هناك من تمشي خطاه على خطاي

الاثنين، 24 سبتمبر 2018

مصطفى الشيمي: الكتابة ثورة على السائد - جريدة القاهرة

مصطفى الشيمي: الكتابة ثورة على السائد

(حوار في جريدة القاهرة بتاريخ 24-9-2018، مع الصحفي أحمد ليثي)

يعتبر الروائي مصطفى الشيمي أن الكتابة صورة من صور الهرطقة، أي كتابة إذا لم تحاول كسر المنظور السائد، ووتحاول خلق سائد جديد، وتكسره مرة أخرى، لا تستحق أن نتوقف أمامها طويلا، وهكذا كلما زادت الحياة قبحًا ورتابة، علينا أن نعالجها بالكتابة والفن. مصطفى الشيمي صدر له رواية «حي» عن دار العين، والمجموعات القصصية «بنت حلوة وعود» عن دار الربيع العربي، «مصيدة الفراشات» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وفاز بعدد من الجوائز الأدبية من بينها جائزة أخبار الأدب عن رواية باب الغريب، دورة ٢٠١٦، جائزة دبي الثقافية عن مجموعة بنت حلوة وعود، دورة ٢٠١٥، جائزة المجلس الأعلى للثقافة عن مجموعة ليلى والفراشات، دورة ٢٠١٥.

جاءتك فكرة الرواية كحلم في البداية، هل يمكن من ثم أن نعتبر تلك الرواية رؤية أو نص مقدس؟
لا أستطيع أن أشهد لنفسي، ولا يفعل هذا سوى المدعين والأبالسة. لستُ نبيًا أو إلهًا للسرد، ولا أظن أنني من طينة أخرى. أنا مجرد كاتب.. أجتهد كثيرًا، وأمزق النصوص التي لا ترضيني، وقد أعمل على كتابة تطول لسنوات. أعتقد أن الكتابة هي ابنة العتمة وما يدور في الكوالييس، وأننا جميعًا فقراء على أبوابها. من أجل ذلك أؤمن بمقولة فاليري بأن الآلهة قد تجود علينا بمطلع قصائدنا لكن علينا نحن أن نكملها من بعد ذلك.
لا أنكر أن سورة الأفعى تتماس مع النصوص المقدسة في بعض فنياتها، وأنها انفجرت في رأسي مثل وحيّ، لكنني أعتقد أن سر قدسيتها الأعظم هو طموحها وسعيها نحو الخلود، قد يخيب هذا السعي وقد تصل إلى ما تريده، الزمن هو رهانها.

ثمة مفهوم شائع في التصنيف الأدبي، بين رواية واقعية ورواية غرائبية، لكنني، حين قرات روايتك، لم أبالي بتلك التصنيفات، هل تعتقد أن هناك تصنيفات كهذه في الأدب، أي هل يمكن أن نطلق على روايتك رواية غرائبية، دون أن يكون لها علاقة بالواقع؟
يعرفُ النقاد جيدًا أن الأعمال الأدبية العظيمة تسبق النقد بخطوة، من بعدها يأتي دور الناقد لقراءتها من داخلها، والإمساك بألعابها وحيلها الجديدة وبأدوات جديدة كذلك. إذا كانت سورة الأفعى عصية على التصنيف، فهذا يعني أنها ابنة نفسها، لا ظل كتابة أخرى تسبقها، وتمتلك ظلها الخاص.
كان لسورة الأفعى حظًا كبيرًا من الاحتفاء النقدي، على سبيل الذكر فإن نقاد مثل صلاح السروي ومدحت صفوت قد وصفاها بالطيفية أو الشبحية، وهو مصطلح غير متداول بكثرة في النقد العربي، والناقد عمر شهريار وصف بنيتها بأنها مثل متاهة جحا، والناقد سيد ضيف الله تناول البعد الفلسفي فيها وأسئلة العلة والكيفية: لماذا خلق الله العالم؟ وكيف نعيش في هذا العالم؟ أما الناقد شوكت المصري فقد تناول لعبة الكولاج فيها والناقد محمد سليم شوشة أشاد بامتلاكها لطاقة سرد عظيمة. وبشكل عام فإن شعراء مثل أسامة جاد ومحمد حربي وأسامة حداد رأوا أن سورة الأفعى رواية حداثية بإمتياز، وتحدثوا كثيرًا عن انتصارها لشعرية النوع الأدبي وإذابة الحدود بين الاجناس ضد فكرة نقاء النوع.
هذه القراءات جاءت لتؤكد أن سورة الأفعى خلقت غرائبيتها وأطيافها من الواقع المفكك ، وإنها أعادت خلق العالم بشكل فني، وأن ظل الواقع يتجلى فيها بصور أخرى.

