هناك من تمشي خطاه على خطاي

الجمعة، 4 أبريل 2014

الورد والموت




الورد والموت

-نثيرة-

مصطفى الشيمي

 


لا أحبُّ الغربانَ
تمنعني دومًا
 من العودةِ إلى المنزلِ
ضوء القمر يرشدني
فأرتجفُ
غرابٌ فوق كل ضريح
أنزع عظمة يدي اليسرى
وأهشُ بها الطير


تنعقُ الغربان من حولي
وتضربُ الهواءَ بجناحيها طويلاً
 قبل مغادرة المكانِ
تهاجمني الريح والبرد
هذه المرة
أخرج من أسفل قلبي
زهرة النرد
وألقي بها عاليًا في السماءِ


أحبُّ الخروجَ كثيرًا
العالم مليء بالألوانِ
بالطرق وإشارات المرور
والملاهي
 للأطفال أو للكبارِ
لا أبالي بالغربان
 التي تملأ المكان
والتي صارت ترمقني بذعرٍ
بعينيها الواسعتين
لأنني أضحكُ كثيرًا وأزرعُ الورد


هذه زهرة الثالوث
وهذه عصفور الجنة
كانت تشير إليهما
 بأصبعِها الرقيق
الفتاة التي زرعت في قلبي وردة
قلبي مليءٌ بالبهجةِ
هذه الحديقة وطني
والموتى ينهضون من حولي
يرقصون ويرقصون
هربَ الموتَ بعيدًا
وسكن حديقتنا
الحمام والكروان
 والهدهد وأبو قردان



الخميس، 3 أبريل 2014

السجين




السجينُ

-نثيرة-

مصطفى الشيمي 

لوحة لـ Schneemann


يتساءلُ السجينُ كل نهارٍ
عن الجرائمِ التي فعلَها ولأجلها
جاءَ إلى هذه الزنزانة
لطالما كان يأكلُ
من عربةِ الهوت دوج
ويتوقفُ عند إشارات المرور
ويرتدي ربطة العنق
 والحذاء الأسود الضيق
لم يشتكِ يومًا
حتى عندما
 أصبحَ الألم لا يطاق
أمسكَ بالمشرطِ
وقطع الأصبع الصغير
في كلتا القدمين
وتنهد أخيرًا بارتياحٍ



يتساءلُ السجينُ كل ظهرٍ
عن لسعةِ الكرباج فوق الظَهرِ
جاء إلى هذه الزنزانة
لأجلِ أن يشعر العالم بالبراح
ويذهب ضباط المرور
إلى الملاهي الليلية
وتمسكُ العاهرات
 بأصابع الهوت دوج في تلذذٍ
وتخلع عن الرجالِ المهذبين
 ربطات أعناقهم
وترتديها
كي تسقطَ في مفترق النهدين



يتساءلُ السجين كل عصرٍ
عن الفتاة الفقيرة التي يحبها
والتي تسكنُ في كوخ صغير
 أمام القصر الأثري
وتعملُ مع ابيها العجوز
في ورشةِ الحدادةِ
ليل نهار .. ونهار وليل
وحتى يهدها التعب
ويبلل العرق فستانها
هل يا ترى هذه القضبان من صنعِها؟



يتساءلُ السجين كل مغربٍ
عن الكتبِ التي كان يقرأها
والتي تركَها وحيدة في المكتبةِ
هل نسجَ العنكبوتُ الردى على جسدِها؟



يتساءلُ السجينُ كل مساءٍ
عن الزنزانة التي يسكنُها
والتي لا يدخلُها أبدًا ضوء القمر
ما الفرق بينها وبين العالم بالخارجِ؟
أربع جدران
 فقط
 لا غير هنا
وهناك في الخارجِ
 ألف جدار




رجل وامرأة وقطةٌ سوداء





رجل وامرأة وقطةٌ سوداء

 -نثيرة -

مصطفى الشيمي


لوحة لـ Hishida Shunso

القطة السوداء
 التي تسكنُ نافذة الطابق الأول
كانت تنتظرني كعادتِها دومًا
وأنا أنزلُ الدرجَ كل مساء
تراقبني بعينيها الواسعتين وتموء عليّ
أتحاشى النظرَ في عينيها
فتمدُ مخالبها نحوي
 لكنني أكملُ السيرَ مسرعًا
 حتى أهرب منها في الظلام 


 

القطة السوداء
التي تسكنُ نافذة الطابق الأول
صديقتي في الوحدةِ
شعرُها المذعور يذكرني
 بحقيقة هذا العالم البائس


 

امرأة الطابق الأول
 تطردُ تلك القطة دومًا
 من المنزلِ
كي تقفَ وحدها في النافذةِ
وتشعلُ سيجارةً بشرودٍ




البناية التي نقطنُ فيها
يسكنُها رائحة الثوم
من أجل طرد الأشباح
التي تزورنا بعد منتصفِ الليل
ولأننا لا نحتملُ الرائحة
نهربُ من البناية ولا نعود




نغم العود يشدني
وأنا أسيرٌ في الطرقاتِ.
القططُ تتسكعُ مثلي
تقفزُ من صناديقِ القمامة
 بجنون
وتطاردُ بعضها البعض
 رغبة في التسلية
 ومليء وقت فراغها





ليت هناك امرأة تعزفُ بالعودِ
تقفُ في نافذةِ الطابق الأول
وبجوارِها تجلسُ قطتها البيضاء المدللة
وتبتسمُ لي حين أمر أمامها أو تراني




تقول امرأة الطابق الأول
ليت هناك رجل يأتي
يدخنُ معي سجائر المرجوانا
ويضحكني بنكتةٍ جديدة
ثم يضاجعني طوال الليل




تقول قطط الشارع
ليس هنالك من يفهمنا
ليت لنا مأوي أو منزل
 ووعاء مملوء بالحليب










عربةٌ لها جناحان




عربةٌ لها جناحان

 -نثيرة - 

مصطفى الشيمي

Pablo Picasso. Two Doves with Wings Spread

 

 
العالم مليءٌ بإشارات المرور
والطرق مزدحمة بالتائهين
يكفي السائق سيجارتين
حتى تطير العربة في السماءِ
إلى حيث شاء لها النرد



طائران يشعران بالبردِ
سافرا العالم كثيرًا
  -ذهابًا وإيابًا-
هما يعرفان جيدًا
 أن خلف السماء
 سماوات كثيرة وأحلام بعيدة
غير أنها، في النهاية، لها حد



مطبٌ جديد
والقلب رطبٌ وبارد
لماذا يعجز الطب
عن صنع ترياق للسعادة؟
يخبرني الرجل المجنون
العاري والضاحك
في منتصف الشارع
"صنعوه بالفعل، مصل رائع،
 غير أنك من يخشى الحقن!".



أسمع صوتَ الموتور يثور غاضبًا
وعجلات العربة الأربعة تدور بجنون
تبحثُ عن الأسفلتِ أسفل أقدامها
فقد ملت من السفر في الهواءِ حافية




يتركُ السائقُ عجلة القيادة
ويصافحَ طيفَ صديق قديم
وتبدأ العربة في السقوط السريع
ليت هنالك امرأة تجلسُ بيننا
فيعلو صوت بكاءها
أو ليت هنالك ما يستدعي البكاء