هناك من تمشي خطاه على خطاي

الأربعاء، 1 يوليو، 2015

Papillon – الفراشة الزرقاء

 Papillon
الفراشة الزرقاء

مشهد من فيلم Papillon في السجن الإنفرادي



قراءة : مصطفى الشيمي


  ربما لم تشاهد فيلمًا مثل هذا ، وإن كنت مولعا بأفلام السجون. ليس فقط لأن فيلم Papillon المنتج عام 1973، يحكي قصة أشهر سجين في التاريخ. Papillon : الرجل الموشوم على صدره وشم فراشة زرقاء، والفراشات هي رمز الحرية، ولكن لأنك سترى في هذا الفيلم تفاصيلًا لن ترها في أي فيلم آخر. فهذا السجن غريبٌ. ليس ثمة جدران أو قضبان، ولكن السور الذي يجابهك دومًا هو البحر، والبحر غدارٌ كما تعرف، حصان بري لا يروض. في جزيرة يسافر إليها البطل، هناك يعملون مسخرين ضد الطبيعة ولأجل مجد فرنسان. يكفرون عن خطيئتهم ولكن ، كما تعرف، في السجنِ دومًا مظاليم ومظلومين.

  مخرج هذا الفيلم هو Franklin J. Schaffner، وهو رجلٌ مولع بالتفاصيل الصغيرة ويجيد لغة الكاميرا. التفاصيل الصغيرة موجودة ابتداء من الفراشة الزرقاء الموشومة على صدر البطل، مرورًا بالحياة داخلِ السجن، والطبيعة القاسية التي تجلدهم بدورها، من مطر غزير، أو شمس غاضبة، أو تماسيح، أو البق – الحشرات الصغيرة التي تأكل لحم المساجين. لكن هذه التفاصيل الصغيرة وصلت إلى قمتها في مشهد السجن الانفرادي – بعدما دافع البطل عن صديقه الوحيد وهاجم أحد الحراس. في السجن الانفرادي تكون عدو نفسك، والظلام، والأفكار السيئة. وعندما تحرم من نصف معونتك/وجبتك تختار من تكون. الإواء الحقيقي هو مقياس الرجل الحقيقي. هل تشي بصديقك أم لا؟ تأكل الحشرات الصغيرة، تبدأ الرؤية بالتغويش، تفقد صوابك، لا تحمل قدماك، ولا تعرف ماذا تفعل. استطاع الممثل العظيم Steve McQueen أن يتجسد الشخصية على أفضل شكل، مرورًا بجميع التحولات التي تمر بها، بضعفها وقوتها وجنونها، وعظمتها، كان أداء عبقريًا وملهمًا.
  في لحظةٍ من لحظات الفيلم لم أعرف؛ هل هذه هي القصة الحقيقية للسجين الهارب أم أن صانعوا الفيلم يعيدون صياغتها. فبعد هروبهم من السجن الأول، وما تم من أحداث قادتهم إلى جزيرة الرجال المصابين بالجزام- ويعتبر هذا المشهد من أعظم مشاهد الفيلم، إلى حصولهم على القارب وهروبهم من حراس جزيرة آخرى. شعرت بالشك،  لأن البطل عاش في هذه الجزيرة الصامتة، مع اناس بدائيين، حياة كالحلم، حيث السلام والسعادة . قبيلة بدائية تطيب جراح البطل، في مقطع صامت طويل، لا لغة مشتركة، هكذا يبدو، غير أن شيخ القبيلة يطلب في نهاية المشهد ثمن حسن الضيافة، وهو وشم مثل الذي في صدرك: وشم الفراشة. كأنها الحرية هي الثمن الحقيقي للسلام، وللتواصل مع اناس لا لغة مشتركة بينهم.
  تمر أحداث الفيلم ليعود البطل مرة أخرى إلى السجن، بعدما ضبطوه. السجن هذه المرة من دون سور واحد، فقط بحر ممتد أمام بصرك، وأسماك قرش تقود بدور الحراس. هنا يقابل البطل صديقه مرة أخرى، لكنه يبدو مجنونًا، يطارد أشباحًا لا وجود لهم يريدون أن يسرقوا فاكهة حديقة البيت. يقول لـ Papillon: أنت محظوظ. لا شبح في بيتك. وربما هذا الشبح هو السجان. لكن كان للبطل شبحًا آخرًا. فقد كان يجلس،على صخرة، أمام البحر شاردًا طوال الوقت. يأتي أحد المساجين ويصرخ: من أنت لتجلس على صخرة العقيد؟ فيجيب Papillon: ربما لا أحد. ويظل يراقب البحر لا يشتهي غير (الهروب). هذا هو الشبح الذي يطارده ويحاصره. كأنما جاء إلى هذه الدنيا ليصنع اسمًا ومجدًا فقط . يفكر مرة أخرى في تنفيذ هذه الفكرة – بعدما مر على الهروب الأول خمس سنوات، وقد صار عجوزًا. يقول لصاحبه "سنلقي أشولة الجوز الهند فتطفو ونهرب مع التيار. يشك المشاهد في هذه الفكرة، يقول ربما فقد البطل رشده تمامًا ، نشاهد لقطات النهاية، والبطل يقفز من أعلى الجبل إلى القاع، يتشبثُ بالقارب اليدوي ويبتعد تدريجًاعن جزيرة الشيطان، وهناك في منتصف البحر يصرخ منتشيًا وهو ينظر إلى السماء : أنا هنا يا ابناء العاهرة.
  يعد هذا الفيلم من أعظم أفلام السينما، رشح لـ Oscar و لـ Golden Globe usa وفاز بـ Golden Screen, Germany. وعلى المستوى الشخصي يعد اكتشافًا بالنسبة لي لمخرج عظيم وبطل صار من أبطالي المفضلين. 



   


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق