هناك من تمشي خطاه على خطاي

الأربعاء، 22 يوليو 2015

زهرة النرد

زهرة النرد

-نثيرة- 
مصطفى الشيمي



تطاردني بومة في الليل.
قلبي شجرة خضراء
ورأسي رقعة للحرب 
لا أريد أن أصير ممزقا 
بين موتين
سألقي زهرة النرد
وأمضي في الطريق.
 من يجد خرافتي
مثل شبح بائس
-يبحث عن رفيق-
يطعمني
 القليل من الحب
ويربت على كتفي
ويمضي.
تأرق القلب بما يكفي.
كم أنا جائع
والناس من حولي
لا يرون هالة النور 
وحمامة بيضاء
تحط فوق رأسي
فلماذا حين أعلو
لأنام على الصليب
سيمجدون اسمي.
قط يقبل قدمي
وفأر
 يحمل الكأس المقدسة
ويتلو ما تيسر من خلود.

الجمعة، 3 يوليو 2015

منافي الرب - موت بطعم البرتقال

رواية منافي الرب
موتٌ بطعم البرتقال

قراءة مصطفى الشيمي


  برؤيا مفزعة يستهل الخمايسي رواية "منافي الرب". رؤيا تورط القاريء مباشرة في الحدثِ. يدخل إلى قلب الرواية ليتابع بشغف حياة الرجل العجوز "حجيزي" الذي رأى الموت، أو رأى ما تبقى من الحياة، في هيئة ثلاث ثمرات. سيأكلها ثم موتًا يموت. من هنا تبدأ الحكاية في واحة "الوعرة"، الواحة التي يعيش فيها أبطالنا ونعيش فيها أيضًا – نحن القراء. الروايات العظيمة تكشف عن نفسها من استهلالها، وهنا استهلال عظيم لرواية عظيمة، وبالرغمِ من هذات فإن الخمايسي لا يكتفي بهذا الاستلال والامتلاك للقاريء، بل يقطع الزمن كيفما شاء، بحرية كبيرة، فيأخذنا هنا وهناك، إلى الماضي تارة، وإلى الحاضر والآتي، حتى تأخذ الرواية بنية بيت العنكبوت، وعنكبوتها هو الموت الذي يحاصر الأبطال، والقراء أيضًا الذين لا يستطيع الهرب من خيوط الرواية. تمتلكهم تمامًا وتمتزج البنية بالمضمون، ويصير الهروب من الموت، أو من متابعة القراءة، أمرًا مستعصيًا.
 الحرية التي يكتب بها الخمايسي والقدرة على التحرر من الزمنِ وامتلاك الكون: هي السهل الممتنع. السهل المتع. وهي التشر تشعر القاريء بأن الرواية تحكي نفسها بنفسي، يغيب الكاتب في ركن قصي، يموت فلا نحس بالكلفة والتصنع. هنا حكاية صادقة، وأبطال صادقون، بدائيون، ويشبهون لنا بعيدًا عن المدينة- الكذبة. نتعاطف مع تفاصيلهم الصغيرة، واكتشافاتهم الكبيرة: للمرأة وللجنس، للرب وللوجود، للموت وللخلود. يطل عليها الموت هنا باعتباره عزلة أخرى للإنسان، منفى آخر من منافي الرب، كأننا سنظل نعاقب على خطيئتنا لآخر الزمان.
