هناك من تمشي خطاه على خطاي

الجمعة، 28 يوليو، 2017

السهو والخطأ - كتابة كابوسية بيضاء

السهو والخطأ - كتابة كابوسية بيضاء

قراءة مصطفى الشيمي










"السهو والخطأ"، مجموعة قصصية مميزة، كتابة لا يمكن المرور عليها، ونسيانها، فصورها تعلق في الأعين، وفي الذاكرة. كتابة من الصعب وصفها - باطمئنان- أنها كتابة كابوسية، سوداوية، فالأسود ليس حاضرًا، بل الأبيض؛ العدم، اللاجدوى، العزلة التي يشعر بها إنسان هذا العصر، والوحدة التي تجعلنا نرغب في الحكي، فنسترسل في البدايات، حتى يأتي الحدث، لا تبالي بالتكثيف، بقدر ما تهتم بإبطالها، إنها رحيمةٌ بهم. يسترسلون في الحكي، باعتباره وسيلة للاطمئنان إلى وجودنا، ووجود الآخر. إذا كنا موجودين حقًا فلماذا لا يسمعنا أحدٌ، لا يرانا أحدٌ. كان مثل هذا الحكي يطمئن أحد الأبطال، وهو يفكر في شواهد وجوده، أدلة تثبت ذلك، والبحث عن أدلة يكشف حجم الأزمة، وحجم الفزع. (السكر في فراغات الشاي)، ليس الحكي فقط هو طريقتهم للاطمئنان إلى الوجود، بل البحث عن الرائحة، الرائحة المقززة، العفنة، القوية، تطمئن البعض أيضًا (قصة الرائحة). وبهذا فإن المجموعة تفرض روحها على القواعد، وترفضها، لا تريد أن تصيب الهدف بسهم، لا تبلغ الذروة سريعًا، تعرف كيف تتحكم في الإيقاع، فلا تتعجل الوصول إلى اكتمالها.
أبطال العمل، هنا، يبدون مثل المرضى، هلاوس تملأ رؤوسهم، بل أن أحد الأبطال يمتلك وحده ثماني رؤوس، يبدل بها كل يوم، ويضع في الدولاب سبع جماجم عظمية، لا يقطع رأسه كل يوم ويرتدي جمجمة، فهو ليس مخبولا، فهذه الجماجم مجرد رمز، للفكرة التي يؤمن بها
(ثمانية رؤوس) ،وهذا حال جميع الأبطال، هم لا يشعرون باندماج مع العالم، والعالم يبادلهم ذات الشعور وينبذهم أكثر. هنا عالم من اللا إستجابة، من البرود الذي يحولك إلى تمثال (تمرين على رفع اليد)، أو يحولك إلى شخص بدين يشعر بالكسل من الحركة أو التفكير، مجرد التفكير (جماعة النباتيين المتطرفة).
عادة، فإن الكتابة الكابوسية تلقي بكل سوادها في القارئ، أو في النص، بينما هنا - في السهو والخطأ- كان الأبيض هو اللون الذي أراه، فالنص لا يلقي الدخان، وعوادم العالم، فيكَ. بل إن الكتابة هنا تتسلل إلى روحك، بخفةٍ، حتى إنك تشعر وكأنك داخل حلم، أو كابوس أبيض. لغة حسن عبد الموجود تضع نفسها في مسافة بعيدة، إنها لا تتورط في هذا الكابوس، بل تبدو متعالية، وساخرة أحيانًا. هذه السخرية واللا مبالاة، جعلت من هذه الكتابة الكابوسية مغايرة، فهنا لا نرى أحد الأبطال يصرخون - أمام محاكمة كافكاوية- وإذا ما صرخوا فإننا لا نسمع صراخهم، هو كابوس هادئ، محبب إلى القلب، وربما نحن ساديون في قراءتنا. العالم يبدو مفزعًا، حين يصير رخوًا، ويجسد هواجس الأبطال، تتحول هذه الهلاوس من صورة، أو شعور، إلى واقع، ويبدون طول الوقت باحثين عن مخرج للطوارئ، أو منفذ للهروب، وفي مجموعة السهو والخطأ، لا يوجد هذا المنفذ، فلا الحب، لا السلام، لا الحرب، لا أي شيء آخر، سوى الاستسلام للموتِ، ربما، للمساحات الصفراء، أو الخضراء الفاتحة، أو الداكنة
(غربان)، أو الاستسلام لهواجسنا التي تتحقق، أو لأقدارنا التي تسخر منا (شجرة نائمة)، على أية حال، فإن نهايات قصص المجموعة تترك الباب مفتوحًا دائمًا، لاحتمالات لا نهاية لها، وكوبيس أخرى، قد تخرج من عقل القارئ هذه المرة.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق