هناك من تمشي خطاه على خطاي

الخميس، 7 مارس 2019

سورة الأفعى والواقعية الشبحية


سورة الأفعى والواقعية الشبحية




قراءة الناقد د. صلاح السروي


نحن بإزاء عمل على قدر كبير من الأهمية، أهمية تنبع من كونه يُنازل العالم بشكل مختلف إلى حد كبير، سورة الأفعى تنسب نفسها إلى الرواية، حيث إنها تتناول الواقع المصري، إلى اللحظة الراهنة، باعتبار اللحظة الراهنة هي بنت هذا التاريخ من خلال التكثيف الرؤيوي، وهي تمشي في خط الجديد من الروايات المعاصرة، حيث هناك واقع تعسٌ للغاية تغلب عليه صفة القِوادة، أحد أبطال الرواية قوَّاد، ولكن هذه الصفة ليست صفة هذا البطل وحده، بل هي حالة اجتماعية وسياسية عامة، ارتكزت على فكرة استخدام المرأة باعتبارها وسيلة لكسب الرزق، باعتبارها وسيلة للتعامل مع الخصوم والتعاطي مع السياسة، هنا لا تصبح الأفعى هي المرأة، باعتبار الأفعى صفة سلبية بما تحمل من خفة وغدر، ولكن لا تصبح المرأة هي الأفعى، المرأة هنا هي الضحية، المجتمع المنتهَك الضائع، الذي لا يجد مأوى، والمستخدم من قبل القوادين والسياسيين. الواقع المنتهَك، تبدأ الرواية بالقواد، الطالب الجامعي، الذي ينصدم بمجتمع آخر، أعلى طبقيًا، فتاة اسمها "ملكة" شديدة الجمال، باعتبار الجمال طبقيًا، بطريقة أو أخرى، فمن يملك المال أكثر يستطيع أن يصير أجمل، أن يرتدي أفضل، الجمال الطبقي هنا ليس مسموحًا للأحدب الاقتراب منه، نتيجةً للطبقية، فهو ليس من حقه، بإحالة لطيفة إلى أحدب نوتردام، ذلك الدميم المشوَّه، الإنسان، لكن فيكتور هوغو، كان رومانتيكيًا، في المرحلة الأولى المنتصرة المزهوة بالرومانتيكية، فانتصر للأحدب، ما المانع أن تعشق الفاتنة الجميلة الأحدب؟ لكن هنا في سورة الأفعى فالمصير مختلف، بمعايير اللحظة الزمنية، كيف يتجرأ ويقترب الأحدب من الملكة؟ فيتم تأديب الأحدب، وهنا لحظة الانعطافة الحقيقية في حياة الأحدب، فهو يتحول إلى قاتل، ومن مُحب وعاشق إلى قوَّاد، إلى شخص يرغب بالحصول على أي مكتسبات أو غنائم، فينتقم من الفتاة ويلقي بماء النار على وجهها، فيحرقها، وتصير الفتاة من فرط كراهيتها له إلى أسيرة له، إنها النفس البشرية، التي تقع أسيرة لسجّانها، أو لجلادها، الوقوع في هوى الغالب، تلك العلاقة النفسية المركبة والمعقدة جدًا التي تربط بين الطرفين. مع هذا المسار توجد مسارات أخرى، لا تقل في التركيز، التبئير، إذا جازت استخدمنا المصطلح هذا، من حيث إلقاء الضوء نذكر منها حكاية الشيخ نجم الدين، الطفل الذي تربى عند ورع، صوفي، يتمتع بخيرات لا نهاية لها، يغسل المريدون أقدامه. يتوفى الجد فيسافر نجم الدين ليعيش مع كاتي، والتي لها مسارات أخرى، وحكايتها مع عاشقها في الحرب العالمية الثانية بالإسكندرية، وهكذا، فهناك عشرات المسارات، مع كل بطل، مسارات تنفجر، خطوط متقاطعة ومتداخلة لكن مسار الرواية الأساسي هو أن هؤلاء جميعًا، هؤلاء الأبطال، يبحثون عن التحقُّق والحُكم، والوفرة المادية، سواء أخذ هذا أشكال القِوادة أو النصب باسم الدين أو الوطن. كل الأبطال هنا هدفهم امتلاك المرأة، ليس باعتبارها وسيلة لكسب الرزق، ولكن باعتبارها الحياة بكل ما فيها من لذّات ومُتع. إذا ما اعتبرنا أن هذا التتبُّع لمسارات الرواية هو تتبع نموذجي وحقيقي، سنحصل على مرمى محدد وهو هذا الواقع الآسن في مبدأه، تحول إلى واقع أكثر قبحًا وعفنًا في منتهى الرواية، وقد لا ننتظر أفضل من ذلك في القريب، فالجميع يسقطون.

الرواية مفتوحة على آفاق متعددة لشكل لا نهائي، والقول الفصل لا يمكن أن يكون قائمًا، فالرواية ليست رواية اعتيادية، لا تقوم على الحبكة التقليدية المعروفة، فهي لا تمشي على الخط الطولي، بل تمشي في عدد ضخم جدًّا من الخطوط المتقاطعة والمتداخلة والمبعثرة هنا وهناك، لكنها تلتقي في بؤرة واحدة، أو ما يقترب من البؤرة، التي تشتبك في نقطة "من الذي سيحكم؟ من الذي سيرث هذا الملكوت؟ من الذي سيمتلك المرأة؟" الأبطال في الرواية لا يملكون وجها واحدًا، بل بداخل كل منهم انقسامات، لا تجعلنا نُدين في النهاية أحدًا، ولا تجعلنا نشفق باطمئنان -في حقيقة الأمر- على أحد. لكي تصل الرواية إلى هذه الحالة المتداخلة، المشتبكة، المتعددة الخطوط، القابلة أن تُفهم على أكثر من وجه، إذا ما تتبعنا خطًّا واحدًا أو أكثر من خط أو الخطوط جميعًا، لكي تصل إلى هذه الحالة فقد اعتمد وسيلة، وهذا المصطلح أنا أتحمل مسؤوليته، فقد اتبع ما يمكن تسميته بالواقعية الشبحيَّة، وليست الواقعية السحرية، الواقعية لأنها مشتبكة بشكل مباشر مع الواقع، المُعطى الاجتماعي، التاريخي، باعتبار هذا المعطى هدفه تخليق النوع الإنساني، والحقيقة الإنسانية، فلا يوجد إنسان خارج المُعطى الاجتماعي التاريخي، فهو نتيجة لذلك. فهذه الرواية واقعية بهذا المقتضى، لأنها تناولت الإنسان في ظرفه الاجتماعي التاريخي المحدد، لكن هذه الواقعية ليست واقعية بلزاك، ليست واقعية نجيب محفوظ، نحن بإزاء واقعية مختلفة تمامًا، فنحن لا نعرف إذا كان الفعل حقيقيًّا أم غير حقيقي، يقبع في منطقة الممكن واللا ممكن، وهي المنطقة المُحددة لمفهوم العجائبي والغرائبي، مثل ألف ليلة وليلة، فهو واقع ينحو نحو الغرائبية، لكن ليست كل عجائبية هي واقعية سحرية، فالواقعية السحرية تتعامل مع الواقع باعتباره أسطورة، ومع الأسطورة باعتبارها واقع، فهي تمزج بين الاثنين، لكننا هنا بازاء واقعية – حقيقية- وأحداث تاريخية حقيقية، وليس واقعًا افتراضيًا، لكن هذه الواقعية هي واقعية شبحية، ثمة ضبابية متعمدة للواقع، إضفاء نوع من الطيفية على أحداث هذا الواقع، بحيث تقبع في منطقة أنها حدثت أم لم تحدث، خلال الأحداث التاريخية، فإن أفعال الأبطال جميعًا تقع في هذه المنطقة، نقل الرواية من منطقة الرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا إلى الشعر باعتباره جنسًا أدبيًا مغايرًا، حالة من التهجين بين النوعين، وبهذا فإنها تكسر الحدود بين الأنواع وتُذيب الفوارق بين الاثنين. الرواية تدمج وتخلط بين الواقع بأُطره المادية وبين عالم آخر يدخل معه باعتباره أيضًا شيئًا واقعيًا مُضبَّبًا. الكاتب يحوِّل الواقع إلى رؤية، إلى صورة ذهنية، مجردة، فالتجريد هنا، موجود، والفن معرفة بالتجريد، وهو القائم هنا.



صلاح السيد محمود السروي. ناقد وأكاديمي مصري، تخرج في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة سنة 1979، وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث والمقارن من أكاديمية العلوم المجرية، بودابست سنة 1990. يعمل حاليًا أستاذًا للأدب العربي الحديث والمقارن في جامعة حلوان.

سورة الافعى دلالات عالم كابوسي

Image may contain: one or more people and text

سورة الافعى دلالات عالم كابوسي

قراءة الكاتب أحمد حلمي في مجلة عالم الكتاب عدد أغسطس - 2018



رواية متشظية بنائيا، تحمل في طياتها عدة أفكار وتطرح رؤى حول العالم والإنسان والإله. تعتمد في بنائها على مقاطع سردية معنونة، تحمل دلالاتها الخاصة سواء من هذه العناوين أو من طريقة تركيبها البنائي لايصال واحدة من رسائل العمل المتعددة.
سؤال التصنيف الخاص بالراوية يتراجع إلى نهاية قائمة الاسئلة الخاصة بها. لأسباب عديدة من بينها غرابة البناء وتجديده، جزالة اللغة وشعريتها، الرؤى والأفكار والتساؤلات المطروحة، وعشرات الدلالات المتناثرة، والحبكة المركبة والمعقدة والمفضية في نهايتها إلى لا نهاية ودلالة وفكرة جديدة. إلا أن سؤال التصنيف قد يعطى بعض الضوء على تأويل الرواية، ويفتح لنا مدخلًا يمكننا من تحليلها. فالرواية تعتبر واحدة من علامات الديستوبيا في الرواية العربية لجيل كاتبها. فهي تحملنا إلى عالم كابوسي قبيح، أو إلى الجانب الكابوسي القبيح من عالمنا، صادمة الوعي برؤيتها الخاصة لهذا العالم. رغم المحاولات الجاهدة في إضافة وإنبات الجمال داخل هذا القبح والظلام. جائت هذه المحاولات في صورة لغة شعرية ومشاهد وصور وروائح جمالية، ونفحات صوفية ونماذج شخصيات شبه ملائكية. إلا أن كل هذا أثبت الكابوس القبيح ولم يخفف من وطئته.
السارد في الرواية هو راوي عليم. إله غاضب على الجميع. صنعهم من سخطه وقبحه. ويسرد لنا حكاياتهم بنبرة غاضبة دائنة للكل. تنبع منه الحكايات من قمة الأزمة الوجودية لشخصياته، ثم يعود إلى سرد بدايات تكوينهم في عصر البراءة والطهر، وينتقل بين هذين العصرين، من بدايات الحلم والأمل إلى قمة البؤس والسقوط الواصل إليه الشخوص. فكل شخصية ظهرت ثم حُكيت حكايتها، تمر بهذه المرحلة من البراءة او السذاجة حتى تصل إلى قاع الخطيئة أو المأساة.
هذا الراوي شديد الغضب والبغض ينافس آلهة الاولمب في عبثيتها وجنونها. إلا أنه اجتهد في إخفاء هذه العبثية والجنون وراء النبرة الغاضبة والإدانة التي وزعها على الجميع، الشخوص، العالم، الساسة، الملوك، والالهة جميعها بلا استثناء، ليظهر في مظهر الراصد الناقد فقط للعالم.
لغة النص هي لغة شعرية متزنة، تميل للتكثيف والقول على قدر الحاجة. لا تعتمد على التشبيه والمجاز والصور الجمالية المعتادة. لكنها تعتمد غالبًا على الدلالة والإشارات المرجعية لإيصال المعنى. وترسم صور حية للمشاهد دون إطناب إو تجميل إو صنعة مصطنعة. هذه اللغة كانت إحدى أدوات الدلالة البنائية للنص. فبدء من العنوان واستمرارًا مع اللغة وتقسيم النص إلى مقاطع قصصية معنونة، جعل النص يمثل محاكاة للنصوص المقدسة تبدو هذه المحاكاة قصدية لإيصال فكرة ورؤية النص، كما أنها فضحت لعبة الراوي سابقة الذكر.
هذه المحاكاة البنائية كما اعتمدت على المقاطع القصصية المعنونة والتي تحمل دلالاتها في العنوان والتركيب، اعتمدت على أطلاق الحكم والامثال في ما يشبه الآيات المقدسة، إضافة إلى الصلوات التي ذكرت متضمنة ومفردة طوال النص. هذا التركيب البنائي أكد فكرة الكتاب المقدس لذلك الإله الغاضب.
مثلث جوهر وحسن ونجم الدين يمثل إطار العالم الروائي الكبير بعلاقاته المتشعبة وصراعاته المتفجرة. وتنتهي الرواية باجتماع الثلاثة مع نسائهم جميعًا في مشهد واحد يتمخض عن فكرة تبدو للوهلة الأولى مستحيلة، إلا أن نهاية المشهد تثبتها بشكل ما. الفكرة التي يحملها المثلث تقول أن الثلاثة ليسوا سوى تجليات مختلفة لنفس الشخص. وهو الانسان في العموم أو فكرة الإنسانية واتجهاتها الفكرية المختلفة بين المادية البحتة والصوفية الصرفة ومحاولة الجمع بينهم والتي تفشل فتصنع مسخًا وتخرج شرًا.
إلا أن هذا المثلث محمل أيضًا بالمزيد من التمثيلات والأزمات الوجودية. فحسن الغريب يحمل ويعاني من ثنائية الحياة والموت، والمفاضلة بينهم في البحث عن المعنى، ونجم الدين يمثل ثنائية الطهر والدنس والجنة والجحيم والسماوي والارضي في نفس الانسان. بينما جوهر يحمل سؤال ويعكسه في نفس الوقت عبر ثنائيته، والتي تتأرجح بين الجمال والقبح. فحالة جوهر أشمل وأعم وتطرح تساؤلاتها للباقي أضلاع المثلث، حول أيهما أجمل وأيهما أقبح، بين طرفي ثنائيته الخاصة.
تعتمد الرواية على المقولات الجاهزة البديلة عن الآيات، والتي تنبئ وتخبر عن رؤية الرواية. ومن أمثلة ذلك:
"الدرس الإلهي الاول المعرفة خطيئة"
"اذا كان سيدك اعمى فلماذا تريده ان يبصر"
"ثمة شيخ داعر وقواد أمين"
وغيرها من المقولات المعبرة، كما كانت الحوارات بين الأحدب والشيخ والعاهرة والبابلي والكهنة تعبيرًا صريحًا عن رؤى الرواية وطرحها.
من الرؤى التي تطرحها الرواية، والتى يجب التوقف عندها كانت حول المرأة. فالمرأة هنا هي سر الغواية ومحور الحياة وحركة العالم والتاريخ. بعدها يأتي مفهوم القوادة وكونها سبيل النجاح الوحيد في عالم الكابوس. واخيرا مقولة الحب والحرب وجهان لعملة واحدة.
حبكة الرواية تتمحور حول دلالة المشهد الأخير. من التجليات المختلفة المتمثلة في مثلث الشخصيات وتشابه التاريخ الشخصي لهم ومنطلقاتهم ومئالاتهم. واعتمدت على عرض الأزمات المختلفة المحتمل حدوثها لكل تجلي من تجليات الانسان، والصراعات والتفعلات بين الشخصيات المتعلقة والمنبثقة من رؤس هذا المثلث، وبذلك تحقق مقولة ميلان كونديرا حول الرواية الحقيقية والتي تبحث امكانات الوجود وليست تلك التي تعيد انتاج الواقع.
وفي الأخير الرواية هي رواية ما بعد حداثية خالصة. من خلال البناء بشكل خاص. ومن خلال الدوستوبيا المصنوعة بها لا تطرح رؤية مغايرة للعالم، بل رصد لجانب من جوانبه، لكن تميزها يكمن في صدمة الوعي التي تصنعها، والرؤية البنورامية التي ترسمها
.

النورس جوناثان ليفنجستون محاولة بسيطة للطيران

النورس جوناثان ليفنجستون محاولة بسيطة للطيران

منشورة في مجلة عالم الكتاب عدد إبريل ٢٠١٨

https://scontent.fcai1-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/36269348_10156133332032203_7349273146123354112_n.jpg?_nc_cat=103&_nc_eui2=AeHlFJzs5qlntvkVs6WenB8ndBJ8boZtCcqMwTcN3zMPP0Ce1_qgd0LNZNm6hSLXOhOOFqvFKldKyfbIRG1FHkAefzAJ-klkqlj5r2X3--Nxcw&_nc_ht=scontent.fcai1-1.fna&oh=c4618623bbf5b457d0794eaa04c185f3&oe=5D1360AB

قراءة مصطفى الشيمي


  لسنا أمام رواية مرهقة، بل أمام رواية سهلة، بسيطة، مباشرة. رواية النورس جوناثان لينفجستون لريتشارد باخ، بترجمة محمد عبد النبي، لا تهتم كثيرًا بتقنيات السرد أو ألعاب الكتابة أو أسئلة الزمن، قدر اهتمامها بالحكاية، أو الحدوتة، التي يرويها علينا السارد بفلسفة بسيطة ورمزية طفولية، لا تحتاج منا إلى بذل جهد كبير في القراءة، وبالتالي فإن التفاعل مع النص بمعنى الهدم وإعادة البناء، يختلف وفقًا لنوعية القارئ، إذا كان على قدر من الثقافة سيراه ساذجًا وإذا كان القارئ بسيطًا سيراه ملهمًا، ويمكننا ان نستعير قول الناقد السينمائي الأمريكي روجر ايبرت: كان يفترض لهذه الرواية أن تباع للمراهقين، حتى الأطفال يمكنهم فهم مرادها بسهولة ودون جهد.
في هذا الإطار يمكننا قراءة هذه الرواية الروحانية، أو التنموية، ذات الحكاية البسيطة، ومن هنا نستطيع أن نتلقى هذه الفلسفة، البسيطة، باعتبارها طاقة روحانية، تقود المرء إلى حلم تحقيق الذات، وليست بصفتها فلسفة حقيقة، مرهقة، أو تطرح رؤى مختلفة، فإننا أمام قصة المسيح، النورس، الذي حلم بالطيران، باعتباره الغاية، مع الوضع في الاعتبار أن النوارس الأخرى لا تطير، لا تحلم، وإنها إذ تفعل ذلك فلغاية هي الوصول إلى فتات الخبز عند قوارب الصيد، "بالنسبة إلى أغلب النوارس، ليس الطيران هو المهم، بل الأكل"صـ 12، لكن هذا النورس جون يقابل برفض المجتمع، السرب، القطيع، لهذه الفكرة، فكرة تحقيق الذات، أو الفردانية، فيقابلوه بالنبذ، حتى بعدما استطاع الطيران مثل بومة في الظلام "الظلام! انبعث الصوت الأجوف الأجش منذرًا – النوارس لا تطير أبدًا في الظلام" ص 18، أو عندما طار كصقر "أجنحة قصيرة. أجنحة صقر قصيرة" ص19، ولمّا اكتشف أن "السرعة كانت قوة، والسرعة كانت بهجة، والسرعة كانت جمالًا خالصًا" حاكموه ونبذوه، هذا مفهوم باعتبار ما جاء في الإنجيل، لا كرامة لنبي في وطنه"، ويضطر النورس إلى السكن في المنحدرات القصية، ولا نبوة دون غار، وهناك يكتشف السماوات العلى، ويعرف أن "السماوات ليست مكانًا، وليست زمانًا، إنها حالة الكمال" ص 40، ولا يخفى على القارئ أننا نستطيع سد كل فجوات قراءتنا من النص، أي أن النص لا يترك مساحة للتأويل، الرموز واضحة، ومباشرة، وليس علينا محاولة التأويل، إننا نستقبل فقط الرسالة، النص، وفي مثل هذه الحالة من الكسل فالنص لا يكون ولادًا للمعاني ولا يكون متجددًا، سنجد أيضًا بعد هذه الرحلة في السماوات العلى، أنبياء، وعندما يعود إلى الأرض سيقابل النورس جون تلاميذه، الذي سيحاول تعليمهم الطيران وإرشادهم لقدرتهم، فيجعل الأعرج يطير، ويجعل الميت يعود إلى الحياة، قبل أن يضطر النورس جون إلى القيامة، أو الموت، أو الصعود للسماء ويترك مهمة التبشير هذه إلى تلاميذه. لا يخفى إذًا رمزية المسيح، باعتباره المعلم، المرشد، حتى المعجزات التي يقوم بها النورس مع تلاميذه هي تناص بسيط مع معجزات المسيح، وإذا كنا نقرأ الإنجيل في هذا النص، بلغة أراد لها المترجم محمد عبد النبي، في بعض الأحيان، أن تحمل تعابير القرآن لتكون أقرب إلى ثقافة القارئ، "هل أصابهم العمى؟ ألهم أعين يبصرون بها" صـ 51، فإننا إلى جانب هذا الدرس التبشيري نستطيع أن نقابل أيضًا روحًا بوذية متجسدة في معلم جون، وهو النورس تشاينج.
  في اعتقادي، أن الجزء الأفضل في الرواية هو الجزء المضاف حديثًا، الجزء الرابع، بعد صعود النورس جون، والحياة في عهد خلفاءه الراشدين أو تلاميذه، وكيف تحول العالم أو حلم الطيران، الحرية، المعرفة إلى مسخ، وتمر أسطرة النورس جوناثان وتعاملوا مع تلميذه فلتشر باعتباره ولي، ونرى هذه الأسطرة والالتزام بهوامش النص، أو حرفية النص، عندما وقفوا أمام النورس فلتشر وقالوا "حضرة النورس الأب فلتشر، هل قال الجليل جوناثان: إننا في الحقيقة أفكار النورس العظيم أم قال إننا في الواقع أفكار النورس العظيم؟"ص81،  وقالوا أيضًا "حسنًا، أيها النورس فلتشر، عندما كان النورس السماوي جوناثان يتأهب للطيران، هل كان يتخذ خطوة واحدة فقط نحو الريح، أم خطوتين؟"، وبهذا فإنهما نسوا قيمة الرسالة التي جاء بها النورس جوناثان، الذي قال "لا تدعهم ينشرون شائعات حمقاء عني، أو يتخذونني ربًا لهم. أتفقنا يا فلتشر؟ أنا مجرد نورس. أحب الطيران"، ص74، ولا يكتفون بهذه الأسطرة، النورس السماوي، ابن النورس العظيم، الذي لا يتكرر، رغم أنهم قد تجاوزوه وحلقوا أبعد مما وصل، فبعد وفاة آخر التلاميذة فلتشر يتحولون إلى الرهبنة الكاملة، فتفقد الرسالة كل قيمتها، وتصبح مجرد طقوس وصلوات، وبرطمة لا يفهم منها شيئًا. وتتحول الرسالة إلى دين، بالمعنى الضيق للكلمة، وإلى سماء محظور الطيران فيها بسبب المعابد والأضرحة على الأرض. لا يخرج هذا الجزء الرابع عن إطار الرواية التنموية السهلة، ولكن –على الأقل- يكمل رؤية العالم لريتشارد باخ، بدلا أن يبدو مثاليًا وسخيفًا أكثر مما ينبغي.
  في نهاية الجزء الرابع المضاف حديثًا إلى الرواية، عام 2013، رغم صدورها للمرة الأولى عام 1970، فإننا نرى شخوص هؤلاء العالم، المقيد بالطقوس البالية، يتمردون أو يكفرون بالأسطورة جوناثان، أو بالأساطير التي يعرفونها عن هذا النورس، وبالتالي يقتربون أكثر مما يقترب الرهبان من حقيقة الرسالة الأولى. هم أبناء النورس جوناثان الحقيقين، الغرباء، وطوبى للغرباء. إن العالم يستعيد الصيرورة الأولى التي وجد عليها، السرب البعيد عن المعنى، الحاكم، المقيد، وإن تم بناء هذا العالم، الثاني، على جثمان النورس النبي، يبقى الأمل في يد المتمردين، الرافضين أو الكافرين، لهذه المنظومة. والغريب هو أن هذا الجزء المضاف، لم يرده الكاتب باخ في الرواية، إذ يقول "ظللت أقرأ الجزء الرابع، المرة تلو المرة، في ذلك الحين، ولم يبد لي صادقًا أو حقيقيًا بالمرة! فهل يمكن للنوارس التي اتبعت إجابات النورس جوناثان أن تقتل روح الطيران بالطقوس والشعائر. وقال الفصل أنه ممكن، لكني لم أصدقه"، وقد وضعه في النهاية بعد سنوات عديدة، رغم أن هذا الجزء في قراءتنا أصدق ما في حكاية النورس.
  لقد وضع الكاتب الجزء لأن صوت أخبره "كنت أعرف ماذا أصنع! في قرنكم الواحد والعشرين هذا، وأنتم مطوقون بالسلطة والطقوس. ضاق الطوق حول أعناقكم حتى اختنقت حريتكم، ألا ترى؟ من المخطط أن يكون عالمكم آمنًا، ولكن ليس حرًا"، وبهذا قرأنا الرواية كاملة كما كتبتها، منذ سنين عديدة، وهذا التدخل في متن النص، وإضافة عدة صفحات جديدة، يطرح سؤال هامشي؛ فالمتعارف عندنا هو عدم الاقتراب أو التعديل من النصوص ما دامت قد نشرت.
  يبقى أن نشير إلى ملاحظتين، الأولى هي أن رواية النورس جوناثان ليفنجستون، وهي إن كانت رواية بسيطة، لا تطرح أسئلة كبرى، أو تجعل من الأسئلة الكبرى مادة سهلة للقراءة العابرة، فإنها تحمل متعة مع ذلك، وإن بدت طفولية، فكاتب الرواية طيار، وعالم الرواية هو الطيران، يجعل من النوارس طائرات صغيرة لطيفة. "لو كان مكتوبًا لي أن أتعلم الكثير والكثير عن الطيران لوجدت خرائط ومخططات مرسومة في دماغي" ص17، ورغم طفولية هذا العالم، واللغة التي حافظ عليها المترجم من خلال مفردات مثل "دماغي" ، "عيب عليك"، تحافظ على اللغة المكتوب بها النص، أو الروح، أو الفئة المستهدفة، باعتبار أن النص رائع باعتباره عتبة للقراءة، أو متعة خفيفة عابرة. أما الملاحظة الثانية فهي في هوامش النص، إذ يمكننا أن نقرأه باعتباره تأكيد على فردية الفرد في عالم الليبرالية، الذي ينادي على هذه القيمة باعتبارها روح العالم الجديد، خصوصا مع وضع في الاعتبار تاريخ كتابة العمل، ولكن هذا لا ينفي أيضًا، أن بعض القراء، قد يتلقون العمل باعتبار الكاتب من ضمن الهيبيز، تلك الحركة المناهضة للرأسمالية والاستهلاكية، فالرفض ظاهر في الأجزاء الثلاثة للسرب، للمجتمع، وفي الجزء الرابع، خاصة مع الفصل الأخير؛ كلمة المؤلف التي قال فيها ما سبق أن قرأناه "أنتم مطوقون بالسلطة والطقوس، ضاق الطوق حول أعناقكم"، وإن كانت القراءتان تقف في مرتبة الضدين، هل العمل ضد الرأسمالية أو يؤمن بها، فإن هذا لا يدل على ثراء العمل، قدر ما يشير إلى اختلاف القراءات، باعتبار أن كل قراءة هي قراءة مغرضة، في حقيقة الأمر، وتبنى من داخل النص ومن الهوامش أيضًا.

الصورة وأسطورة المكان في رواية صخب البحير

الصورة وأسطورة المكان في رواية صخب البحيرة

منشورة في مجلة عالم الكتاب عدد مارس 2018

https://scontent.fcai1-1.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/35553319_10156118061947203_7647745339943813120_n.jpg?_nc_cat=102&_nc_eui2=AeGXdG4cO2zQpO3W7h5hoRNkKNaFBVR1xtQ3sLg5CX480LnveToxXNkNIZQGbkb4ZjdiE6No5DBqTtPQdGtwax5RdBBkIRVt9rjKwR3AbUwi6Q&_nc_ht=scontent.fcai1-1.fna&oh=bac219387ea71c6245c837e2573a45c3&oe=5CDC3AE1

قراءة مصطفى الشيمي

  في القرن الثامن عشر قام الفيلسوف التنويري "إفرايم ليسنج" بتصنيف الفنون، بطريقة مختلفة عن أرسطو الذي صنفها وفقًا لمادتها، إلى فنون مرئية كالفن التشكيلي وفنون مسموعة كالموسيقى، أما ليسنج فقد حاول إدراك علاقة الفنون بالزمن، في كتابه الشهير Laokoon (العنوان مقتبس من أسطورة الكاهن الذي أفشى أسرار الآلهة)، وفي هذا الكتاب صنف ليسنج الفنون إلى زمانية، ومكانية، الفنون الزمانية كالموسيقى والشعر، والفنون المكانية كالعمارة والتصوير، وقد قام شوبنهور بتصنيف مماثل، ويرجع ذلك إلى تصور الزمن بصورة مطلقة في الفن التشكيلي، لقطة خالدة، مصطفاة، لا بعدها أو قبلها شيء، ولا تقوم على التتابع كالموسيقى أو السرد. غير أن انعدام الزمن أو وجوده بصورة مطلقة، أبدية، لا يعني غياب الحركة؛ بل إنها حلت محل الزمن،  من خلال الخطوط والنقط والألوان ولعبة الظلال والضوء، واختيار اللحظة المفعمة بالنشاط والفعل، ومن هذا الهاجس ولدت مدارس مختلفة.
  في رواية "صخب البحيرة" نرى الزمن يخلق وجوده عن طريق الصورة، التشكيلية، فتبدو لنا البحيرة مطلقة أو أبدية؛ رغم وجود الحركة التي تصنعها الأفعال المضارعة  "تتهادى/ تزداد/ تتلاحق/ تكتسح"، فإننا نقف أمام بؤرة للعمل، كأنها كعبة مقدسة، تخلق الأبطال من الماء –من روحها؛ كما يفعل الماء في كل الأساطير القديمة فتخلق الزمان أيضًا والحكايات. قد نُسقط أساطيرنا واعتقاداتنا على هذه البحيرة، لكنها تبدو لنا أبدية ومطلقة. ونرى البساطي يلعب، كفنان تشكيلي، بالألوان والظلال والضوء لخلق الحركة مع الأفعال المضارعة، لكن هذه الحركة لا تنفي عن البحيرة أبديتها. في صـ 9: "تتهادى مياه البحيرة لدى اقترابها من البحر. شاطئها البعيد الذي يغيب في الأفق ينبثق مسربلاً بالضباب ثم يبين بلونه الرمادي الباهت كاشفًا عن تعرجاته ونتوءاته وينثني في انحناءة حادة داكنة بلون الطين"
  الألوان والخطوط والنتوءات حاضرة في الصورة، بلغة تشكيلية، لا تعمل – فقط- على إبطاء الزمن قبل تتابع السرد، لا تأخذ استراحة زمنية قدر ما تحاول إيقاف الزمن وتخليد اللحظة، هذه سمة الصورة التشكيلية؛ فهي تحتل جوهر لحظة ما وتجعلها دائمة. وعند تتابع السرد، وبحضور الأبطال، فإن اللغة تلجأ إلى الجمل القصيرة المتوترة، لوصف ما يسكنهم من مشاعر غامضة، خفية. يمكننا فهم هذه الرغبة في تخليد الصورة إذا ما عرفنا أن البساطي عاش في صباه وسط هذه الجزر، في البحيرة، هنا تلعب الذاكرة دورها، فلا تأخذ الحقيقة كما هي، بل إنها صورة منها، دخلت في عملية الصياغة الذهنية؛ الحذف والتعديل ولعبة الحقيقة والزيف وتم إنتاجها من جديد. إنها تأسطرها بطريقة ما. فكما كان الماء هو المطلق، بوجوده وجد الأبطال والعالم، نجده يشارك بدور فعال، فيرسل البحر النفايات في قسم "النوة"، ويبحث فيها جمعة وامرأته، ويجد في النفايات صندوقًا ينطق بلغة لا يفهمها أحدٌ، يقول جمعة "لا أحد سيعرف كلام الصندوق" صـ 75، وفي صـ 82 يتشاجر مع الصندوق، الناطق، حامل أسرار الماء، التي لا يفهمها أحدٌ، فيقول جمعة "وما أدراك. مئات السنين. آلاف وأنت في القاع. ما أدراك. كم مرة خرجت فيها"، فيبدو هذا الصندوق كروح عليمة، ناطقة، مثل وحيّ، رسالة مجهولة يحملها جمعة على ظهره فيهيم في البلاد، ما الرسالة؟ ما مغزاها؟ أين ذهب؟ هذه أسئلة لا إجابة لها في النص، فالنص يوحي ولا يقول شيئًا محددًا، وهنا نرجع إلى طغيان الصورة، المطلقة، المليئة بالإيحاء، والتي تترك للقارئ حرية التلقي؛ فالفن، في نظر تولستي، يثير في المرء شعورًا سبق أن جربه، كأن هذه هي غاية النص عند البساطي، أن يمسك بهذا الشعور، وبقول ماكس بيكمان "إذا أردت أن تدرك اللامرئي، عليك أن تتغلغل وتخترق الأعماق، بقدر استطاعتك، نحو المرئي". وإذا كانت الصورة التشكيلية تحمل في طياتها جوانب خفية وأبعاد موسيقية، ونصية، ومعرفية مجردة، لا تراها العين بنظرة خاطفة، فإن ثمة أزمة في قراءة الفن التشكيلي، لا ينجو منها نص البساطي الذي يلجأ إلى الصورة بدرجة كبيرة، فقد يشعر القارئ بالغموض، والغموض في قول فريال غزول "يكاد يكون سمة النصوص الباقية، لا الزائلة"، وهذا الغموض لأن النص قائم على الإيحاء، ويريد الوصول إلى خبرة القارئ الحسية باعتبارها منطق الاحساس والشعور الجمالي، لا الخبرة المنطقية العقلية، وقد نرى ذلك في القسم الأول، فالبطل صياد عجوز، ذو حكاية مجهولة وحزن دفين، ولا يستطيع القارئ الوصول إلى سره، وبدلا من ذلك يخبرنا النص بحكاية المرأة التي تعيش في العش التي قام ببنائها إلى أن مات، وتختاره المرأة لتقص حكايتها وولديها، ربما لأنها تعرف أن هذا الرجل ينتظر قدره، وفي النهاية تدفن أسرارها مع الرجل وتهيل التراب. ما حكاية الصياد؟ لا يعرف القارئ لكنه يشعر بحزنه، مثلما يشعر بالفزع الذي دار في أعماق جمعة بعدما وجد الصندوق.
  يمكننا قراءة فزع جمعة باعتباره، زلزلة الوحي، لا ينقصنا غير أن يقول "دثروني"، فالبطل يعاني من نبوة، غريبة ومجهولة المصدر. ولم يكن وحده، النبي، فأبطال هذا العالم يعانون من نبوة مماثلة، لا يعرفون الغاية منها، كأن النبوة هنا هي الحياة، رغم أنهم أبطال مهمشون، وبسطاء، لكن النص يصطفيهم، وقد نفهم هذا إذا رأينا أن البساطي يرسم صورة كلية وبانورامية للمكان، ثم ينزل إلى الأرض، إلى الأبطال، ليبرز وجودهم من دون الجموع الكثيرة، وثم إشارات أخرى إلى أسطورية الأبطال، فجمعة قادر على معرفة تاريخ الأشياء من ملمسها، ويستمع إلى صوت من صندوق البحر؛ صحيح أننا أيضًا نستمع إلى هذا الصوت مع أهل القرية، الذي أصابهم الهوس، لكنهم لم يفهموه، بينما بدا على جمعة إدراك الرسالة بالسفر بعيدًا. وقد نرى أيضًا النبوة في الصياد العجوز إذ يقول السارد في صـ 11 "لم ير أحد قاربًا شبيهًا له في أنحاء البحيرة العرضية"، وأشياؤنا تشبهنا وتحمل بعض من أرواحنا.
  هذه الروح الأسطورية الممتدة، يؤكدها الوصف، ولا ينسى شيئًا من تفاصيلها، فهي مهمة، رغم هامشية مثل هؤلاء الأبطال في الحياة، صيادون أو أهل قرية بسطاء، مما يجعل من الواقعي بأطره المادي هامشيًا ويجعل من أبطال هذا المكان، البحيرة، متنًا. وقد يشعر القارئ بالغرابة والغرائبية في هذا العالم، أو بالواقعية السحرية، في قسم النوة تحديدًا، بينما لا يشعر البساطي بالغرابة أو بالغرائبية أو بالواقعية السحرية تحديدًا (كما أشار في حواره بالأهرام)، وهذا مفهوم، لأن الغرابة لدى هيدغر هي "ذلك الطابع الجوهري لوجودنا في العالم، لأننا لسنا في بيتنا، عالمنا، بل في حال دائمة من القلق"، أي أن هذا الشعور يلازم الغريب، أو القارئ، الذي يتجول بعيدًا عن البيت، أو العالم كما اعتاده، من خلال استكشاف عالم هؤلاء الأبطال، وبيئتهم، ومنظومتهم الثقافية التي تختلف عما يعرفه، وبهذا فهو بعيد عن المألوف والآمن، فمن المفهوم أن يشعر بالغرابة والغربة، والبساطي لا يشعر بهذه الغربة أو الغرابة أو الغرائبية، أو السحرية، لأنه يشعر أنه "تمامًا في البيت"، آمن في الطفولة، كما حاول الحفاظ عليها. لقد خلقت البحيرة الناس حولها، والأسواق، والصيادين، والعادات والتقاليد، فرأينا بالنص استناد على الفلكلور والتراث، وانتصر البساطي للغة المحملة بالمخزون الثقافي، والمفردات الحيّة، ابنة بيئتها، على امتداد العمل. ومع الحفاظ على الحياة اليومية، المعاشة، المعتادة، مزج بها الغرائب، وعمل على إيهامنا أن هذه الغرائب جزء أصيل من الواقع، وهي إن كانت جزء من الواقع لكنها خفية، غير مرئية، والنص هنا يبرزها ويحولها إلى صورة.
  الوصف عند البساطي يقوم بوظيفة إيحائية ويقوم عند محفوظ بوظيفة إيهامية، بواقعية العالم الروائي، وقد قال محفوظ عن ذلك: أن أكثر التفاصيل صناعة لإيهام القارئ بأن ما يقرأ حقيقة لا خيال، إذ أنه يثبت الموقف أو الشخص كحقيقة"، والحقيقة عند البساطي هي صورة الحقيقة، صورة يعاد خلقها من خلال الذاكرة، ينتصر فيها للفن؛ وقد نرى في وظيفة الوصف عند البساطي ما يتفق مع أصحاب الرواية الجديدة في فرنسا، فالوصف ليس وسيلة للتزيين أو الإيهام بواقعية النص، بل غاية تجسد المكان والأشياء، ويوحي بعمق العلاقة بينهما بعد سقوط الإنسان في الرواية الجديدة، وهو سقوط يجعلهم في الهامش، لا البؤرة، وكما قال آلان روب جرييه؛ (من أبرز أعلام الرواية الجديدة: كان الوصف في الرواية الكلاسيكية وسيلة لتحديد إطار الأحداث والشخصيات ولإبراز ملامح الإنسان ولنقل واقع معروف من قبل، فأضحى كما يقول خلاقا مبدعًا للمعنى أو المحتوى، يختار بقصد أقدر الجزيئات المميزة على أن ترى الموصوف، فأضحى يعني بالأشياء الصغيرة ويتعلق بالجزيئات جميعًا ما كان مميزًا وما لم يكن، ويرتبها ترتيبًا معينًا، فيكرر الصورة الواحدة مرات مضيفًا إليها هنا حاذفًا منها هناك، وإذا بالصور تتناحر، وتتنافى، ويلغي بعضها بعضًا، وإذا بنا لا نرى الشيء ذاته ولكننا نرى شيئًا آخرًا، وإذا بالوصف يطغى على الكتاب ويصبح هو الرواية"، وتقول الناقدة مها حسن عن مادة الفن عند أنصار الرواية الجديدة "ليست في الذات بل في الموضوع، ولا تقوم بتصوير فعل الإنسان في الشيء، بل انفعاله بهذا الشيء، وتركيز الرواية على الشيئية يعد شاهدًا على ذوبان الفرد وانحصار دورهم أمام سلطة الأشياء"، هذه أشياء نقابلها في رواية البساطي، فموضوعها هو الانفعال والحنين الخفيّ؛ وعلاقة الإنسان بالمكان، ذلك الإنسان الذي سقط في الرواية الجديدة، وهو الإنسان المهمش عند البساطي، فلم يعد البؤرة المقدسة، بل هو الهامش الذي يصير بؤرة بفضل المكان، البحيرة، كما أشرنا في بداية المقال، التي وهبت من روحها المطلقة، بعض أنفاسها، على الإنسان، وفاضت بأسطورتها على ما حولها، وخلقت خيالات وانفعالات خفية ,عصية على الفهم أو الإدراك، وهنا كان معنى الفن عند البساطي.
  وقد نلمس عند البساطي إدراك لموضوع الرواية، الذي لا يقوم على الحكاية بشكلها الاعتيادي التقليدي، إذ يقول في حواره الصحفي: والحقيقة أن الصعوبة في الكتابة تتبدى من ذلك الإيقاع الغامض الذي يقود الكاتب أثناء الكتابة.
ويقول أيضًا": أردت أن يكون أشبه بنغمة أخيرة، أو لمسة صغيرة لتنغلق الدائرة، أو انكسار المنحنى، أو زفيف رياح تمضي.

وبهذا فإننا نرى ما يقود البساطي، هذا الإيقاع الغامض، هذا اللحن الخفي، هذه الصورة التي تبدو مثل ريح لا يمكن الإمساك بها، لأنها قد مضت، لكن طيفها وشبحها لا يزال يسكن الذاكرة. تتجلى تلك الطفولة الزرقاء التي عاشها في ذلك النص؛ وأهم ما في الأمر إن الكتابة هنا لعبة مرهقة، صعبة، لأنها محاولة للامساك بما هو خفي، بطيف عابر، برائحة لم يبقَ أثرها غير في الذاكرة، بشبح أبطال عاشوا في أرض بعيدة، لكن حضورهم لا يزال قويًا، يلحون من أجل وجودهم، فينتصر الفن لهم ويخلدهم، وإن كانوا أشباحًا، وربما – كما قال دريدا- كان الشبح هو الحقيقة الوحيدة
.

الثلاثاء، 12 فبراير 2019

مصطفى الشيمي: جائزة “نوبل” جعلت من نجيب محفوظ الوثن الأعظم - السياسة الكويتية

مصطفى الشيمي: جائزة “نوبل” جعلت من نجيب محفوظ الوثن الأعظم

الوضع الثقافي بائس والمبدع الحقيقي يحارب طواحين الهواء



القاهرة – رحاب حامد
جريدة السياسة الكويتية
كتاباته تكسر القوالب الكلاسيكية، لذا يصفه النقاد بالكاتب المشاغب والمثير للجدل. يرى أن الثورة فطرة أساسية في المبدع، يحبُّ العتمة في كتاباته، ينتهج الشك كطريقة تفكير، لا ينافس كتاب جيله، يلعب مع الموتى لا الأحياء، يتعامل مع الكتابة كأنها “لعبة”، يحب اللغة الحية ابنة هذا العصر، يكتب النص الذي يرضي ذائقته ولا يهاب النقاد ولا الجمهور.
عن مجموعته القصصية الجديدة “هكذا تكلم الذئب” روايته المقبلة التي تمتزج فيها الغرائبية بالواقع التاريخي، حلمه كتابة أدب الأطفال واليافعين وتقديم ما يليق بخيالهم.
التقت “السياسة” القاص والروائي مصطفى الشيمي، في هذا الحوار.

ما الرابط بين قصص مجموعتك الجديدة “هكذا تكلم الذئب”؟

أحبّ كتابة المجموعات القصصية بوصفها مشروعا. قصص المجموعة “مربوطة” معًا بموضوع واحد،انتقاد النظام المتمثل في الوظيفة، تغطية ذلك من جوانب متعددة، هذا الارتباط لا يغير من استقلالية كل قصة.
هل تناولت مسارا واحدا في قصصك؟
توجد خطوط كثيرة لكنها تنطلق من نفس النقطة، صنع عالم كابوسي بصورة مضحكة، يغطي كل هواجس الوظيفة المتعلقة بعلاقة المرؤوس بالرئيس، الراتب الشهري، ساعات العمل، الزواج، توفير النفقات. كل هذه الأسئلة تأخذ صورة تعزلها عن الواقع، فتبدو غرائبية، غريبة عن أصلها، تتحول إلى قصص سريالية حيث يمكن للإنسان العمل في مصنع لحوم لصناعة الإنسان، أو يمكن للإنسان المصنوع من لحم أن يعمل كدمية في مصنع للعرائس مع دمى مصنوعة من قطن، توجد أنواع عدة من البشر في ذلك العالم.
هل قابلت أبطال المجموعة في الواقع؟
لا أستطيع الوصول إليهم جميعًا، هم يسكنون اللاوعي، بعضهم أذكره وبعضهم مزج بين وجوه عدة، أحد الذين أذكرهم كان “إبليس” هكذا يدعى في الواقع، في قصتي “حجر معسل” يدعى كذلك، يعمل في الوظيفة ذاتها كصبي قهوة يحمل النار لتغيير حجارة المعسل، أعتقد أنني، أيضًا، كنت مفتتًا داخل القصص في صور عدة، كل هذه الوجوه وجهي.
هل هي قصص واقعية؟
سريالية، تستعير تقنيات الأحلام والكوابيس، تقوم على بنية النكتة أيضًا والمفارقة. رغم أسئلتها الوجودية أو الفلسفية حرصت أن تتسم بالخفة بمفردات خارج التقليد الأدبي لكنها تحمل جمالياتها.
ذاكرة رثة
لماذا يصف النقاد أعمالك بأنها ليست اعتيادية؟
لا أحبّ الكتابة الكلاسيكية التي تمشي على حدث خطي، هل يرجع ذلك لأنني ذو ذاكرة رثة؟ ربما، لا أرى العالم خطًا واحدًا ممتدًا للأمام، أجدني ضائعًا في دوائر، في نظرتي للعالم، طفولتي عبارة عن قطع بازل، لا أذكر التفاصيل التي قادتني إلى هذه النقطة، أنسى أشياء كثيرة، أعتقد أنني أستثمر هذه الذاكرة السيئة، ألعب وفق ما أملك.
كيف تصل بكتاباتك إلى هذا الحد من التداخل؟
مسوداتي رسوم غريبة، الكتابة تأتي في مرحلة متأخرة، هذه الصور تطاردني فأحاول فهمها، أشخبط كثيرًا على الورق،أحاول فك هذا التداخل، في مرحلة متأخرة اكتشفت أن أصدقائي يكتبون عالمهم وحدة متماسكة، ثم يقطعون، يمزقون، يلزقون، حاولت أن أفعل مثلهم ففشلت، أجدني مجبرًا على كتابة العالم ممزقًا.
هل تعتبر نفسك مؤسسًا لمدرسة جديدة؟
لا أشهد لنفسي، لكن الكتابة المتشظية واللا رواية، كانت موجودة من قبلنا، ربما لا توجد نماذج كثيرة لها في الأدب العربي، فالأدب العربي يميل إلى الكلاسيكية، لكنها نماذج موجودة. يمكن القول أنني أنتمي لتيار يتعامل مع الكتابة بوصفها لعبة، لا يقدم نصًا قائمًا على القصدية، لكنني لست الوحيد في هذا التيار، سبقني آخرون، لكننا قلة.
هل تجربتك مع كتابة الشعر أفادتك في عالمك القصصي؟
أحبُّ اللغة الحيّة، ابنة هذا العصر، المفردات التي تغرس جذورها في الطين، لا في الصحراء، تاريخ المفردة تاريخ ميت، لكنها- نابضة بين يدي، بدلالتها المغايرة لذاكرتها الجينية، لا أريد مفردات ميتة. الشعر ساعدني، خلق عندي ذلك الحس، والحدس، الشعر عندي تمارين على الكتابة، هي عادة أحبّ ممارستها في العتمة، لذلك لا أعتقد أنني سأنشر مثل هذه التجارب، سأتخلص منها في وقت ما.
ألا تخشى من رد فعل الجمهور والنقاد أثناء كتابة أعمالك؟
أخاف دومًا من رد فعل القارئ والنقاد، لكن ذلك الخوف لا يسكن لحظات الكتابة، عند الكتابة أكون، وحدي، أكتب النص الذي يرضي ذائقتي، الذي يشبعني، الذي يشبهني، الله لم يخلق النقاد أو القراء أثناء كتابة المبدع للعمل، خلقهم بعد ذلك.


