هناك من تمشي خطاه على خطاي

الجمعة، 28 يوليو 2017

السهو والخطأ - كتابة كابوسية بيضاء

السهو والخطأ - كتابة كابوسية بيضاء

قراءة مصطفى الشيمي










"السهو والخطأ"، مجموعة قصصية مميزة، كتابة لا يمكن المرور عليها، ونسيانها، فصورها تعلق في الأعين، وفي الذاكرة. كتابة من الصعب وصفها - باطمئنان- أنها كتابة كابوسية، سوداوية، فالأسود ليس حاضرًا، بل الأبيض؛ العدم، اللاجدوى، العزلة التي يشعر بها إنسان هذا العصر، والوحدة التي تجعلنا نرغب في الحكي، فنسترسل في البدايات، حتى يأتي الحدث، لا تبالي بالتكثيف، بقدر ما تهتم بإبطالها، إنها رحيمةٌ بهم. يسترسلون في الحكي، باعتباره وسيلة للاطمئنان إلى وجودنا، ووجود الآخر. إذا كنا موجودين حقًا فلماذا لا يسمعنا أحدٌ، لا يرانا أحدٌ. كان مثل هذا الحكي يطمئن أحد الأبطال، وهو يفكر في شواهد وجوده، أدلة تثبت ذلك، والبحث عن أدلة يكشف حجم الأزمة، وحجم الفزع. (السكر في فراغات الشاي)، ليس الحكي فقط هو طريقتهم للاطمئنان إلى الوجود، بل البحث عن الرائحة، الرائحة المقززة، العفنة، القوية، تطمئن البعض أيضًا (قصة الرائحة). وبهذا فإن المجموعة تفرض روحها على القواعد، وترفضها، لا تريد أن تصيب الهدف بسهم، لا تبلغ الذروة سريعًا، تعرف كيف تتحكم في الإيقاع، فلا تتعجل الوصول إلى اكتمالها.
أبطال العمل، هنا، يبدون مثل المرضى، هلاوس تملأ رؤوسهم، بل أن أحد الأبطال يمتلك وحده ثماني رؤوس، يبدل بها كل يوم، ويضع في الدولاب سبع جماجم عظمية، لا يقطع رأسه كل يوم ويرتدي جمجمة، فهو ليس مخبولا، فهذه الجماجم مجرد رمز، للفكرة التي يؤمن بها
(ثمانية رؤوس) ،وهذا حال جميع الأبطال، هم لا يشعرون باندماج مع العالم، والعالم يبادلهم ذات الشعور وينبذهم أكثر. هنا عالم من اللا إستجابة، من البرود الذي يحولك إلى تمثال (تمرين على رفع اليد)، أو يحولك إلى شخص بدين يشعر بالكسل من الحركة أو التفكير، مجرد التفكير (جماعة النباتيين المتطرفة).
عادة، فإن الكتابة الكابوسية تلقي بكل سوادها في القارئ، أو في النص، بينما هنا - في السهو والخطأ- كان الأبيض هو اللون الذي أراه، فالنص لا يلقي الدخان، وعوادم العالم، فيكَ. بل إن الكتابة هنا تتسلل إلى روحك، بخفةٍ، حتى إنك تشعر وكأنك داخل حلم، أو كابوس أبيض. لغة حسن عبد الموجود تضع نفسها في مسافة بعيدة، إنها لا تتورط في هذا الكابوس، بل تبدو متعالية، وساخرة أحيانًا. هذه السخرية واللا مبالاة، جعلت من هذه الكتابة الكابوسية مغايرة، فهنا لا نرى أحد الأبطال يصرخون - أمام محاكمة كافكاوية- وإذا ما صرخوا فإننا لا نسمع صراخهم، هو كابوس هادئ، محبب إلى القلب، وربما نحن ساديون في قراءتنا. العالم يبدو مفزعًا، حين يصير رخوًا، ويجسد هواجس الأبطال، تتحول هذه الهلاوس من صورة، أو شعور، إلى واقع، ويبدون طول الوقت باحثين عن مخرج للطوارئ، أو منفذ للهروب، وفي مجموعة السهو والخطأ، لا يوجد هذا المنفذ، فلا الحب، لا السلام، لا الحرب، لا أي شيء آخر، سوى الاستسلام للموتِ، ربما، للمساحات الصفراء، أو الخضراء الفاتحة، أو الداكنة
(غربان)، أو الاستسلام لهواجسنا التي تتحقق، أو لأقدارنا التي تسخر منا (شجرة نائمة)، على أية حال، فإن نهايات قصص المجموعة تترك الباب مفتوحًا دائمًا، لاحتمالات لا نهاية لها، وكوبيس أخرى، قد تخرج من عقل القارئ هذه المرة.





الأحد، 23 يوليو 2017

مصطفى الشيمي: ثمة أزمة تواصل بين الكتاب الشباب والقدماء



التهميش والإقصاء… أزمة الكتاب الشباب في مصر

شهادتي المنشورة في جريدة القدس العربيضمن تحقيق الصحفي عبد السلام شبلي عن التهميش والإقصاء أزمة الكتاب الشباب في مصر بتاريخ Jul 21, 2017







القاهرة ـ «القدس العربي» عبد السلام الشبلي: يعيش الجيل الشاب من الكتاب المصريين، صراعا مستمرا مع المدرسة القديمة من الكتاب التي يرفض الكثير من روادها تقبل المبدعين الشباب، وترتفع وتيرة الصراع في الكثير من الأحيان لتصل إلى القطيعة، ورفض قراءة الجديد من الأدب، ما يشكل أزمة تواصل بين الجيلين ويمنع تناقل الإبداع وتواتره بينهما.

ينظر الكتاب الشباب إلى القدماء بعين التلاميذ الذين من الواجب عليهم الاستقاء من المدارس القديمة للأدب المصري، إلا أن ذلك لا يمنع إحساسهم بالظلم والاتهام الباطل بأنهم متسرعون يسعون إلى تحقيق الشهرة والجماهيرية والقرائية العالية في مدة وجيزة، في حين يعتقد الكثير منهم أن الإبداع والشهرة لا يتعلقان بالعمر، بل يرتبطان في أيامنا هذه بوسائل الكاتب وأدواته الإبداعية، فضلا عن وسائل التواصل الحديثة التي صارت أول المنابر التي تقدم الكاتب لقرائه، والتي يستخدمها الكتاب الكبار أنفسهم هذه الأيام، مؤكدين أن الكاتب الكبير المحترف يجب أن يأخذ بيد الكاتب الصاعد ويمنحه فرصته التي يستحقها، بعيدا عن التهميش الذي لا ينتهي في الأوساط الثقافية.


أزمة تواصل


يعتقد الكاتب مصطفى الشيمي صاحب رواية «سورة الأفعى» أن الأزمة الحقيقية بين الكتاب الشباب والقدماء هي التواصل، ويعيد ذلك إلى سوق النشر المفتوح وغياب دور المؤسسات الثقافية في صنع حالة التواتر بين الجيلين، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من النتاج الأدبي صدر من دور نشر خاصة تداخل فيه الجيد والرديء، ما أدى لحالة ارتباك لدى الجيل القديم المتمرس، وهنا لا يلام هذا الجيل – الذي تعود على التعب قبل صدور كتبه – على نظرته الشاكة في ما ينتج من أدب حالي، إلا أن ذلك لا يمنع لوم من يختار الحكم القاسي قبل قراءة الأدب الشاب. ويشير الشيمي إلى أن الصراع بين القديم والجديد موجود حتما، مؤكدا أن الأعمال المميزة تصبح مع مرور الزمن قاعدة انطلاق للكتاب الجدد، أما الأعمال الجديدة فهي محاولات مستمرة لكسر القواعد والتابوهات، كل ذلك يراه الشيمي إثراء للمناخ الثقافي، ما يحدث منافسة عادلة في ملعب الكتابة وتبقى كذلك إلى أن تستخدم حروب غير شريفة ضد الأعمال الجديدة، كالتجاهل مثلا الذي يستخدمه بعض من الجيل القديم خشية على عرشه الأدبي الذي وصل إليه.

ويعتقد الشيمي أن نيل الجائزة يعد فرصة للأديب الشاب من أجل التعرف على النقاد والكتاب الكبار، وتحسين النظرة إليه بوصفه مبدعا، لكنها رغم ذلك فهي طريق مفروش بالشوك والعداوات مع أبناء الصنعة، الذين يرون أنفسهم أحق بنيل الجائزة من الرابح.


التسرع تهمة باطلة

يوضح الكاتب محمود العشري أن التسرع تهمة باطلة تلاحق العمل الأدبي الشاب، حيث يرى الجيل السابق من الكتاب أن الكتاب الشباب متسرعون دوما في طرح أعمالهم، معتقدا أن هذه التهمة تلاحق كل شيء جديد قبل أن يثبت نفسه في السوق الأدبي.

ولا يرى العشري أي مشكلة في التنافس مع الجيل القديم، معتقدا أن الأمر يجعل الكتابة أكثر إبداعا، مشيرا إلى أن الكثير من الكتاب الشباب يرتكزون على القدماء كمدارس إبداعية يتعلمون ويستفيدون منها ويقلدونها أحيانا قبل أن يرسموا الطريق الخاص بهم، وهذا ليس عيبا، إلا أن ذلك ربما يشكل بعض التوجس لدى بعض الكتاب الكبار الذين يجدون الكاتب الشاب أكثر قربا لعصر، وأفضل قدرة على محاكاته والتواصل مع تفاصيله بكل ما فيها من حداثة ومرونة قد لا يستطيعون مجاراتها.

ورغم كل الصعوبات التي يواجهها الأديب الشاب حاليا، إلا أن العشري يرى أن التهميش أصبح أمرا صعبا، فوسائل التواصل الاجتماعية والدعاية أصبحت أكثر سهولة من السابق، وصار بإمكان الكاتب الشاب أن يشق طريقه إلى الجمهور الذي يقصده، ويبقى فقط الدعم المعنوي والمساندة من الكتاب الكبار للجيل الجديد، وهو ما يعتقده العشري أكثر صعوبة من الوصول إلى القارئ بسبب تعنت الجهات الثقافية الرسمية، والأسماء الكبيرة ضد الأسماء الجديدة في أروقة الأدب المصري.


العمر لا يحكم الإبداع


لا يرى الكاتب حازم عزت بوجود عمر محدد للإبداع، مشيرا إلى أن الكتابة ترتبط دوما بمعايير أخرى وأساليب نجاح قد لا ترتبط بالضرورة مع مقدار الجودة والحرفية لدى الكاتب، وإنما بكتابة ما يرضي القارئ، سواء كان الكاتب صغيرا أو كبيرا في السن، حيث لا يتعلق كسب السوق بهوية الكاتب أو مدى خبرته، بل بأدوات أخرى يمتلكها الكاتب نفسه.

ويرى عزت أن صغر السن يرتبط دوما بالتهور معتقدا أن الكتاب الكبار أنفسهم لم يعودوا راضين عن بواكير أعمالهم التي أصدروها، إلا أن الحتمي هنا هو قرار النشر الجريء الذي يقدم الكاتب للقراء، ما يساهم في تطوره وجذب الانتباه إليه، فضلا عن جذب انتباه الكاتب شخصيا إلى ضرورة التطور وتحسين بعض الجوانب القاصرة لديه.

وبالنسبة لحازم فإن من لا يتقبل الآخر «صغيرا كان أم كبيرا» لديه مشكلة في تكوين صورة ذاتية عن نفسه، مشيرا إلى أن الكتابة بالعادة فعل نرجسي، تجعل الكاتب معتدا بآرائه وأفكاره إلا أن ذلك لا يعني غرورا قاتلا وتمنعا عن الاعتراف بقدرات الآخرين.


التهميش ليس جديدا


يؤكد حسام يحيى أن مسألة إقصاء الكتاب الشباب في مصر ظاهرة ليست بالجديدة، لكن اتساع دائرة التهميش لهم فى الآونة الأخيرة، هو ما شكل علامات استفهام كثيرة، مشيرا إلى أن التهميش له أسبابه الاجتماعية والسياسية المتعلقة بحجب الفكر، مؤكدا أن التهميش للكتاب الشباب أيضا يترتب عن أسباب ثقافية، مثل تقصير الجهات الداعمة للثقافة الشبابية في مصر، وقد يكون نتيجة مبدأ الشللية التي تسيطر على قصور الثقافة التي يمارسها الكبار، أو الجهات الراعية للأنشطة الثقافية في مصر ، فضلا عن عدم اهتمام قصور الثقافة وغيرها بالمواهب الشابة الجيدة وتجاهلها، مشيرا إلى أنه لابد من كاتب كبير داعم للكاتب حتى يطفو فوق مستنقع النبذ، أو دعم كلي من دار نشر لموهبة ما، وقتها قد يكون ذلك وافيا بالغرض، إلا أنه قليلا ما تجد تلك الدار التى تهتم بالمواهب الحقيقية التي لا تلتفت لها وزارة الثقافة أو الجهات المعنية.

الاثنين، 17 يوليو 2017

جين الحافي - صرخة من مدينة الموت


قراءة مصطفى الشيمي


  للمرة الأولى، أقرأ رواية مصورة يابانية (مانغا). حرصت على اقتناء (جين الحافي) ظنًا أن هذا العمل يندرج في أدب الأطفال، اليافعين (Young adult)، رغم أن موضوع العمل يدور حول كارثة هيروشيما، لأنني أعرف أن أدب الطفل -في الخارج- اهتم بمواضيع كانت محظورة في وقت آخر، مثل الحروب، أو العوالم الديستوبية كـ darkness overcomes you، بل أن هذا الأدب سعى إلى هدم التابوهات القديمة، وقدم رواية "صبي يعشق صبيًا"، كمدينة فاضلة للمثليين جنسيًا. لكنني عرفت بعد ذلك أن هذا العمل يخاطب الكبار، وبعد قراءة الجزء الأول من الرواية، ومشاهدة فيلم الآنمي فهو صعب على اليافعين و صعب على الكبار أيضًا.

رواية (جين الحافي) تُصنف في اليابان ضمن أدب القنبلة النووية، الأدب الذي يتمركز حول انفجار القنبلة النووية في هيروشيما، باعتباره حدث مأساوي، ترك جروحًا في ذاكرة الإنسانية لن تُنسى. سلاح واحد؛ استطاع أن يقضي على 140،000 شخصًا في هيروشيما مرة واحدة، وبضغطة زر. لم تستهدف هذه القنبلة إلا المدنيين، فمدينة هيروشيما لم تكن عسكرية، لقد استهدفت القيادة الأمريكية المدنيين باعتبارهم فئران للتجارب، أرادت أن ترى أثر هذا السلاح القوي، وأرادت كذلك أن ترسل رسالة إلى العالم أكمل، برسم نفسها على رأس خريطة القوى. 
  القيادة الأمريكية لا ترى الأمر باعتباره جريمة حرب، أخلاقية، بل على خلاف ذلك، ترى أن الضرورة الأخلاقية هي التي استدعت هذه الضربة، فهي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب، بأقل ضرر، وأسرع وقت. تقارير كثيرة وإحصائيات يتم إعدادها، لعدد الضحايا المتوقع في حال استمرار الحرب، تقارير تؤكد أن العدد كان سيتجاوز ذلك بمرات كثيرة، مع وضع في الاعتبار إشارتهم إلى أن اليابانيين في ذلك الوقت، لم يكونوا طيبين مثل يومنا هذا، بل كانوا شياطين، وعن طريق شيطنة الآخر، يتم تبرير جميع الجرائم، طوال الوقت، وفي جميع أنحاء عالمنا المتحضر.




