تكن أغنيات العندليب صادقة، ولم تقودنا قصائد صلاح جاهين إلى مستقبل أفضل، نحن من المستقبل نحدثهم، ونصرخ في آذانهم: لقد كذبتم علينا.


■ لماذا رسمت شخصيات روايتك بكل هذه الانهزامية؟
□ لم أرسم أحدًا، هم أبناء عالمهم، همس لي الغريب بحكايتهم، وحكايتنا، هذا كل ما في الأمرِ. نحن منهزمون، ننتظر من ينتزع ضرسنا التالف، أعمارنا تضيع من أيدينا، تتبدد أحلامنا، ولا نصل إلى شيء مما نريد. في الرواية غربان سوداء، تقف على الشجر، أعمدة الإنارة، سطوح البيوت، ظلت تراقب الأحداث، كنت هناك، محض غراب أسود، أشاهد ضياعنا، أنعقُ، وكان معي غربان أخرى، من القراء؛ كلنا أبصرنا حقيقتنا.


■ الرواية ستترجم للتركية، هل تعتقد أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك لتصبح رواية عالمية؟
 □ آمل ذلك، وأعتقد أن المسابقات الكبيرة تعطي هذه الفرصة للأعمال الجيدة، ولهذا فإن وجودها ضرورة، أتمنى أن يكون للرواية حظها من ذلك، وأن تتم ترجمتها، وأن تقرأ بما يليق بها.

---------------------------------------

 المصري مصطفى الشيمي: «سورة الأفعى» رواية رمادية تشبه ملامحنا-جريدة القدس العربي  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق