هناك من تمشي خطاه على خطاي

الاثنين، 7 أغسطس 2017

موت أرق .. موت كامل

موت أرق .. موت أكثر كمالًا


قراءة مصطفى الشيمي

مجموعة موت أرق، تشي بكاتب قادم؛ يمتلكُ الرؤية في فن القصة القصيرة بشكل مكثف، ودون ترهل في الأحداث، ويكتبُ القصة القصيرة كما أحبها،  كجرعة مركزة. تبحث قصص المجموعة عن فكرة الكمال، وهذا البحث يكشف عن النقص بداخلنا، ولا يقودنا إلا إلى النقص،أي الإنسان. ومن القصة الأولى "نبوءة العدوي" نتقابل مع الموت، في حياة قصيرة لا تتعدى حدود الذكرى، التي لا تنسى، عن العقدة الأولى المربوطة، عقدة الحب. ونتقابل مرة أخرى مع الموت باعتباره كائنًا رقيقًا، والرقة هنا هي رقة الذكرى، الحياة القصيرة، إذ يقف الطفلان أمام جدتهم في لحظاتها الأخيرة، وحتى موتها الذي يجعل الخط يستقيم، ويجعل الصفير يستقيم كذلك. اختيار لفظة يستقيم هنا لم تأتِ عبثًا، كأننا قبل الموت نترنح في حيرة، أو دائرة، والموت يجعلنا نمشي على الخط؛ نستقيم ونعتدل، على أمل أن هذا الخط المستقيم يقودنا إلى أنفسنا. الموت يبدو أكمل من الحياة، الحياة التي لا تهبنا كفًا قويًا، ضخمًا، خشنًا، بل تعطينا كفًا رقيقة، وأصابع غير متسقة، ومصائرنا تحددها كف أيدينا؛ فمن حددها؟ ومن رسمها على هذا الشكل؟ في قصة نصف اكتمال، نرى بطلا مهوسًا بمراقبة أكف الناس، ومحاولة الوصول إلى كف يد مناسبة، ونرى أيضًا السلطة الأبوية/ الأب/ الإله، وهي يملك هذه الكف، لكن بدلا من مساعدتنا يضربنا بها. السلطة الأبوية حاضرة على امتداد العمل، ونقابلها في قصة موت أرق؛ الأب الذي يحاول منع طفليه من الصعود إلى سيارة الأسعاف، لتوديع جدتهم، الأب الذي كان يحاول أن يمنعهم من الذكرى، ونرى في قصة يأتي متأخرًا، حياة بطل كاملة، لا يصل فيها إلى شيء، حتى وفاة والده؛ يعرف ماذا يريد أن يصبح، لحظة التمرد الحقيقة لا تأتي إلا بوفاة الأب، كأنها الأمنية المشتهاة، الأمنية المدفونة في بئر غويط من اللاوعي، من الكبتِ.
 كأن الكاتب يرثي الإنسان قبل أن يموت، يذكره بطريقة أو أخرى، بالتجاعيد الصغيرة التي تتسلق جلده، وبتغيرات جسده: كالسمنة، وهو رثاء لا يبطن الرحمة، بل القسوة الشديدة، أو الحقيقة العارية. في قصة جينز أزرق، نرى البطلة السمينة التي تدخل إلى محل ملابس، وترغب في شراء جينز أزرق؛ قابلها منذ عشرة أعوام، وأعجبها، لكن الفرصة فاتتها وقتها، فلم تفعل، وإن ادعت عكس ذلك. إنها اليوم تشعر بالحسرة، فالحياة تسخر منها، وتجد الجينز الأزرق، وقد صار قديمًا، والأزمة أكبر من هذا، فهو لم يعد يناسب جسدها، هي اليوم سمينة. إنها مسكينة، تحاول السير عكس مسار الزمن، استعادة لحظة جميلة من عمرها، تحقيق أمنية قديمة، وبسيطة، مجرد جينز أزرق!
اختيار اللحظة الجديرة بالحكي، هي أهم ما يميز القصة القصيرة عند أحمد الجمل، لحظة تحمل من الإيحاء ما يكفيها، وبلغة سلسلة، غير مثقلة بالحشو، يعبر عن تلك اللحظة القصيرة؛ هذه هي القصة القصيرة كما يراها الكاتب، القصة المركزة، القائمة على قنص اللحظة المناسبة
، مع نهايات تعلو بها، فلاش، ومضة مفارقة  تصنع حالة من الصدمة تترك أثرها على القارئ.. اختار الكاتب اللغة العامية في الحوار، باعتبارها أقرب إلى روح القراء أو الأبطال؛ ولتحقيق المعايشة. وكان يستخدم الحوار لكسر الإيقاع؛ أي صنع صوت مغاير. صوت يكسر رتم السرد ويدفع الرتابة بعيدًا، وإن لم يدفع بالحدث للأمام؛ فاهتمام الكاتب-كما أسلفنا- كان منصبًا على الإيقاع. وفي ظني أننا سنرى، في المجموعة القادمة، توظيفًا آخرًا للحوار، وتجريبًا أكبر على مستوى اللغة، فهذه هي غواية الكتابة لنا.
 مجموعة موت أرق، تبشر بموهبة جديدة، تمتلك أدواتها، وتحاول اكتشاف طريقها؛ ورغم أنها المجموعة الأولى للكاتب، لكنها  ناضجة، تعطي درسًا قاسيًا لبعض القصاص، الذين ينشرون ما لا يستحق، فكاتب هذه المجموعة يمتلك أهم ما يميز الكاتب، وهو الوعي.

الأحد، 6 أغسطس 2017

مصطفى الشيمى: كتبت «سورة الأفعى» بسبب حلم


مصطفى الشيمى: كتبت «سورة الأفعى» بسبب حلم






إيهاب محمود الحضري. جريدة مبتدا:
مصطفى الشيمى حالة خاصة جدًا. شاب فى الثامنة والعشرين صدرت له مجموعتان قصصيتان: "مصيدة الفراشات" عن هيئة قصور الثقافة 2016 ، "بنت حلوة وعود" عن دار الربيع العربى 2016. وروايتان: "حى" عن دار العين 2014، "سورة الأفعى" عن دار الربيع العربى 2017.


أكتب لنفسى ولا أنشغل بما حول الكتابة
«سورة الأفعى» هى بدايتى الحقيقية
أدب الطفل فى مصر مظلوم



غزارة الإنتاج لدى مصطفى لها ما يبررها، فى نظره، فقد تربى على نظام نجيب محفوظ فى الحرص على الكتابة بانتظام وبشكل يومى منذ عشرة سنوات تقريبًا، الأمر الذى ساعده على تطوير أدواته فى الكتابة التى يعتبرها الرابط بينه وبين العالم.
يناير الماضى، أصدر الشيمى روايته الثانية "سورة الأفعى" عن دار الربيع العربى للنشر، ويواصل الشيمى فيها الكتابة فى عوالم الميثولوجيا، وعنها، تلك العوالم التى تأثره وتستحوذ عليه، ولا يكاد يخرج عمل له عنها.
هنا يتحدث مصطفى الشيمى عن "سورة الأفعى"، الكتابة، وأمور أخرى.






نبدأ من فكرة الرواية التى تبدو مرهقة فى قراءتها فهى من الروايات التى يجب أن تقرأ أكثر من مرة وبالتأكيد كانت مرهقة لك أثناء كتابتها.. من أين جاءتك الفكرة؟
أثناء تأدية خدمتى العسكرية فى أسوان، قفذت الفكرة فى ذهنى بدون استئذان. وقتها كنت أكتب ديوانًا شعريًا، وكانت قصة يهوذا تسيطر على، كنت مأخوذًا بروح يهوذا بشكل عام، ولم يكن فى خطتى أن أكتب رواية.
وذات يوم، وبينما كنت نائمًا، رأيت حلمًا يظهر فيه أحدهم يمد بيده لينتزع ضرسى، وأنا أشعر بألم شديد. استيقظت وهناك جملة ترن فى أذنى: "إن آلام سَكرة الموت توازى انتزاع ضرس تالف" هذه الجملة التى وردت فى الرواية على لسان إحدى الشخصيات، ظلت تتردد كثيرًا داخلى، وكانت المرة الأولى التى أتعرض فيها لذلك الموقف أثناء كتابة عمل أدبى. ارتبطت بالعمل لدرجة أنى كنت أرى الشخصيات أمامى، أراها تتحدث، أسمع حواراتها، صرت مجنونًا؛ أدون كل ما أرَ أمامى من خيالات وأوهام، أشعر بشىء، فألوذ بورقة وقلم أودعهما ما رأيت، كنت مجنونًا حقيقيًا.



الشخصيات، كل الشخصيات، بائسة وانهزامية.. هل خططت لذلك أم فرضت الشخصيات نفسها هكذا؟
سيطرت علىَّ روح هذه الشخصيات، فاستجبت لها. لم أختر لهم أن يكونوا انهزاميين، لم أخطط لشىء، بل اختارت الشخصيات طريقها وفرض العالم الروائى نفسه بقوة. أعتبر هذه التجربة تجربة صادقة جدًا، هى بدايتى الحقيقية، رغم أن لى رواية أخرى ومجموعتين قصصيتين.






مع الفصل الثالث تبدأ الرواية وتبدأ الشخصيات فى التحرك بوتيرة أسرع.. هل تؤيد هذه الرؤية؟
أرى أن الرواية مكتوبة بطريقة "البازل" على شكل شظايا متفرقة، لا يمكن لها أن تتجمع هكذا مرة واحدة، بل لابد أن تظهر على شكلها هذا؛ متناثرة ولا علاقة تربط بينها، هى تبدو كذلك، غير أن الأمر لا يمكن تفسيره على هذا النحو.
فى الفصل الثالث تبدأ الخيوط فى الالتئام قليلًا، لتتضح الصورة تدريجيًا، تتضح ببطء. فى الفصل الثالث تستطيع أن تقبض على حدث حقيقى، شبه كامل، وعلى مدار الرواية يحدث ذلك باستمرار، طوال الوقت أرسم خيوط الشخصيات التى تتلاقى كلما زاد عددها.



لماذا أسميت الرواية "سورة الأفعى"؟
كل عوالمى تدور فى إطار العلاقة بين المقدس والمدنس، بين الأفعى التى تدل على المدنس، والسورة بمعناها المعروف المقدس. اكتشفت أن ذلك يتم بلا وعى منى وبدون تخطيط. تجذبنى الميثولوجيا باستمرار، أقرأها بشغف، وأكتب عنها وأعيش داخل عوالمها. لا أعرف لماذا، ولا تسألنى ما السبب، لأنى، حقيقةً وأكيدًا، لا أعرف.






لم تتعدَّ الثامنة والعشرين ولديك روايتين ومجموعتين قصصيتين.. بماذا تفسر هذه الغزارة فى الإنتاج؟

الكتابة هى الرابط بينى وبين العالم، أعيش كى أكتب، وهى المعنى الوحيد والمبرر الحقيقى لوجودى. إن لم أكتب سأموت. لابد أن أكتب كل يوم، أكتب أى شىء، تربيت فى مدرسة نجيب محفوظ التى تفرض نظامًا صارمًا فى الكتابة. أكتب منذ عشرة سنوات تقريبًا، وبانتظام.
أنت ترى أنى غزير الإنتاج بسبب روايتين ومجموعتين. أُخبرك شيئًا؟ أنا لدى ثلاث روايات وثلاث مجموعات أخرى لم تنشر، مزقتها لأنى لم أرضَ عنها، لم أجدها تستحق النشر. هذا هو سبب تطورى فى الكتابة، أنا أمزق ما أكتب ولا أشعر بالحزن.



حصلت على جوائز كثيرة جدًا مثل جائزة دبى الثقافية وجائزة أخبار الأدب وجائزة قصور الثقافة.. هل تعتبر نفسك محظوظًا؟

قد أكون محظوظًا بسبب هذه الجوائز. فعلًا حصلت على الكثير منها، ولكن لا تربطنى علاقات بأحد. لدى علاقات جيدة بالطبع مع بعض الكتاب والناشرين، ولكنها ليست العلاقات التى تجعلنى أحصل على جوائز، أنا لا أفعل ذلك ولا أستطيع أيضًا.



ما الذى يشغلك أثناء الكتابة؟

الكتابة. لا شىء غير الكتابة. لا أفكر فى قارىء أو ناقد حينما أكتب، ولا أقتنع بأن هناك كتابة تشبه الجوائز. أكتب لنفسى، ولا أكون معنى بأى شىء آخر يحدث.






هل ترى أن على الكاتب أن يسوق لكتبه؟


لا أعرف، وأيضًا لا أظن ذلك يؤخذ على الكاتب. أنا شخص انعزالى، ولا أحتك كثيرًا بالناس، تؤنسنى وحدتى، ولا أخرج كثيرًا من البيت. ربما لأنى معنى أكثر بالكتابة، وربما يكون ذلك سببًا فى ابتعادى عن الوسط بشكل ما.
دعنى أقول أيضًا إن تسويق الكتب من اختصاص دور النشر، لا الكاتب. هذا تصورى الشخصى.



أنت مهتم بأدب الأطفال وكتبت 12 قصة حتى الآن.. لماذا تهتم بهذا النوع الذى لا يلقَ اهتمامًا كبيرًا فى مصر؟

هو أدب مظلوم، رغم أهميته الكبيرة والمهمة. هذا الطفل الذى يحمل حقيبته ويسرع خطاه إلى المدرسة هو الكاتب فى المستقبل، هو الطبيب والمهندس والمدرس، لا بد أن نهتم به، ولكن دون إسداء النصائح المباشرة، ودون إسدائها أيضًا بعنف وبطريقة مُنفرة وبغيضة، وهذا تحديدًا هو ما أعيبه على نظرتنا لأدب الطفل الذى يبدو وكأنه أدب نصائح.
ومؤخرًا، اتفقت مع دار الربيع العربى على نشر ست قصص منها، وفى انتظار أن أنشر الباقى. هى خطوة مهمة وأحببتها كثيرًا، ولن تكون محاولتى الأخيرة فى مجال أدب الطفل.






ماذا تكتب الآن؟
أكتب رواية جديدة، عالمها خاص جدًا، تدور أحداثها فى منطقة مجهولة من التاريخ، الخرافة هى البطل، أخلقها مع وعى بوجود العالم الحقيقى، أربط أيضًا بين المقدس والمدنس، ها هى الميثولوجيا تظهر مرة أخرى، ولا أظنها أخيرة.