  الكاتب ناكوزاوا كيجي، يبدو لي كقارئ عربي، لغزًا صعبًا. فهو يدين القيادة اليابانية قبل أي أحد آخر، وإدانة الحروب بهذا الشكل، صعب بالنسبة للمثقف أو القارئ العربي. إننا لا نستطيع أن نتبنى موقف زوربا من الحروب، باعتبارها فعل بدائي، موقف كهذا قد يدين وطنيتنا ويجعلنا موسومين بوشم الخيانة. عندما نقرأ عملًا يتخذ موقفًا كهذا، نشعر -بلا وعي- بالشك والتوجس من الكاتب، فهل كان يرى بالفعل- في ذلك الوقت الذي عاصره- أن حرب كهذه بلا جدوى، أم أن هذه النتيجة قد توصل إليها بعد الهزيمة؟ أي أنها من تداعيات الانكسار لا أكثر. فالعمل نُشر عام 1973، أي بعد الحادثة المأساوية بـ 28 عامًا، وبعد سقوط الإمبراطورية اليابانية.
قارئ مثلي، لا يستطيع الوصول إلى تخيل واضح، فالمصادر العربية فقيرة، والمترجم أ.د ماهر الشربيني لم يهتم بكتابة مقدمة أدبية حول العمل، بقدر ما اهتم بكتابة مقدمة تاريخية حول اليابان ونهضتها. وتبقى هذه الأسئلة غامضة بالنسبة لي، لكنها مهمة، تكشف بعض صدق العمل الأدبي؛ فأبطال عائلة جين الحافي، كانت ضد الحرب، وبدت داخل العمل العائلة الوحيدة التي تستطيع الخروج من جلد القطيع، هذا الخروج الذي أدى إلى اضطهادها واتهامها بالخيانة والعمالة وانعدام الوطنية، وهي ذات التهم الجاهزة التي سيقذف بها أو المواطن العربي، في حال الاعتراض على مشاركة الوطن في حرب ما، وهي تهمٌ لها سندها القانوني.
هذا هو الجزء الأول، للرواية التي قُدمت في فيلم أنمى، وهو جزء ثري، يكشف لي  معلومات كنت أجهلها؛ مثل الطيارات الإنتحارية، التي كان يقودها طلاب جامعيون أُجبروا على الموت في سبيل الوطن، عن طريق افراغ الطائرة من الوقود، إلا ما يكفي للوصول إلى الهدف، ووضع القنابل فيها، لم يكن اختيارًا حرًا، شجاعًا، كما كنت أظن، بل كانت استعباد مفزع. كما أنني لم أكن أعلم أن إيناشتين كان على رأس فريق القنبلة النووية، القنبلة التي أعطتها القيادة الأمريكية كود "الطفل الصغير"، الاسم البريء الذي يعكس رغبة -لا شعورية- في انكار  بشاعة الجرم المرتكب في حق الإنسانية. وهناك الكثير من المعلومات الأخرى التي تنكشف طوال القراءة، في قصة ممتعة، ورسوم رائعة، وبعد الانتهاء من العمل أجد نفسي راغبًا في البحث، مجبرًا، برغم الوجع والحزن على معرفة المزيد.
في انتظار ترجمة الجزء الثاني.

الثلاثاء، 4 يوليو 2017

مصطفى الشيمى: لا أهتم بالتاريخ وأنتصر للمهمشين فى "سورة الأفعى" - اليوم السابع


مصطفى الشيمى: لا أهتم بالتاريخ وأنتصر للمهمشين فى "سورة الأفعى"


الروائي مصطفى الشيمي
كتب: أحمد إبراهيم الشريف

انتهيت من قراءة رواية "سورة الأفعى" لـ مصطفى الشيمى وقد أعجبتنى طريقته فى رسم الشخصيات ومراهنته على اللغة والصورة المشهدية، وفى الوقت نفسه كان لدى عدد كبير من الأسئلة التى استقرت فى داخلى منها ما يتعلق بحكاية الرواية ومنها ما يدور حول الأسلوب الذى اتبعه "الشيمى" فى بناء روايته.

ومصطفى الشيمى كاتب شاب صدر له رواية (حى) عن دار العين، ومجموعة (بنت حلوة وعود) عن دار الربيع العربى، ومجموعة (مصيدة الفراشات) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ورواية (سورة الأفعى) عن دار الربيع العربى.


الشخصيات جميعها فى "سورة الأفعى" مصابة بـ"خلل ما" أو ينقصها شىء ما.. هل للأمر دلالة معينة؟


انتماء الأبطال إلى الأرض جعلهم كذلك، الأرض المبتورة، المجروحة، البعيدة عن السماء. حلم الفردوس المفقود؛ الحب، السلام، السعادة، هى الأشياء التى تحركنا جميعًا فى حياتنا، وهذا النقص كان بمثابة الدافع لفعل الحركة، محاولة الاكتمال، فى أى طريق، خير أو شر. فى اللحظة الراهنة، نحن مبتورون من سياق التاريخ، الحضارة. ربما أكثر ما ينقصهم هو المدينة؛ قاهرة أخرى لا تسقط مآذنها، إسكندرية أخرى غير مبتورة الأكتاف، أسوان أخرى غير المنسية هناك، أرض يستطيع المرء أن ينتمى إليها، ويشيدها، أرض يمكن الإيمان بها.


رواية سورة الأفعى


فى شخصياتك لا أحد مقدس تماما ولا أحد مدنس للنهاية.. هل هذه طريقتك فى فهم الإنسان أم أن ذلك كى تضفى على الشخصيات بعدا دراميا؟

أبطال سورة الأفعى هم أبناء عالمهم، الأرض التى وضعها الله عليهم، أرض الغرائز والشهوات، فى هذه الأرض يدور الإنسان حول النقائض، لا أحد مقدس تمامًا، ولا أحد مدنس تمامًا، ربما فى مدينة فاضلة قد نجد ذلك، شرًا كاملا، أو خيرًا كاملا، لكن فكرة الكمال بعيدة بعد الفردوس. من يستطيع فهم الإنسان حقًا؟ هل هو الكائن الدموى الذى يقتل الملايين فى حرب لا معنى لها؟ أم هو الأب الذى يحاول النجاة بصغاره بعيدا عن الموت؟ وماذا لو أبدلنا الأدوار؟ ووضعنا هذا مكان ذاك؟ لا أصدر حكمًا علينا بالشر المطلق، نحن لسنا شياطين، لكننا نتاج حروب خضناها منذ بداءة التاريخ، من أجل البقاء، وحروب وثورات معاصرة تركت ندوبا على وجوهنا، حولتنا إلى وحوش، أو إلى صورة من هذا التاريخ.




رغم الإشارة إلى ثورة 25 يناير وأزمنة أخرى.. لكنك تضفى على الزمن طابعا أسطوريا.. هل قصدت ذلك؟ 


اهتممتُ بروح عالمى الروائى، الغرائبية التى تجعل الغربان تتابع الحكاية، حتى أن أحدها يجلس على كتف ملاك الموت بينما يقتلع أسنان الناس أو يأكلهم. الزمان لم يكن منفصلا عن هذه الروح، لكنها لم تكن غرائبية تمامًا، الغرائبية التصقت بالأبطال الذين عاشوا فى هذه الأزمنة، وهذه الأماكن. المرور على الحرب العالمية الثانية، وثورة ٥٢، وثورة ٢٥ يناير، جاءت لأن أبطالى عاشوا فى هذا الوقت، لم أكن معنيا بالتاريخ، بل بتاريخ الأبطال المنسيين، والمهمشين، بالجروح والندوب التى نسيها التاريخ على وجوههم وأرواحهم.




فى الرواية احتفاء واضح بالمشهدية وأسلوبك السردى ساعدك على ذلك.. هل ترى أن هذه الرواية تصلح لعمل درامى؟


أعتقدُ ذلك. سورة الأفعى تصلح أن تكون عملا دراميًا أو سينمائيًا، لكنها من نوعية أثقل من اهتمامات السينما فى الوقت الحالى، التى تبحث عن الأعمال الخفيفة، أما إذا كنا نتحدث عن سينما تهتم بأعمال مثل "عرق البلح" لرضوان الكاشف، أو "العطر" لباتريك زوسكيند، فإن سورة الأفعى تكشف عن عالم خصب، متعدد التأويلات، وأبطال غريبون لطالما شغفت السينما بتقديمهم مثل بطل روايتى القواد الأحدب.


الروائي مصطفى الشيمي


أنت تراهن على اللغة وشعريتها.. هل أنت من أنصار اللغة أولا فى الرواية؟ 

اللغة هى الرؤية، من دونها فأننا أمام عمل عادى، قد يندرج فى خانة القول. اللغة هى التى تفرق بين النصوص الأدبية وغير الأدبية، من خلال قدرتها على استيعاب الثقافة؛ منظومة متكاملة من الرموز المحملة بالدلالات الميثيولوجية والشعبية والملحمية، القارئ أمام مثل هذا الخطاب، يملك أدوات للتحليل، للقراءة والتذوق. كانت اللغة الشعرية هنا هى طريقتي، أردت لغة تبرز خصوصية عالمي، لغة لا تقف أمام المعتاد، بل تكسره وتتجاوزه.

ما مفهوم الرواية عند مصطفى الشيمى؟ 

سؤال صعب، كتبتُ عدة روايات، مزقت ثلاثة، ونشرت روايتين فقط. أؤمن بالتجريب، وأخطو فى طريقى لإيجاد عوالم مختلفة، وأراضٍ لم تطأها قدم من قبل. المؤكد بالنسبة لى هو عدم وجود قواعد، القواعد تُبنى من خلال عمل فارق، إلى أن يأتى عمل آخر، فيحطمها، ويؤسس قواعده.