هل يمكن أن نقول عن سورة الأفعى أنها ابنة الهزائم التي يعيشها جيلنا؟
نعم. أعتقد ذلك. يمكننا أن نرى الهزيمة في كل أبطال النص: الشيخ والأحدب والغريب والبابلي، الذين يخوضون حروبًا تحكمها الشهوات والغرائز دون أن ينتصر أحد منهم فيها، تبدو فكرة الحرب غريبة وغير مفهومة، دون الرجوع إلى التاريخ الساكن في خلفية النص. ابتداء من محاولة الأسكندر تشييد مدينة فاضلة وخلق عالم أجمل عن طريق الدم. لم تكن الهزيمة من نصيب جيلنا فقط، فالرواية ترصد في الهامش الحروب والثورات والهزائم التي دمرت الشرق الأوسط: الأسكندرية والحرب العالمية الثانية، مذابح الأرمن، ثورة يوليو، هزيمة العراق، وثورة 25 يناير. أعتقد أن سورة الأفعى تجسد هزيمة الإنسان في كل زمن، منذ أن حلم بعالم أجمل أو مدينة فاضلة تتسع لنا، وهو حلم مرهون بالخسارة دومًا.

روايتك رٌشحت لجائزة ساويرس، بل إن بعض النقاد رشحوها للبوكر، في اعتقادك، ما الذي تضيفه الجوائز للكاتب؟
فزت بثلاثة عشر جائزة، في كل مرة أفوز فيها أقول لنفسي: إنها ضربة حظ. أعرف أن الجوائز يانصيب؛ كتابة جيدة مع الكثير من الحظ. لكنني أدين بالفضل لكل الأساتذة النقاد والأدباء،‏ الذي كانوا سببا في فوزي بجائزة ما، دون أن أعرفهم، ودون أن يعرفوني، فقط انتصروا للكتابة الجيدة. إلى هؤلاء الأفاضل العظماء أنتمي. إذا كانت الجوائز تهب الدافع المادي والمعنوي عند الفوز بها فأنا أمتن كثيرًا للجوائز التي خسرتها أيضًا، إذ تدفعني للغضب وكتابة نص أفضل، وما دمت أكتب نصًا أفضل؛ فأنا الخاسر الفائز.
لا أعتقد أنني سأتوقف عند الجائزة رقم 13، فهو رقم شؤم. سأصل قريبًا إلى الجائزة رقم 14، خاصة أن هذا هو رقمي المفضل.

يقول أمبرتو أيكو أن الرواية يمكنها ان تقول ما لا تقوله الأعمال الفلسفية والنقدية، إلى أى مدى توافق على هذا الرأى؟
قيمة الفنون عمومًا أنها تقوم على الإيحاء، لا يمكنك معرفة ماذا لمست في روح القارئ تحديدًا، إنها تفعل ذلك بطريقة خفية. لا أقلل من قيمة الأعمال الفلسفية والنقدية، غير أنني أنتصر لسحر الفن.

لماذا يجب أن نؤمن بقوة الأدب؟
لأن الحياة قبيحة، وقبحها كامن في رتابتها.

في حياة كل قارئ نصوص أحدثت له نقلة في وعيه بنفسه والعالم، ما النصوص التي أثرت بك هذا التاثير؟
أعتقد أن هذه النقلة يحدث تأثيرها بشكل تراكمي، لكنني أذكر أن رواية أمريكانلي لصنع الله إبراهيم سببت لي صدمة عند قراءتها في صغري، وإن لم أكن مولعًا كثيرًا بكتابات صنع الله، لكن هذه الرواية كانت تنتقد الراسخ في الموروث الديني بقوة. كذلك فعل كتاب الفتنة الكبرى لطه حسين، هدم فعل التقديس عندي، نصوص كهذه جعلتني أدرك أن الشك فضيلة.

"حرب هي حياة الإنسان على الأرض" هذا هو مفتتح الرواية، ويبدو أن الحرب استؤنفت في الرواية، هل ترى أن روايتك تكتب تاريخ الإنسانية بشكل آخر؟
نعم. أعتقد أنها تكتب التاريخ الإنسان المدفون، التاريخ الذي لا نريد أن نراه. ننكره لأننا نحب الكذب على أنفسنا ونخشى الحقيقة. تاريخ الإنسان هو تاريخ الدم، وربما لا نستحق الوصول إلى عالم أفضل، فهذا العالم يشبهنا، وهو من خلق أيدينا، ونحن – وإن أنكرنا ذلك- نبيع النبي مقابل ثلاثين قطعة فضة أو أقل، لا فرق بيننا وبين يهوذا

الأحد، 23 سبتمبر 2018

مصطفى الشيمي: غاية النص الأدبي صناعة الدهشة - جريدة الأهرام




مصطفى الشيمي: غاية النص الأدبي صناعة الدهشة - جريدة الأهرام

حوار ــ رانيا رفاعى




بأكثر من عين يمكن للقارئ النظر لأعمال الروائى الشاب مصطفى الشيمي: فهناك من يراه خارجًا عن السياق، وهناك من يراه فاتحًا ومؤسسًا لمدرسة جديدة متمردة فى الحكي، لكنه فى النهاية صاحب تجربة متميزة رغم الجدل المثار حولها. فالشيمى هو صاحب رواية «سورة الأفعى» التى قال إنه كتبها وكأن به مس من الشيطان، ثم جاءت المفاجأة بفوزها بجائزة ساويرس الثقافية. فحاورناه لنتعرف منه عن قرب على ملابسات كتابة روايته «سورة الأفعى»، ومفاهيم تناوله للثوابت التى لم تبدُ «ثوابت» فى أعماله.

أنت روائى صادم: فى أفكارك، وأساليبك، ومفرداتك اللغوية، وحتى فى تعريفاتك للأمور البسيطة التى بدت لنا منذ الأبد منطقية. لماذا؟

أعتقد أن غاية النص الأدبى هو صنع الدهشة، الصدمة، غاية النص الأدبى هو أن يكون -بتعبير كافكا- فأسًا يحطم بحر الجليد فينا. عندما أشرع فى كتابة عمل أدبى أبدأ من المنظور أو الزاوية التى ألتقط منها الحدث أو أنظر منها إلى العالم، لا أحاول محاكاة الحياة بقواعدها ورتابتها، بل أعيد الصياغة والخلق.إمتاع القارئ هى غاية النص الأدبي، وهذه الغاية البسيطة تتم من خلال نص أدبى معقد، رموز صغيرة متشابكة تصنع منظومة ثقافية، وعلى القارئ لكى يحسن تلقيها أن يهدمها ويعيد بناءها من جديد وفق ما يملك من وعى وثقافة، فيكون الناتج من القراءة غير ما يقصده الكاتب، نصًا غير محدد، واسع الدلالات، قادرا على الصمود أمام الزمن.