أحبّ الغرائبية


هل تفضل الفانتازيا في كتاباتك؟

أحبّ الغرائبية، لكن الواقع يكون موجودًا كذلك في نصوصي، لا أقدم فانتازيا كاملة على طريقة تولكين أو جورج مارتن، إن كنت أحببتّ كتابة الأخير في” أغنية الجليد والنار” الكتابة عندي تحمل بعض الغرائبية، العجائبية، السريالية، لكنها دومًا ابنة لواقعها، ثمة أرض يمكن الوقوف عليها، أو تاريخ، إن كانت أرضا رخوة، إن كان تاريخا أسطوريا، أو كاذبًا.
بمن تأثرت؟
أحببت نجيب محفوظ، أحببت قواعده للكتابة، الساعات التي لابد أن يقضيها أمام الورقة، استعرت هذه القواعد أيضًا، لابد من الكتابة يوميًا، لابد من الكتابة بجنون، أحببت جنون نجيب سرور أيضًا، كان جنونًا مختلفًا وصادقًا، بين الشيخين أجد نفسي بين طريقتين.
هل تشعر بالرضا عن رواياتك؟
أعتقد أنني أنافس نفسي، أسعى أن أتجاوز دومًا أعمالي القديمة، إن رضيت عنها فهو رضا مبتور، شعور المبدع بالرضا الكامل شعور مميت،أتمنى ألا أفقد الشغف أبدًا تجاه الكتابة بمثل ذلك الشعور.
بم تصف حال المبدعين في بلادنا العربية؟
صورتان لا تفارقان عيني، الأولى للفنان السوداني محمد بهنس الذي مات متجمدًا من البرد على أرصفة القاهرة، الثانية للمخرج المصري أسامة فوزي الذي قتله صناع السينما بعد أربعة أفلام عظيمة، لم يجد منفذًا لينتج فيلمًا جديدًا له في ظل سيطرة صناع الرداءة على الفن، لا أستطيع أن أعمم الصورتين على جميع المبدعين في البلاد العربية، لكنني أرى الوضع الثقافي بائسا، المبدع الحقيقي يحارب طواحين الهواء، لا أعرف حلا.
متى ينجح الكاتب؟
لا أعرف، يخيّل إليّ كثيرًا أن المجد الذي نطارده جميعًا ليس سوى كذبة، عندما أنظر إلى أسماء كتاب من جيل الستينات، مثل، محمد حافظ رجب أو مجيد طوبيا أجدهم منسيين اليوم. ما يريده كل كاتب هو أن تُخلد النصوص التي كتبها، لكن بقاءها أو نسيانها، لا يرجع إلى قيمتها الفنية فقط، بل يرجع في كثير من الأحيان إلى مشيئة كاتب التاريخ الأعمى.
ماذا تعنى لك الكتابة؟
أعتقد أننا نفني أعمارنا في محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لكنني أعرفُ أنني كاتب سيترك بصمة في تاريخ الأدب، ربما أتمنى ذلك، كانت هناك مرآة زرقاء في طفولتي، أقف أمامها كثيرًا، تطيل رأسي وتصغره،لم أعرف نفسي بما يكفي لأكون واثقًا تمامًا، متردد، مرتاب، متشكك أمام كل شيء، الكتابة طريقتي الوحيدة لفهم نفسي أو العالم.
هل ترى نفسك كاتبا مثيرا للجدل ومشاغبا؟
ثمة عروش يمكن أن تهددها الكتابة الجديدة التي تنحاز إلى جماليات مغايرة، وتبني عالمها على غياب المعنى، أو تعدده، كتابة تكسر القوالب الكلاسيكية أو اللغة الميتة، لابد أن يُرى صاحبها مشاغبًا، أتفهم أن يراني البعض كذلك، فأنا كاتب يحبُّ العتمة،في العتمة يمكن للخيال أو الهواجس أن تشكل صورًا على خلاف حقيقتك.
لماذا ترى نفسك مختلفا؟
أعتقد أنني خارج حلقة السبق، لا أنافس كتاب جيلي، ألعب مع الموتى لا الأحياء، أطمح أن تصير نصوصي هي القاعدة، فلابد من الثورة على النصوص القواعد بالفعل، ويأتي غيري من بعد ذلك ويلعب اللعبة نفسها،بذلك فإن الثورة فطرة أساسية في المبدع.
هل تعتقد أن كتاباتك تختلف عن كتابات جيلك؟
على المبدع أن يكون مختلفًا عن الآخرين، لست منشغلاً بكتابات غيري، أعرف عالمي جيدًا،أؤسس هذا العالم نصًا بعد نصٍ، بمفردات تنتمي إليّ،بأساطير أعرف أزقتها. أعتقد أنني أكتب في منطقةٍ لا يقربها غيري، لأنني أنحت نفسي بصدق، لذا، نعم، أعتقد أنني كاتب مختلف، عليّ أن أكون كذلك،على الآخرين أن يكونوا كذلك.
الجائزة الأولى
كم جائزة حصلت عليها؟
حصدت الكثير من الجوائز العربية،الدولية،المصرية،منها. القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية 2017، جائزة دبى الثقافية دورة 2015، جائزة أخبار الأدب الدورة الثانية 2016 عن باب الغريب، جائزة المجلس الأعلى للثقافة دورة بهاء طاهر 2015.
هل تصنف نفسك ككاتب جوائز؟
كنتُ محظوظًا بالفوز بهذه الجوائز، وغيرها، الجائزة الأولى قد ينظر إليها المبدع بوصفها ضربة حظ. تكرار الجوائز يخرجها عن دائرة الحظ إلى الاستحقاق، أنا ممتن للجوائز التي فزت بها، والتي خسرتها أيضًا، وهي كثيرة، لا أعتقد اننى أصنف نفسي ككاتب جوائز، ثمة جوائز تضع معايير أخلاقية فوق المعايير الفنية، لا أشارك بها، لا أكتب وفقًا لاتجاهات جائزة ما، بل أكتب نفسي.
هل يوجد كاتب جوائز؟
الجائزة في النهاية، تعبر عن رأي لجنة تحكيم، لجنة تتغير من دورة إلى أخرى،لا يمكن التنبؤ بمعايير الجائزة أو انحيازاتها الفنية في كل دورة، الفوز بالجائزة مقامرة، أفضل المقامرين لا يمكنهم الفوز على امتداد الخط، لذلك لا أعتقد بوجود مثل هؤلاء.
هل تنبأت بحصول أعمال على جوائز أثناء كتابتك لها؟
نعم، مجموعة “بنت حلوة وعود” توقعت أن تفوز بجائزة ما، خسرت جائزة محلية داخل مصر،فازت بجائزة دبي الثقافية، رواية “سورة الأفعى” توقعت فوزها بجائزة ساويرس فكرمتها الجائزة في قائمتها القصيرة، مسرحية “القفص الذهبي” للأطفال، توقعت لها الفوز، فكرمتها جائزة الهيئة العربية للمسرح في قائمتها القصيرة، مع كل نبوءة هناك فوز، نصف فوز، خسارة.
ماذا تعني لك هذه الجوائز؟
ارتبطت هذه الجوائز بوجود فتاة أحببتها، قررنا الدخول معًا في مغامرة مجنونة، لم نكن مستعدين لذلك، أنا وأميرة، كان هناك من يقفون ضدنا، أميرة عانت من زواج قسري أدى لمنعها من اكمال دراستها الجامعية، قاومت، تحررت، تابعت دراستها، عملت للإنفاق على صغيرتها، لما تقابلنا قررنا القفز في الهواء معًا، تزوجنا في بيت فارغ من كل شيء،الجدران على المحارة، لا أثاث هناك، بنينا كل شيء معا، كنت محظوظا بالفوز في ذلك الوقت بجوائز، دبي الثقافية،الهيئة العامة لقصور الثقافة، أخبار الأدب، المجلس الأعلى للثقافة، كانت هذه الجوائز بمثابة قارب نجاة.
ما الجائزة الأقرب إلى قلبك؟
جائزة لم أفز بها بعد.
هل يعني الحصول على الجوائز النجاح للكاتب؟
قد يساعد حصد الجوائز على بقاء أعمال الكاتب، من خلال ترسيخ اسمه، وهو ما يريده المبدع، نجيب محفوظ كاتب عظيم، لا شك عندي في ذلك، لكن جائزة نوبل جعلته الوثن الأعظم، لن يتم تجاوزه إلا بالحصول عليها،وبعض معاصريه لم يروه في المكانة التي نراه فيها اليوم.


