هناك من تمشي خطاه على خطاي

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

القاهرة .. مدينة العجائز - سونيا والمجنون




القاهرة .. مدينة العجائز


مقال عن فيلم سونيا والمجنون
الفائز بأحسن فيلم من موسكو
عن رائعة
ديستوفيسكى الجريمة والعقاب

محمود ياسين ونجلاء فتحي - فيلم سونيا والمجنون




  ربما لم أشاهد فيلمًا عربيًا يأسرني مثلما فعلَ "سونيا والمجنون"، الفيلم الحائز على جائزة أحسن فيلم من موسكو عن رواية الجريمة والعقاب أمام منافسين قويين هما الفيلم البريطاني والأمريكي، والحائز على جائزة أحسن حوار من مصر. وبعيدًا عن الجوائزِ، فهنا سنجدُ فيلمًا مكتمل الأركان؛ ابتداء من المخرجِ حسام الدين مصطفى، والذي كان مولعًا بالتفاصيل الصغيرة، مثل دستويفسكي مؤلف الروايةِ، إلى السيناريست محمود دياب، والذي هضم الرواية الضخمة واستطاع تحويلها، وبشكل رائع، إلى فيلم قصير. ناهيك عن طاقم التمثيل، وبقيادة العملاق محمود ياسين، الذي استطاع أن يتقمصَ الشخصية، البطل المجنون، أفضل من أي مجنون آخر.



بعض المجانين في السينما

  وقبل أن أبدأَ بالثرثرةَ عن الفيلمِ، سأخبرُك سرًا
عندي مشكلةٌ.. أنا منحازٌ إلى مجنون سونيا، دومًا أنحازُ إلى المجانين. أرى أن مجنون سونيا هو المحق، وقناوي (مجنون هنومة) هو العاشق، وال joker , وMax بطل فيلم Mary and Max، وSweeney todd الذي قتل نصف المدينة، والمهرج والمهرجة في فيلم Cabaret، والمراهق العابث بطل فيلم A Clockwork Orange. أنا منحازٌ إلى المجانين، وأصدقهم، ولا أفهم لماذا يظهرون دومًا في الأفلام على صورةِ الأشرار؟



  مجرد فكرة عظيمة سيطرت على عقل البطل، مجنون سونيا، وهي، أننا، جميعًا، نستحقُ حياة أفضل، لكنها، القاهرة، مدينة العجائز، يحكمُها الشر. امرأةٌ مثل أم غريب تكنزُ المالَ والذهبَ في صندوقِها، والفقراء، هناك، في الشوارعِ المظلمة يأكلون من صناديقِ القمامة. القاهرة مدينةٌ ملعونة بجشعِها، الجميع يشهدون على هذه الحقيقة، لكنهم متخاذلون أمام بطشِ النظام. ما عدا البطل الذي يقررُ أن يثورَ، ويعيدَ ترتيب الأمورَ في نصابِها الصحيح. هناك من يستحقُ حياة أفضل، مثل سونيا، فتاة الليل التي باعت جسدَها، وأخت البطل، التي ستتزوج رجلاً غنيًا وعجوزًا ومقززًا، والفتاة الخرساء، التي تعمل مع والدِها في سنِ السكاكين.

  يصعدُ البطلُ الدرجَ إلى شقةِ أم غريب، وهناك يقتلُها بالساطورِ، تعلو موسيقى تصويرية رائعة، صاخبة ومزعجة، تتكررُ دومًا في مشاهد القتلِ، في المرة الأولى عندما قتلها، وفي الثانية، قبل مغادرة شقتها، عندما رآها تترنحُ في احتضارِها، ففزع منها، فزعَ، هو، القاتلُ منها، هي، القتيلِ. وفي المرة الثالثة تحضر الموسيقى عندما كان يقص لسونيا تفاصيل الجريمة، لكن لماذا فعل هذا؟ لا أقصد لماذا ارتكبَ الجريمة، بل لماذا تاب عنها؟ 

  الصراع هو السبب، الصراع الذي كاد يقتلَ البطل، ليس فقط صراع البطل مع ظابط البوليس، هذا الصراع الثلجي الذي جمعهما، معركة أعصاب، إن شئت أن تسمّها، والتي ربحها القط، ظابط البوليس، بالطبعِ. كان الفأر الأحمق يحوم كثيرًا، مثل أي مجرم آخر، حول مسرح الجريمةِ، حتى دخلَ في النهايةِ، ودون أن يدري، إلى المصيدةِ. لكن هذا الصراع البارد بينهما لم يكن شيئًا، بالمقارنةِ، بالصراع الأعظم، الساخن، صراع البطل مع نفسِه، والكوابيسِ، إذ صار هو عدو نفسه، صار نحيلاً، وهزيلاً، ومشوشًا، لم يعد يذكر، أين هو الطريق؟ ولهذا لجأ إليها، سونيا، كي يسترشد بضوء عينيها الجميلتين.


  عندما عادت موسيقى القتل، في المرة الثالثة، كان مجنون سونيا يقصُ لها الحادث، رفع يده للأعلى، بالساطورِ الوهمي، وهنا غمضت عينيها وصرخت إذ أنها رأت كل شيءٍ، الدماء، دماء أم غريب، المرأة العجوز التي قتلها بغية انقاذ سونيا وبقية مهمشين القاهرة. امرأة عجوز، خنفسة كما يطلق عليها، لكنها تظل روحًا. البطل الذي أراد تغيير الدنيا، وأن يصيرَ إنسان خارقًا، مثل نابليون، لم يستطع تحمل الجريمة، سقطَ وحده، من دون ظابط أو مطاردة، سقطَ وحده أمام بضعة كوابيس في الفراشِ، أمام الطبيعية البشرية الطيبة.


  اختلفت الموسيقى، عندما كان مجنون سونيا يعترفُ إليها نادمًا بما فعل، صارت موسيقى هادئة ومطمئنة، كأنها هي موسيقى روحها، روح سونيا، المطمئنة. وعادت هذه الموسيقى الهادئة، مرة أخرى، في مشهدِ النهايةِ، عندما كان مجنون سونيا يسيرُ مع الظابط إلى السجنِ ويودع سونيا بالنظراتِ الحزينة العاجزة. هل أخطأ البطل في ارتكابِ الجريمة؟ الفيلم يجيب عن هذا السؤال بالنفي، فالخطأ مشترك، سونيا الجميلة ليست بعاهرةٍ، لكن الواقع حكم عليها بهذا العقاب دون ذنب، ولن تجد من ينقذِها أبدًا. النظام ذو خلل عظيم، القوانين قاسية وداعرة، فكيف تحكم هذه القوانين ذاتها علينا، نحن الطيبون، بالجرمِ؟ كيف؟!


  بالطبعِ، أداء محمود ياسين العبقري، ونبرة الصوت الهيسترية، والتحركات العصبية المبالغ فيها التي كان يقوم بها، هي التي استطاعت أن ترسم شخصية مركبة ومعقدة مثل مجنون سونيا، هناك مشاهد لا يمكن للمرءِ أن يمل منها، على سبيل المثال، مجنون سونيا وهو يرفع يده للأعلى ويقول بنبرة وأداء هيستيري "أنا ضد الشر في هذه المدينة"، أو حين يقول بجنون "أنا أغبى إنسان في قاهرة 46"، ليس أداء محمود ياسين فقط الذي كان عبقريًا، بل أداء الجميع، حياة قنديل، الفتاة الخرساء التي تعمل في سن السكاكين، وأم سونيا، المرأة العرجاء والمريضة بالسلِ، والتي تعامل ابنتها باحتقارٍ بسبب قصر اليد، وسونيا، التي صدقتها وآمنت بطيبتها وبنورِ روحها، والرائع العظيم عماد الحمدي، الذي قام بدورِ الأب، أو الخنزير، الذي يسكر طول الوقت، ويتركُ هذه الأسرة للضياعِ، ونور الشريف الذي قام بدور الظابط، القط، أو الثعلب الهاديء. بالطبعِ هذه الكوكبة الهامة من الأبطالِ كان يحركُها مخرج مبدع وشغوف بالتفاصيل الصغيرة، ولهذا فإن هناك العديد من الأشياء الأخرى لعشاق التأمل، كل هذه الأشياء، وغيرها، جعلت الفيلم في رأيي من أفضل أفلام السينما المصرية.


الأحد، 6 أكتوبر 2013

كومكس مجنون جدًا




كومكس مجنون جدًا

نثيرة بقلم مصطفى الشيمي

joker vs batman



قال الجوكر بتعاسةٍ
-وهو يشربُ الفودكا-
هذا العالم مجنون جدًا
يحاربني الوطواط الأحمق
من أجل نصف بطولة فارغة
الضد ليس هو الخير لنا
أما أن تكونَ مثلي أو لا تكون

وأجاب باتمان بقوةٍ
- وهو يشربُ الويسكي-
تستطيعُ أن تكتملَ بظلك
فارفع رأسك ولا تسير
 محني الظهر كالفأر العجوز
تأملْ ظلك في الجدار المجاور
الظلام هو مرآتنا الحقيقة

أما أنا.. خالق هاتين الشخصيتين
(تستطيع أن تدعوني ذي الوجهين)
ألقي بعملتي المعدنية الكبيرة في الهواء
وبدلا من أن أتلقفها أتركُها تهوى
 حتى تسقطَ على رأسِ أحدهم
قضاءً وقدرًا

 لا توجدُ مدينة فاضلة
جوثنام والقاهرة والقدس وأميركا
كل هذه الأكاذيب لن تغفر خطيئتي
في حماقة عابرة وجدتُ الطينَ حسنًا
وقلتُ من هذا الطين يولدُ الإنسان


السبت، 5 أكتوبر 2013

ثرثرة فارغة عن دلالة النعي



ثرثرة فارغة عن دلالة النعي

الموت في مقولتين - السياق والدلالة

 

"رقد على رجاءِ القيامة"
"إنا لله وإنا إليه راجعون"


 لؤي كيالي - فنان تشكيلي سوري


  كانت سيارة النعي تقول "رقد على رجاءِ القيامة فلان الفلاني"، عندما مررنا بجوارِها، فقلتُ شاردًا "أحبُّ هذه الجملة لمدى جمالها"، فاختلفَ صاحبي معي وقال "ليست جميلة على الإطلاق، الجملة الجميلة حقًا هي، إنا لله وإنا إليه راجعون"، وبالطبعِ لم أعرف العلاقة بين الجملتين، ولم أرَ سرًا يستدعي المقارنة بينهما، غير عقلية مغلقة تريد الانتصار لنفسها بإقصاء الآخر؛ إذ لا يعقل أن يكون لدى المسيحين نعيًا أفضلً مما عند المسلمين. المهم أنني بدأت أفكر في الجملتين، وأقارنُ بينهما، من حيث الدلالة اللغوية، وبعيدًا عن أي قدسية دينية أو تعصب أعمى؛ أي بعيدًا عن رأي صديقي الرائع "لو أن جملة المسيحين أجمل لاستعملها الله في القرآن الكريم"!
 هذا المنظور الأحمق الأحمق يجهلُ أن اختيار الله للكلماتِ في القرآن الكريم ليس مقصورًا على القيمة الجمالية، ولكن يهتم في المقامِ الأول بالقيمة الدلالية؛ إذ لا أهمية لجملة جميلة تعطي قائلها ومتلقيها معنًى مناهضًا ومناقضًا للمعنى الذي يريده، هذا ليس من البلاغة في شيءٍ.

  بقليلٍ من التأملِ، نجد أن جملة "رقدَ على رجاءِ القيامة"، هي جملة فعلية، تصفُ شخصا/ بطلاً، ماتَ ورقد، في الماضي، بانتظارِ القيامة، أي النهوض، برجاءِ شديد. هذه الجملة الموحية تتعامل مع الموتِ باعتباره العذاب الحقيقي، أي كابوس الإنسان المفزع، ولهذا فإن البطل هنا ينتظرُ القيامة بفارغِ الصبر والشوق والرجاء، هنا جملة تعلي من قيمة البعث، الحياة، باعتباره الهبة الإلهية الكبرى للإنسان، وتصف الموت وقلق الإنسان من الموت، بشكل وجودي، باعتباره كابوس الإنسان الأول والأخير.


  بينما الجملة الأخرى، "إنّا لله وإنا إليه راجعون"، هي جملة إسمية، مؤكدة بإن، تصفُ حقيقة مطلقة ومؤكدة وثابتة، إذ أن الجملة الأسمية على نقيض الجملة الفعلية تدل على الثبات، وهي تتعاملُ مع هذه القضية باستسلام وتسليم، إذ أن لا فائدة من مقاومة نواميس الطبيعة، هي جملة مليئة بالإيمان العميق والألفة مع نواميس الكون، ولا تدل على قلق أو فزع، ولا تدل سوى على أن الموت - بعد الخالق- هو حقيقة الحياة الوحيدة.



  إن الجملة الأولى، تعلي من قيمة الفرد، وقلق الفرد، من قضية وجودية خطرة، وهي الموت، وتعلي أيضًا من إيمان هذا الفرد بالحياةِ، بالبعثِ، وانتظاره لهذه القيامة برجاءِ شديد، بينما الجملة الأخرى لا تتعامل مع الفردِ، ولكن مع القضية المطلقة؛ أي مع الموت الذي سيصيب الجميع. هي تتجاهل الفرد وتشملُ المجموع، تهمسُ "لا داعي للقلق طالما أن الموت سيقبض أرواح الجميع"، وبعدها سنقفُ في يوم الحشر، حيث الزحام الشديد أيضًا، وننتظرُ حسابنا. بينما الجملة الأولى لا تهتم بالأخرين، لا تهتم سوى بهذا المسكين الذي يواجه الموت والوحدة وحده، وحتى القيامة.