   للماءِ دلالة مقدسة في الصحراءِ، وهنا شخوص من رمل لا من طين. تشربُ فلا ترتوي وتظمأ من جديد. الماء قليل وبعيد مثل السماءِ. والأبطال الرمليون يشتمون ويلعنون، وبالرغمِ من هذا فالنبوة جلية عليهم، والنبوة هي سر غربة الإنسان. تتشكل صخور المكان طول الوقت، كالصلصال، تبعًا لانفعال أبطالها. فتصير الصحراء حية ومتجددة. بلغة هي وليدة المكان. تتكيف اللغة عادة في الأدب تبعًا لبيئتها، لكن في الواقع، وفي رواية مثل منافي الرب فإن اللغة لا تتكيف فقط مع البيئة بل تولد وتنفجر وتمتزج بالمكان فتولده ويولدها ويصيرا معًا كتوأمي سيامي.
  تتقطع الحكاية الواحدة إلى مئاتِ الحكايات، ويطاردها القاريء لاهثًا. نسافر مع حجيزي في الرحلة الأخيرة إلى شجرة البرتقال، والتي هي خطيئة أخرى، ربما. هل يحق الإنسان، وبالرغمِ من كل الشرور الكثيرة التي يفعلها، أن يطمع في الخلودِ؟ والخلود صفة إلهية وعين جوهرها. لكن في منافي الرب لا نرى شرور الإنسان بقدرِ ما نرى شرور الربِ، في واحة مقفرة تنام على عين الرب الساهرة، تبدو السماء وحدها هي الشريرة والقاسية على أطفال الواحة وأهلها.
  وبرغم من غياب الكاتب طوال النص، لكنني شعرت بصوت الكاتب يعلو قليلاً عند ظهور المعزي. بالرغم من أن ظهور المعزي متسق مع الحالة الفنية وقضاء وقت مع القربان، لكنني شعرت بأن صوت هذه الحكمة عالية وتضع حلًا للرواية التي وصلت إلى زروتها ولهاجس الدفن الذي ظل يطارد خجيزي بطول النص، ليكشف لنا، ولحجيزي، بأن غاية الآلهة من وجود الإنسان هو أن يخلد ذكراه. وهي حكمة تناقضها الأحداث المليئة بالموتِ والشر الآلهي، بل تبدو عبثية وعدمية، إذ أن ذكرانا لن تنفعنا في شيءٍ والدود والحشرات سيأكلون رؤوسنا. وتبدو الأساطير القديمة أكثر صدقًا في سعيها للإجابة: بأن غاية الآلهة من وجود الإنسان هو أن يعذب. بالرغمِ من ولعي وتوقي للخلود، لم أصدقْ المعزي كثيرًا.
  ربما. انساق الخماسي لهذه الرغبة في مليء فراغ هذا الوجود بالمعنى، لكنها على أية حال اختلاف رؤى لا يغير من أنها رواية عظيمة، نرى فيها على امتدادها بؤس الإنسان والموت ينهش صدره وكبده وولده. إننا نكشتف في نهاية الروية بأن المسجد الذي يصلي الناس فيه لم يكن سوى سجن كبير بلا نوافذ، بناه العثمانيون لتعذيب الناس ، كإنها إشارة سيئة – للذي يؤمنون بالإشارات. هل يعذبنا الله طوال الوقت أيضًا؟ على أي حال هذه الرؤية التي انساق، الخمايسي، لها لم تكن وليدة هذا العمل فقط، ولكن رؤية تتسق مع مشروع الخمايسي – في مجمل الأعمال- التي تؤكد على ضرورة الفعل، برغم الموت والرمل والزمن، للوصولِ إلى المجدِ والخلود. باعتبار أن الفعل إن لم يجعل للموت معنى، فعلى الأقل يهبها لحيواتنا القصيرة. هذه رواية خالدة لن تنسى.

الأربعاء، 1 يوليو 2015

Papillon – الفراشة الزرقاء

 Papillon
الفراشة الزرقاء

مشهد من فيلم Papillon في السجن الإنفرادي



قراءة : مصطفى الشيمي


  ربما لم تشاهد فيلمًا مثل هذا ، وإن كنت مولعا بأفلام السجون. ليس فقط لأن فيلم Papillon المنتج عام 1973، يحكي قصة أشهر سجين في التاريخ. Papillon : الرجل الموشوم على صدره وشم فراشة زرقاء، والفراشات هي رمز الحرية، ولكن لأنك سترى في هذا الفيلم تفاصيلًا لن ترها في أي فيلم آخر. فهذا السجن غريبٌ. ليس ثمة جدران أو قضبان، ولكن السور الذي يجابهك دومًا هو البحر، والبحر غدارٌ كما تعرف، حصان بري لا يروض. في جزيرة يسافر إليها البطل، هناك يعملون مسخرين ضد الطبيعة ولأجل مجد فرنسان. يكفرون عن خطيئتهم ولكن ، كما تعرف، في السجنِ دومًا مظاليم ومظلومين.

  مخرج هذا الفيلم هو Franklin J. Schaffner، وهو رجلٌ مولع بالتفاصيل الصغيرة ويجيد لغة الكاميرا. التفاصيل الصغيرة موجودة ابتداء من الفراشة الزرقاء الموشومة على صدر البطل، مرورًا بالحياة داخلِ السجن، والطبيعة القاسية التي تجلدهم بدورها، من مطر غزير، أو شمس غاضبة، أو تماسيح، أو البق – الحشرات الصغيرة التي تأكل لحم المساجين. لكن هذه التفاصيل الصغيرة وصلت إلى قمتها في مشهد السجن الانفرادي – بعدما دافع البطل عن صديقه الوحيد وهاجم أحد الحراس. في السجن الانفرادي تكون عدو نفسك، والظلام، والأفكار السيئة. وعندما تحرم من نصف معونتك/وجبتك تختار من تكون. الإواء الحقيقي هو مقياس الرجل الحقيقي. هل تشي بصديقك أم لا؟ تأكل الحشرات الصغيرة، تبدأ الرؤية بالتغويش، تفقد صوابك، لا تحمل قدماك، ولا تعرف ماذا تفعل. استطاع الممثل العظيم Steve McQueen أن يتجسد الشخصية على أفضل شكل، مرورًا بجميع التحولات التي تمر بها، بضعفها وقوتها وجنونها، وعظمتها، كان أداء عبقريًا وملهمًا.
  في لحظةٍ من لحظات الفيلم لم أعرف؛ هل هذه هي القصة الحقيقية للسجين الهارب أم أن صانعوا الفيلم يعيدون صياغتها. فبعد هروبهم من السجن الأول، وما تم من أحداث قادتهم إلى جزيرة الرجال المصابين بالجزام- ويعتبر هذا المشهد من أعظم مشاهد الفيلم، إلى حصولهم على القارب وهروبهم من حراس جزيرة آخرى. شعرت بالشك،  لأن البطل عاش في هذه الجزيرة الصامتة، مع اناس بدائيين، حياة كالحلم، حيث السلام والسعادة . قبيلة بدائية تطيب جراح البطل، في مقطع صامت طويل، لا لغة مشتركة، هكذا يبدو، غير أن شيخ القبيلة يطلب في نهاية المشهد ثمن حسن الضيافة، وهو وشم مثل الذي في صدرك: وشم الفراشة. كأنها الحرية هي الثمن الحقيقي للسلام، وللتواصل مع اناس لا لغة مشتركة بينهم.
  تمر أحداث الفيلم ليعود البطل مرة أخرى إلى السجن، بعدما ضبطوه. السجن هذه المرة من دون سور واحد، فقط بحر ممتد أمام بصرك، وأسماك قرش تقود بدور الحراس. هنا يقابل البطل صديقه مرة أخرى، لكنه يبدو مجنونًا، يطارد أشباحًا لا وجود لهم يريدون أن يسرقوا فاكهة حديقة البيت. يقول لـ Papillon: أنت محظوظ. لا شبح في بيتك. وربما هذا الشبح هو السجان. لكن كان للبطل شبحًا آخرًا. فقد كان يجلس،على صخرة، أمام البحر شاردًا طوال الوقت. يأتي أحد المساجين ويصرخ: من أنت لتجلس على صخرة العقيد؟ فيجيب Papillon: ربما لا أحد. ويظل يراقب البحر لا يشتهي غير (الهروب). هذا هو الشبح الذي يطارده ويحاصره. كأنما جاء إلى هذه الدنيا ليصنع اسمًا ومجدًا فقط . يفكر مرة أخرى في تنفيذ هذه الفكرة – بعدما مر على الهروب الأول خمس سنوات، وقد صار عجوزًا. يقول لصاحبه "سنلقي أشولة الجوز الهند فتطفو ونهرب مع التيار. يشك المشاهد في هذه الفكرة، يقول ربما فقد البطل رشده تمامًا ، نشاهد لقطات النهاية، والبطل يقفز من أعلى الجبل إلى القاع، يتشبثُ بالقارب اليدوي ويبتعد تدريجًاعن جزيرة الشيطان، وهناك في منتصف البحر يصرخ منتشيًا وهو ينظر إلى السماء : أنا هنا يا ابناء العاهرة.
  يعد هذا الفيلم من أعظم أفلام السينما، رشح لـ Oscar و لـ Golden Globe usa وفاز بـ Golden Screen, Germany. وعلى المستوى الشخصي يعد اكتشافًا بالنسبة لي لمخرج عظيم وبطل صار من أبطالي المفضلين.