إنسان أفضل


ماذا تعلمت من الكتابة؟

تعلمت من الكتابة والفن، أن أفهم نفسي بشكل أفضل، أنا مدين للفنون جميعًا لأنها جعلتني إنسانًا أفضل، أكتب لأحافظ على سلامي النفسي، لأن هذه الطريقة الوحيدة التي أملكها لفهم نفسي أو العالم، لأنني لا أجيد شيئًا آخر، لا أحبّ شيئًا آخر.
ماذا تعلمت في مراحل حياتك؟
تعلمت من طفولتي أن هناك أخطاء صغيرة قد تفسد علينا مستقبلنا، رغم ضآلتها لكن أثرها كأثر الفراشة علينا، في نضجي تعلمت التصالح مع هذه الأخطاء، أن أتعامل مع كل لحظة على أنها ميلاد جديد.
من ساهم في تكوين شخصيتك؟
هذه أشياء أخفيها في الورق أيضًا، ولا أملك الجرأة لكشفها، من أجل ذلك أعتقد أنني قد أجرب، في العتمة، أنواعًا من الأجناس الأدبية، لكنني لن أقرب أبدًا من السيرة الذاتية.
ماذا تعني المرأة لك؟
تحتل مكانة مقدسة في كتاباتي، لكنها تأخذ صورة عشتار، البغي الطاهرة، بكل نقائضها.على المستوى الشخصي فأنا ابن امرأة قوية، نفخ الله فيّ من روحها، صرتُ صورة منها، لي زوجة تقاسمني الخبز والحلم، أخت صغيرة صالحتني مع العالم، من أجل ذلك كتبت في سورة الأفعى “امرأة وراء سقوط طروادة” سقط العالم بسببها، سقط الإنسان من الفردوس لأجلها، لكنها، أيضًا، القادرة على بناء الفردوس على الأرض.
بم تنشغل حاليا؟
دراسة النقد، بدأت دراساتي العليا في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، أحاول بناء مستقبل لأسرتي وابني الصغير آدم وصغيرتنا رغد، بالطبع تحتل الكتابة نصف رأسي.
ما علاقة المؤلف بالناقد؟
الناقد ضرورة للمبدع، صحيح أن الوضع الثقافي على درجة كبيرة من التفكك، الأمر الذي يعيق التواصل بدرجة كبيرة، مع ازدحام سوق النشر بأعمال رديئة. أعتقد بأن ثمة جهدا لابد أن يبذل من الطرفين، من أجل ذلك اتخذت خطوة دراسة النقد على أيدي أساتذة أعرف مكانتهم، أتمنى أن أساهم بدوري في سد الفجوة الموجودة في الثقافة العربية.
هل يمكن للرواية أن تتبنى فكرا معينا أو أن تخلق جيلا له فكر معين؟
أعتقد ذلك، أول الأعمال التي خلقت فكري في طفولتي كانت رواية”أمريكانلي” لصنع الله إبراهيم، بسبب نقدها للتراث الديني المغلوط، الأمر الذي دفعني لانتهاج الشك كطريقة للتفكير.
ماذا عن روايتك المقبلة؟
تقوم على خطوط متداخلة، بين أجيال مختلفة، تستعير من الأساطير اليونانية فكرة توارث اللعنة، كما أن الغرائبية تمتزج بالواقع التاريخي من خلال رصد لتاريخ السبايا والعبيد في مصر بالقرن التاسع عشر. أسعى من خلالها لتجاوز “سورة الأفعى”بنص أفضل، كما أحلم بالاستمرار في مشروع كتابة أدب الأطفال واليافعين وتقديم ما يليق بخيالهم، بدلا من الأدب الوعظي الذي يفسد ذائقتهم الفنية ولا يعبر عنهم.



غلاف “هكذا تكلم الذئب”

الاثنين، 24 سبتمبر 2018

مصطفى الشيمي: الكتابة ثورة على السائد - جريدة القاهرة

مصطفى الشيمي: الكتابة ثورة على السائد

(حوار في جريدة القاهرة بتاريخ 24-9-2018، مع الصحفي أحمد ليثي)

يعتبر الروائي مصطفى الشيمي أن الكتابة صورة من صور الهرطقة، أي كتابة إذا لم تحاول كسر المنظور السائد، ووتحاول خلق سائد جديد، وتكسره مرة أخرى، لا تستحق أن نتوقف أمامها طويلا، وهكذا كلما زادت الحياة قبحًا ورتابة، علينا أن نعالجها بالكتابة والفن. مصطفى الشيمي صدر له رواية «حي» عن دار العين، والمجموعات القصصية «بنت حلوة وعود» عن دار الربيع العربي، «مصيدة الفراشات» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وفاز بعدد من الجوائز الأدبية من بينها جائزة أخبار الأدب عن رواية باب الغريب، دورة ٢٠١٦، جائزة دبي الثقافية عن مجموعة بنت حلوة وعود، دورة ٢٠١٥، جائزة المجلس الأعلى للثقافة عن مجموعة ليلى والفراشات، دورة ٢٠١٥.

جاءتك فكرة الرواية كحلم في البداية، هل يمكن من ثم أن نعتبر تلك الرواية رؤية أو نص مقدس؟
لا أستطيع أن أشهد لنفسي، ولا يفعل هذا سوى المدعين والأبالسة. لستُ نبيًا أو إلهًا للسرد، ولا أظن أنني من طينة أخرى. أنا مجرد كاتب.. أجتهد كثيرًا، وأمزق النصوص التي لا ترضيني، وقد أعمل على كتابة تطول لسنوات. أعتقد أن الكتابة هي ابنة العتمة وما يدور في الكوالييس، وأننا جميعًا فقراء على أبوابها. من أجل ذلك أؤمن بمقولة فاليري بأن الآلهة قد تجود علينا بمطلع قصائدنا لكن علينا نحن أن نكملها من بعد ذلك.
لا أنكر أن سورة الأفعى تتماس مع النصوص المقدسة في بعض فنياتها، وأنها انفجرت في رأسي مثل وحيّ، لكنني أعتقد أن سر قدسيتها الأعظم هو طموحها وسعيها نحو الخلود، قد يخيب هذا السعي وقد تصل إلى ما تريده، الزمن هو رهانها.

ثمة مفهوم شائع في التصنيف الأدبي، بين رواية واقعية ورواية غرائبية، لكنني، حين قرات روايتك، لم أبالي بتلك التصنيفات، هل تعتقد أن هناك تصنيفات كهذه في الأدب، أي هل يمكن أن نطلق على روايتك رواية غرائبية، دون أن يكون لها علاقة بالواقع؟
يعرفُ النقاد جيدًا أن الأعمال الأدبية العظيمة تسبق النقد بخطوة، من بعدها يأتي دور الناقد لقراءتها من داخلها، والإمساك بألعابها وحيلها الجديدة وبأدوات جديدة كذلك. إذا كانت سورة الأفعى عصية على التصنيف، فهذا يعني أنها ابنة نفسها، لا ظل كتابة أخرى تسبقها، وتمتلك ظلها الخاص.
كان لسورة الأفعى حظًا كبيرًا من الاحتفاء النقدي، على سبيل الذكر فإن نقاد مثل صلاح السروي ومدحت صفوت قد وصفاها بالطيفية أو الشبحية، وهو مصطلح غير متداول بكثرة في النقد العربي، والناقد عمر شهريار وصف بنيتها بأنها مثل متاهة جحا، والناقد سيد ضيف الله تناول البعد الفلسفي فيها وأسئلة العلة والكيفية: لماذا خلق الله العالم؟ وكيف نعيش في هذا العالم؟ أما الناقد شوكت المصري فقد تناول لعبة الكولاج فيها والناقد محمد سليم شوشة أشاد بامتلاكها لطاقة سرد عظيمة. وبشكل عام فإن شعراء مثل أسامة جاد ومحمد حربي وأسامة حداد رأوا أن سورة الأفعى رواية حداثية بإمتياز، وتحدثوا كثيرًا عن انتصارها لشعرية النوع الأدبي وإذابة الحدود بين الاجناس ضد فكرة نقاء النوع.
هذه القراءات جاءت لتؤكد أن سورة الأفعى خلقت غرائبيتها وأطيافها من الواقع المفكك ، وإنها أعادت خلق العالم بشكل فني، وأن ظل الواقع يتجلى فيها بصور أخرى.

هل يمكن أن نقول عن سورة الأفعى أنها ابنة الهزائم التي يعيشها جيلنا؟
نعم. أعتقد ذلك. يمكننا أن نرى الهزيمة في كل أبطال النص: الشيخ والأحدب والغريب والبابلي، الذين يخوضون حروبًا تحكمها الشهوات والغرائز دون أن ينتصر أحد منهم فيها، تبدو فكرة الحرب غريبة وغير مفهومة، دون الرجوع إلى التاريخ الساكن في خلفية النص. ابتداء من محاولة الأسكندر تشييد مدينة فاضلة وخلق عالم أجمل عن طريق الدم. لم تكن الهزيمة من نصيب جيلنا فقط، فالرواية ترصد في الهامش الحروب والثورات والهزائم التي دمرت الشرق الأوسط: الأسكندرية والحرب العالمية الثانية، مذابح الأرمن، ثورة يوليو، هزيمة العراق، وثورة 25 يناير. أعتقد أن سورة الأفعى تجسد هزيمة الإنسان في كل زمن، منذ أن حلم بعالم أجمل أو مدينة فاضلة تتسع لنا، وهو حلم مرهون بالخسارة دومًا.

روايتك رٌشحت لجائزة ساويرس، بل إن بعض النقاد رشحوها للبوكر، في اعتقادك، ما الذي تضيفه الجوائز للكاتب؟
فزت بثلاثة عشر جائزة، في كل مرة أفوز فيها أقول لنفسي: إنها ضربة حظ. أعرف أن الجوائز يانصيب؛ كتابة جيدة مع الكثير من الحظ. لكنني أدين بالفضل لكل الأساتذة النقاد والأدباء،‏ الذي كانوا سببا في فوزي بجائزة ما، دون أن أعرفهم، ودون أن يعرفوني، فقط انتصروا للكتابة الجيدة. إلى هؤلاء الأفاضل العظماء أنتمي. إذا كانت الجوائز تهب الدافع المادي والمعنوي عند الفوز بها فأنا أمتن كثيرًا للجوائز التي خسرتها أيضًا، إذ تدفعني للغضب وكتابة نص أفضل، وما دمت أكتب نصًا أفضل؛ فأنا الخاسر الفائز.
لا أعتقد أنني سأتوقف عند الجائزة رقم 13، فهو رقم شؤم. سأصل قريبًا إلى الجائزة رقم 14، خاصة أن هذا هو رقمي المفضل.

