هناك من تمشي خطاه على خطاي

الاثنين، 7 سبتمبر، 2015

حي.. امتزاج الصوفية بسحر الفانتازيا

حي.. امتزاج الصوفية بسحر الفانتازيا



إبراهيم عادل – التقرير

 في تجربته الروائية الأولى (حي) الصادرة عن دار (العين) عام 2014 يخوض “مصطفى الشيمي” في عوالم التصوف والفانتازيا، ويسأل عن الوجود والحياة والموت، من خلال حكايتين متوازيتين في الرواية يقدم للأولى باسم “الشيخ” وللثانية باسم “الطريقة”، وبين الشيخ والطريقة تتضح معالم التجربة روائيًا وسرديًا من خلال أحداث العمل وشخصياته التي يمزج فيها أيضًا بين القرية وما تمنحه من تربة خصبة للمعتقدات الغريبة وسيطرة الخرافات الناتج عن انتشار الجهل وسيطرة ذوي النفوذ والمكانة، وبين أهل المدينة المتعلمين الذين يخضعون بطريقة أخرى لهواجس وأفكار تجعلهم أسرى تخيلات غير منطقية!
 تبدأ الرواية بالصرخة المفزعة التي تبدو كما لو كانت الحدث الرئيس أو التي ستفضي إلى حدثٍ رئيسٍ في الرواية، في حين يكتشف القارئ أنها مجرد تمهيد لظهور الشخصية الرئيسة في العمل “عبد النعيم”، ذلك الرجل الذي يواجه ابن العمدة ويصبح فجأة منبوذًا، وهو الفرد الهامشي أصلاً ابن راعي الغنم الذي لا حول له ولا قوة، ولكنه في الوقت نفسه يملك رؤية مختلفة للعالم ويصل الكاتب من خلاله إلى خفايا عالم فانتازي يتصارع فيه الأموات والأحياء!
 وفي الوقت الذي تمثل فيه حكاية “عبد النعيم” وعالمه مركز الرواية، وبما سيتقاطع مع تلك الحكاية في الجزء الثاني من الرواية الخاص (بالطريقة) يضفِّر الكاتب حكايته بقصص عالم القرية وأساطيرهم الخاصة، فتأتي حكاية يوم طهور “ابن العمدة” وما صاحب ذلك من احتفالات، كما تأتي حكاية لحظات توديع “العمدة” إلى مثواه الأخير محمولاً على النعش وما يصاحب ذلك من طقوس تؤكد كلها على طبيعة تفكير مجتمع القرية وتعاملهم مع وفاة كبيرهم، وكذا حكايات الأطفال الذين هربوا من شرب الخمر الذي استشرى في القرية بفضل العمدة الجديد إلى التواصل مع العفاريت وعالم الأموات السري الذي يجذبهم بشدة، فيحيكون حوله القصص الشيقة والحكايات التي يتورط بسببها واحد منهم فتقوده إلى هلاكه!
 (ينعزل الأطفال هنا في الترعة بعيدًا عن هموم الحياة، ويغرقون همومهم في الترعة، أطفالٌ هم ربما، ولكنهم يحملون من الهموم ما لم يحمله أجدادهم، هرم الأجداد، ظهورهم محنية ووجوههم متشققة، لا يفعلون شيئًا سوى انتظار جلسات السمر حتى يسكروا بالموسيقى… لا يحب نعيم جلسات السمر تلك ولا يحضرها، كسولٌ يحب النوم أكثر، ينتظر دومًا حضور ملائكة النوم البيضاء حتى يسافر معها فوق أجنحتها، فوق السحب والسماوات هناك يقابل الأنبياء ويرى معجزاتهم، يرى الشياطين أيضًا، يرى إبليس والحارث وهشام، تختفي الشياطين كلها حين يرى الجميلة “ليلى”)