  ناهيك عن إن استعمال المفردات هنا لدلالات ورموز تتعلقُ بالقصصِ الدينية، فعلى سبيل المثال، القيامة هنا، في الجملة الأولى، تستدعي إلى الذهنِ، وعلى الفورِ، قيامة المسيح باعتبارها معجزة كبرى، بعد ثلاثة أيام من الصلبِ، وهنا الفرد المسيحي ينتظرُ أن تتكررَ هذه التجربة، المعجزة، معه أيضًا. بينما المفردات في الجملة الأخرى لا تستدعي قصةِ أو معجزة بعينها، غير أنها تأمر بالصبرِ على المصيبة والسلوان.





الخميس، 3 أكتوبر 2013

إنجيل يهوذا - قصة قصيرة - مصطفى الشيمي

إنجيل يهوذا 

قصة قصيرة
مصطفى الشيمي


Guercino - Mary Magdalene in Penitenc


نشرت في جريدة التحرير بتاريخ 3/4/2013
*فازت بالمركز الرابع في مسابقة دار جان للنشر في المانيا 2012


ليسَ للعاهراتِ الحق في أن يعشقن، أعرفُ هذا جيدًا؛ لأنني عاهرة. أدعى مريم. أحبُّ الوقوفَ عاريةً أمام مرآتي، أتأملُ جسدي الشهي الهائج، المشتعلَ بالشهوة، وأظمأُ إلى فراشِي المبتلِّ بالعرقِ. أعيشُ في بيت دعارة صغير بالقربِ من كنيسة جميلة، قد يخلو البيتُ من الزبائنِ، لكن جسدي لا يخلو من الشهوةِ، فألجأُ أحيانًا إلى مضاجعةِ بعض الشياطينِ. أذكرُ عدد الذين ضاجعوني جميعًا، كانوا خمسين إنسيًّا وسبعة شياطين.
العاهراتُ يحملن وشمَ النبوة فوق نهدِهن الأيمنِ؛ لهذا يحج إلينا المتعبون للصلاةِ بأجسادِنَا كل مساءٍ. لم أقابلْ من يقدرُ على الكفرِ بجسدي، هو كتابي السماوي المدهش ومعجزتي الإلهية. حين أزورُ السوقَ أرى الجميع يراقبونني بأعينِهم، ويرجمونني بالنظراتِ. لم أقابلْ من يملكُ سلطانًا ليقول:" من كان منكم بلا خطية فليقرأها مرة أخرى"، ترى ماذا يكون رد فعلهم لو قرأوا الصلوات السرية المكتوبة على جسدي، حينها فقط سيكفرون بي ويكفّرون الجميع.

كانوا يجلسون في الهيكلِ عندمَا تفلَ المسيح على الأرضِ وصنعَ من التفلِ طينًا وطلى بالطينِ عين الأعمى فأبصرَ، فأمره بالذهابِ للاغتسال في بركةِ سلوم. سأل يوحنا: "يا معلم كيف نبصرُ؟، فأجاب المسيحُ:" آمِنوا بالنورِ حتى تصيروا أبناء النورِ"، ثم سألَ يوحنا سؤالا آخر، قال:" ولمن الخطية يا معلم؟"، سكتَ المسيح قليلًا ثم قال:" لو كنتم عميانا كانت لكم الخطية، ولو كنتم تبصرون فخطيتكم باقية!".