يقول أمبرتو أيكو أن الرواية يمكنها ان تقول ما لا تقوله الأعمال الفلسفية والنقدية، إلى أى مدى توافق على هذا الرأى؟
قيمة الفنون عمومًا أنها تقوم على الإيحاء، لا يمكنك معرفة ماذا لمست في روح القارئ تحديدًا، إنها تفعل ذلك بطريقة خفية. لا أقلل من قيمة الأعمال الفلسفية والنقدية، غير أنني أنتصر لسحر الفن.

لماذا يجب أن نؤمن بقوة الأدب؟
لأن الحياة قبيحة، وقبحها كامن في رتابتها.

في حياة كل قارئ نصوص أحدثت له نقلة في وعيه بنفسه والعالم، ما النصوص التي أثرت بك هذا التاثير؟
أعتقد أن هذه النقلة يحدث تأثيرها بشكل تراكمي، لكنني أذكر أن رواية أمريكانلي لصنع الله إبراهيم سببت لي صدمة عند قراءتها في صغري، وإن لم أكن مولعًا كثيرًا بكتابات صنع الله، لكن هذه الرواية كانت تنتقد الراسخ في الموروث الديني بقوة. كذلك فعل كتاب الفتنة الكبرى لطه حسين، هدم فعل التقديس عندي، نصوص كهذه جعلتني أدرك أن الشك فضيلة.

"حرب هي حياة الإنسان على الأرض" هذا هو مفتتح الرواية، ويبدو أن الحرب استؤنفت في الرواية، هل ترى أن روايتك تكتب تاريخ الإنسانية بشكل آخر؟
نعم. أعتقد أنها تكتب التاريخ الإنسان المدفون، التاريخ الذي لا نريد أن نراه. ننكره لأننا نحب الكذب على أنفسنا ونخشى الحقيقة. تاريخ الإنسان هو تاريخ الدم، وربما لا نستحق الوصول إلى عالم أفضل، فهذا العالم يشبهنا، وهو من خلق أيدينا، ونحن – وإن أنكرنا ذلك- نبيع النبي مقابل ثلاثين قطعة فضة أو أقل، لا فرق بيننا وبين يهوذا

الأحد، 23 سبتمبر 2018

مصطفى الشيمي: غاية النص الأدبي صناعة الدهشة - جريدة الأهرام




مصطفى الشيمي: غاية النص الأدبي صناعة الدهشة - جريدة الأهرام

حوار ــ رانيا رفاعى




بأكثر من عين يمكن للقارئ النظر لأعمال الروائى الشاب مصطفى الشيمي: فهناك من يراه خارجًا عن السياق، وهناك من يراه فاتحًا ومؤسسًا لمدرسة جديدة متمردة فى الحكي، لكنه فى النهاية صاحب تجربة متميزة رغم الجدل المثار حولها. فالشيمى هو صاحب رواية «سورة الأفعى» التى قال إنه كتبها وكأن به مس من الشيطان، ثم جاءت المفاجأة بفوزها بجائزة ساويرس الثقافية. فحاورناه لنتعرف منه عن قرب على ملابسات كتابة روايته «سورة الأفعى»، ومفاهيم تناوله للثوابت التى لم تبدُ «ثوابت» فى أعماله.

أنت روائى صادم: فى أفكارك، وأساليبك، ومفرداتك اللغوية، وحتى فى تعريفاتك للأمور البسيطة التى بدت لنا منذ الأبد منطقية. لماذا؟

أعتقد أن غاية النص الأدبى هو صنع الدهشة، الصدمة، غاية النص الأدبى هو أن يكون -بتعبير كافكا- فأسًا يحطم بحر الجليد فينا. عندما أشرع فى كتابة عمل أدبى أبدأ من المنظور أو الزاوية التى ألتقط منها الحدث أو أنظر منها إلى العالم، لا أحاول محاكاة الحياة بقواعدها ورتابتها، بل أعيد الصياغة والخلق.إمتاع القارئ هى غاية النص الأدبي، وهذه الغاية البسيطة تتم من خلال نص أدبى معقد، رموز صغيرة متشابكة تصنع منظومة ثقافية، وعلى القارئ لكى يحسن تلقيها أن يهدمها ويعيد بناءها من جديد وفق ما يملك من وعى وثقافة، فيكون الناتج من القراءة غير ما يقصده الكاتب، نصًا غير محدد، واسع الدلالات، قادرا على الصمود أمام الزمن.

قلت فى أحد حواراتك الصحفية أنك دونت روايتك «سورة الأفعى» وكأن بك مسًا من الشياطين، احك لنا المزيد عن هذه التجربة فى الكتابة، ولماذا وصفتها بهذا الوصف؟

وصفت «سورة الأفعى» بأنها نص مقدس، لأنها تحمل من روح الملاحم والأساطير، فمفتتح الرواية هو صوت الرب فى التوراة «حرب هى حياة الإنسان على الأرض» أما البذرة التى تشكل منها العالم فكانت مقولة «إن آلام سكرة الموت تضاهى انتزاع ضرس تالف» التى ترددت فى رأسى بعد حلم، وبدت العبارة مثل بذرة تحتضن داخلها كونًا كاملًا، تنفجر فأرى وجوه الأبطال وأسمع أصواتهم فى آن واحد، يستغيثون بى أو يصرخون فيّ «أكتبنا». «فالكتابة تهبهم الحياة أو تعلن فقط عن وجودهم، والفنان يمثل الإنسان الجمعي، ونحن نحكى عن بشر عاشوا على الأرض، أو عن بشر كانوا سيعيشون عليها لولا أن منعتهم المشيئة.

لماذا اخترت فى عنوانها اسم «سورة» والسور دائما قرآنية؟ وهل بحثت عن أحد المعانى المترادفة لكلمة سورة قبل أن يقع الاختيار عليه؟

لفظة سورة ارتبطت بالقرآن بعد نزول الوحي، وقبل ذلك كانت لفظة مستخدمة فى لغة العرب، أى أن القرآن لم يستحدثها من عدم، بل أصبح للفظة معناها الاصطلاحى والفقهى بعيدًا عن معناها اللغوي. وأردت باختيار هذا العنوان التعبير عن منزلة الإنسان المقدسة والمدنسة، فهو يحمل النقيضين، ويمهد للصراع والحرب الموجودة فى النص من خلال هذا التضاد، فعالم الرواية أقرب ما يكون إلى رقعة شطرنج، وكنت أعرف أن اختيار مثل هذا العنوان شائك، لكن ما فائدة الأدب إذا لم يحرر اللغة من النصوص القديمة، ومن القيود المفروضة عليها؟

الرواية مكتوبة بلغة هى أقرب للشِعر وكثيرون رأوا فيها قصيدة نثر طويلة أو مجموعة من القصص القصيرة المتراصة بجانب بعضها بما يشكل رواية، كيف خطر إلى ذهنك هذا البناء الروائى العجيب؟

سورة الأفعى كسرت الحدود بين الأجناس الأدبية، وهى سمة الكتابات الحداثية، إذ أخذتْ من لغة الشعر لإيجاد لغة جديدة تجعل النص ذا دلالات متعددة، وأخذت من القصة ما جعل بنيتها أقرب ما تكون إلى متاهة أو شظايا مبعثرة، والمسرح موجود أيضًا من خلال أربع محاورات بدت مثل نقلات الشطرنج، كل رد محاولة لقتل الآخر، وفى محاولة القتل هذه تتكشف أسرار هذا العالم.قد يظن البعض أن هذه البنية نتاج تفكير طويل أو صنعة، لكننى لم أفهم بنية العمل إلا بعد الكتابة، لقد اختار النص البنية التى يعبر بها عن العالم، وجاء الإدراك متأخرًا بعد قراءة ما كتبت، هنا أتوقف لمحاولة الفهم، وأبحث - مثل القارئ- عن معنى، فأجدنى راضيًا تماما عن هذه البنية، وأكتشف بها أشياء فى نفسي، مثل روح يهوذا الحاضرة فى النص، وأقابل أكثر من مسيح مصلوب بين الأبطال، وأعرف أن تجاربى مع الشعر أفادتنى فى كتابة نص روائي، يحمل روحى ويضع قدمى على الطريق، فأترك أثار خطوتي، ولا أتبع أقدام من سبقوني.

هل تعتزم خوض تجربة إصدار طبعة ثانية من الرواية ؟ وإذا أتيحت لك الفرصة عن أى شيء فى روايتك الأولى ستتراجع أو ربما تضيف؟

الطبعة الجديدة من سورة الأفعى ستصدر خلال أيام، بلوحة جديدة للفنان د. جمال الخشن. وبالطبع بعد كتابة العمل يصبح النص ملكًا للقارئ، فلا يحق لى تعديل أى شيءٍ، إلا الأخطاء الطباعية، وإذا كان يمكننى تعديل غير ذلك -على سبيل التخيل- فأنا لا أجد فى النص شيئًا أريد تغييره. تزعجنى رواية سورة الأفعى، رغم أنها كانت محظوظة بأن تنال قراءة واسعة من قبل النقاد والقراء، وكذلك وصولها إلى القائمة القصيرة وفوزها بجائزة ساويرس، وهى تزعجنى لأننى راض عنها بشكل كبير، ولا أحب هذا الشعور بالرضا، فهو شعور مفزع، لذا أرغب فى تجاوزه بكتابة نص أفضل.؟

لمن تقرأ الآن؟

أقرأ الآن ملحمة الإلياذة. وأحبّ كتابة الكثيرين مثل باتريك زوسكيند، ماركيز، محفوظ، درويش، وأحب قراءة الملاحم والسير الشعبية والشعر بصفة عامة.

ما العمل القادم؟

أكتب مجموعة قصصية سريالية، تدور حول الإنسان باعتباره ترسًا فى آلة عملاقة، كما أكتب روايتى التى حصلت بها على منحة التفرغ من وزارة الثقافة، والتى يدور عالمها بين منطقة من التاريخ والغرائبية، وأتمنى أن أنجح فى كتابتها بشكل جيد.