 ربما ينسى القارئ في الجزء الثاني أن الحكاية ذات صلة بما سبق أن قرأه، لولا أن العنوان يدل على وجود صوفي مكتمل “الشيخ ثم الطريقة”، ولكن الحكاية تتحدث عن شخصيات مختلفة، تبدو بعيدة كل البعد عن عالم القرية ومنغمسة في عالم القاهرة، ولكنها متلبسة بأجواء الغيبيات الأخرى. يجد بطل الحكاية الثانية “نصر الدين” نفسه أسيرًا لأفكار وهواجس تأتيه من بئرٍ بالقرب من منزله يسكنه “عفاريت” يطلبون منه أن يخلصهم، وتسيطر عليه تلك الأفكار حتى تقوده المصادفة إلى رحلة غريبة ليجد نفسه فجأة يصل إلى تلك القرية التي كان القارئ قد تعرَّف عليها في الجزء الأوَّل بل ويدرك أيضا -في هذه المنطقة من السرد- أن “نصر الدين” هو ذلك الغريب الذي كانت تنتظره القرية ليخلصها مما وصل إليه حالها من شر وضياع! وكما كان الجزء الأول غير مقتصرٍ على حكاية “عبد النعيم” ومن حوله، تتوسّع دائرة الحكايات في الجزء الثاني لتشمل حكايات متعددة حول “نصر الدين” ورحلته الغريبة، منها حكاية قائدة الرحلة الملثمة “إيزابيلا” التي تأتي حكايتها على لسان “جعفر” أحد أفراد القافلة لأهل القرية:
 (لله أسرارٌ عديدة في الكون، أسرارٌ دفعت امرأة بيضاء أن تترك جسدها لشمس الشرق السمراء، وحين تحررت عاداها كل بني جلدتها، فقط لأنها أحبت الشمس. عادتها “بريطانيا العظمى” فقط لأنها وقفت مع الشعوب والأوطان، كان الشرق في عينيها هو شعلة النار الباقية، هنا رأت الله بعينيها الزرقاوين للمرة الأولى، هنا شعرت بالسلام النفسي العميق، ولم يكن لها أن تترك الغرب يطمس جسدها وحضارتها الوحيد الذي سينجح في الاقتراب منها هو رجلٌ عربي أسمر سيقابلها في “أسوان” وسيراها تتعمّد عاريةُ في النيل فيغضب بشدة..)
 هكذا تتحّول الحكايات الجانبية في الرواية إلى أساطير مختلفة تلفت انتباه القارئ وتغوص به داخل عالم الرواية الذي يأخذ من الواقع جانب ويتعمق إلى عوالم الغيب والخرافات بجوانب أخرى متعددة. يسعى “نصر الدين” للتقرب من تلك المرأة الأسطورة التي كانت تطارده في المدينة وتختفي، حتى يجد نفسه على مشارف القرية فيواصل رحلته ويصل إلى “عبد النعيم” ويبدوان كأن أحدهما امتدادٌ للآخر وتابع له مع اختلاف الزمان، وتستمر الرواية في تصوير ذلك العالم الغريب الذي يمزج الوقائع الحقيقية بالخيال والخرافات والأساطير في نسيج واحد! حرص الكاتب أيضًا على أن يضمِّن الرواية عددًا من الأشعار والأبيات الصوفية سواء في أوائل فصول الرواية أو في الموالد التي يشارك فيها أبطالها، واتسمت لغته في بعض المقاطع بالشاعرية التي تتماشى مع تلك الأجواء الخاصة جدًا، فيجد القارئ نفسه في النهاية متمثلاً عنوان الرواية “حي” الذي يأتي على ألسنة المتصوفة أثناء تأديتهم لطقوس الحضرة مستحضرين بهذا اللفظ البسيط في تركيبه عالمًا غيبيًا كاملاً حاولت الرواية أن تقترب منه.
 وهكذا تمثل هذه الرواية رؤية خاصة للعالم يشكلها “مصطفى الشيمي” باقتدار في تجربته الأولى الفريدة التي تؤكد امتلاكه الموهبة وتنبئ بقدرات خاصة على السرد تجعلنا في انتظار أعمال أخرى أكثر ثراءً وتميزًا.
 تجدر الإشارة إلى أن “مصطفى الشيمي” كان قد كتب قبل روايته مجموعتين قصصيتين فازت إحداهما بالمركز الثالث في مسابقة “الهيئة العامة لقصور الثقافة”، بينما حصلت الأخرى “فراشات ملونة” على المركز الخامس في مسابقة “كتاب اليوم”.