للعاهراتِ الحق في أن يعشقن، أنا أعرفُ هذا جيدًا، لأنني لا أدينُ أرواح القديسين. أدعى مصطفى؛ لأنني اصطفيتُ نفسي على البشر. قابلتُ القديسة مريم في غرفتها، جئتُ لقضاءِ ليلة عادية كأي زبون عادي لكنها سجدت عند قدمي حين رأتني وقالتْ:" أنتَ، حررني من سجني أرجوكَ!"، أرتنى بعض صلواتِها السرية المكتوبة بالحناء فوق جسدِها المدهش، وأرتني أيضًا كل أسرارِها الأنثوية. ثم قبلتني وقالت:" بقبلتك تطرد الشياطين السبع من جسدي"، وبعدها توحدنا معًا في الملكوتِ، فقررتُ تحريرها من كل قيود الشياطين.
عندمَا عدتُ إلى بيتي كنتُ حائرًا، أبحثُ عن حيلة تحررها من غير دم. لكن لم يكن هناك طريقة للوقوف ضد الجميع سوى الحرب، عليّ أن أحملَ سيفي أو أخسر. أخبرتُ والدي الشيخ بما أريدُ، قلتُ : "أريد الزواجِ من فتاةٍ تدعى مريم"، قال : "نعم الاسم هو، تقربًا للعذراءِ"، قلت : "لا، هي أقربُ للمجدليةِ". فنظرَ إلي بغضبٍ وطردني من البيتِ. ذهبتُ إلى صديقي في المقهى، وقلتُ لهما:" أريد الزواجَ من فتاة تدعى مريم، لكن أبي رفضَ وطردني من البيتِ"، سألني الأولُ:" ولماذا رفضَ؟"، فأجبتُ:" لأن أبي شيخٌ!"، سألني الثاني:"وأين المشكلة؟ تزوجها سرَّا"، فأجبتُ: "شرطُ الزواجِ الإشهار!" ، قالا:" فماذا أنت فاعل؟"، فأجبتُ:"سأتحدى الجميعَ!"

اجتمعَ رؤساء الكهنةِ والكتبةِ وشيوخ الشعب بدار "قيافا" رئيس الكهنةِ وقالوا بغضب:" يسوع يحيي الموتى!"، سألهم قيافا أن يهدأوا حتى يفهمَ ما يقولون، فقال أحدهم:" إلعازر عاد إلى الحياةِ، قال يسوع "لأجلِ مجد الله يعود، فماذا عن مجدنا نحن؟". غضبَ قيافا وقال:" ليس على الموتى أن يعودوا للحياةِ"، وقرروا أن يصلبوا المسيح في هذه اللحظة.

الجميع يعرفون جيدًا أن مريم عاهرة، لو أخبرتهم أنها قديسة لن يصدقوا. أتعجبُ كيف لا يرون هالة النورِ فوق رأسها؟ شعرها الأسود المجدول يهديني إلى الحقيقةِ، كل ضفيرة منها هي الطريق، فلماذا يريدون رجمها وصلبي؟ بالأمسِ، لم نكن نعرف بوجود أية مكيدة، دخلنا إلى شقتنا الجديدة، وعندمَا أشعلنا الضوءَ، فوجئنا بوجودِ جميع أهل الحي فيها. طردونا، وطاردونا، ألقوا بحاجاتنا كلها من النافذةِ في الشارعِ، شدوا شعر مريم الجميلة، قطعوا قميصي، حاولتُ الدفاعَ عنها، وجدتها تبكي، وجدتني أبكي، كان الجميع من حولنا مجانين. جرينا في طرقات الحي، فلم يتركونا، ضربني أحدهم بعصا غليظة على مؤخرة رأسي، ومزق أحدهم فستانها حتى
بدا نهداها. تركونا أخيرًا للأطفال كي يرجمونا بالحجارةِ حتى وصلنا إلى نهايةِ الشارع. ركبنا تاكسي، فسألنا السائقُ: إلى أين؟ قلنا: "إلى أي مكان، لا يوجد هاهنا مكان يتسع لنا، فقد تساوت الأمكنة" كانت مملكتنا بعيدة جدا عن هذا العالم.
جلسنا أسفل شجرة تفاحٍ، نامت هي على حجري، واستندتُ بظهري على جزعِ الشجرة، مررت يدي بين خصلاتِ شعرها شاردًا، شعرت بالجوعِ، قطفتُ لنا تفاحة من الشجرة المباركةِ، تساءلت ماذا سيحدث لو أكل البشر جميعًا من شجرة آدم؟ أجبتُ: ربما أدركوا الحقيقة كلها. فكرتُ في حقيقة صاحبي الخائن الذي أخبرهم بنصف الماضي، وتساءلت من يكون منهما يا ترى؟!

احتضنَ المسيحُ الصليبَ وسار إلى جبلِ جلجلة، مدمى الجسد، ضعيفًا وخائفًا. سقطَ على الأرضِ كثيرًا، وكثيرًا جدا لم يستطع النهوض. فجاءوا برجلٍ يُدعى سمعان ،كان عائدًا من الحقلِ وسخروه لمساعدته في حملِ الصليبِ. همس الرجلُ:" ماذا فعلت كي تستحقَ الصلبَ؟"، فأجاب المسيحُ:" أحببت امرأة!"، فأومأ سمعان بحزنٍ وقال:" ومن ذا الذي وضعك على الصليب؟"، فسكتَ المسيح قليلًا ثم قال:"هو يهوذا الأموي، خال المؤمنين!"


مصطفى الشيمي يكتب إنجيل يهوذا