قلت فى أحد حواراتك الصحفية أنك دونت روايتك «سورة الأفعى» وكأن بك مسًا من الشياطين، احك لنا المزيد عن هذه التجربة فى الكتابة، ولماذا وصفتها بهذا الوصف؟

وصفت «سورة الأفعى» بأنها نص مقدس، لأنها تحمل من روح الملاحم والأساطير، فمفتتح الرواية هو صوت الرب فى التوراة «حرب هى حياة الإنسان على الأرض» أما البذرة التى تشكل منها العالم فكانت مقولة «إن آلام سكرة الموت تضاهى انتزاع ضرس تالف» التى ترددت فى رأسى بعد حلم، وبدت العبارة مثل بذرة تحتضن داخلها كونًا كاملًا، تنفجر فأرى وجوه الأبطال وأسمع أصواتهم فى آن واحد، يستغيثون بى أو يصرخون فيّ «أكتبنا». «فالكتابة تهبهم الحياة أو تعلن فقط عن وجودهم، والفنان يمثل الإنسان الجمعي، ونحن نحكى عن بشر عاشوا على الأرض، أو عن بشر كانوا سيعيشون عليها لولا أن منعتهم المشيئة.

لماذا اخترت فى عنوانها اسم «سورة» والسور دائما قرآنية؟ وهل بحثت عن أحد المعانى المترادفة لكلمة سورة قبل أن يقع الاختيار عليه؟

لفظة سورة ارتبطت بالقرآن بعد نزول الوحي، وقبل ذلك كانت لفظة مستخدمة فى لغة العرب، أى أن القرآن لم يستحدثها من عدم، بل أصبح للفظة معناها الاصطلاحى والفقهى بعيدًا عن معناها اللغوي. وأردت باختيار هذا العنوان التعبير عن منزلة الإنسان المقدسة والمدنسة، فهو يحمل النقيضين، ويمهد للصراع والحرب الموجودة فى النص من خلال هذا التضاد، فعالم الرواية أقرب ما يكون إلى رقعة شطرنج، وكنت أعرف أن اختيار مثل هذا العنوان شائك، لكن ما فائدة الأدب إذا لم يحرر اللغة من النصوص القديمة، ومن القيود المفروضة عليها؟

الرواية مكتوبة بلغة هى أقرب للشِعر وكثيرون رأوا فيها قصيدة نثر طويلة أو مجموعة من القصص القصيرة المتراصة بجانب بعضها بما يشكل رواية، كيف خطر إلى ذهنك هذا البناء الروائى العجيب؟

سورة الأفعى كسرت الحدود بين الأجناس الأدبية، وهى سمة الكتابات الحداثية، إذ أخذتْ من لغة الشعر لإيجاد لغة جديدة تجعل النص ذا دلالات متعددة، وأخذت من القصة ما جعل بنيتها أقرب ما تكون إلى متاهة أو شظايا مبعثرة، والمسرح موجود أيضًا من خلال أربع محاورات بدت مثل نقلات الشطرنج، كل رد محاولة لقتل الآخر، وفى محاولة القتل هذه تتكشف أسرار هذا العالم.قد يظن البعض أن هذه البنية نتاج تفكير طويل أو صنعة، لكننى لم أفهم بنية العمل إلا بعد الكتابة، لقد اختار النص البنية التى يعبر بها عن العالم، وجاء الإدراك متأخرًا بعد قراءة ما كتبت، هنا أتوقف لمحاولة الفهم، وأبحث - مثل القارئ- عن معنى، فأجدنى راضيًا تماما عن هذه البنية، وأكتشف بها أشياء فى نفسي، مثل روح يهوذا الحاضرة فى النص، وأقابل أكثر من مسيح مصلوب بين الأبطال، وأعرف أن تجاربى مع الشعر أفادتنى فى كتابة نص روائي، يحمل روحى ويضع قدمى على الطريق، فأترك أثار خطوتي، ولا أتبع أقدام من سبقوني.

هل تعتزم خوض تجربة إصدار طبعة ثانية من الرواية ؟ وإذا أتيحت لك الفرصة عن أى شيء فى روايتك الأولى ستتراجع أو ربما تضيف؟

الطبعة الجديدة من سورة الأفعى ستصدر خلال أيام، بلوحة جديدة للفنان د. جمال الخشن. وبالطبع بعد كتابة العمل يصبح النص ملكًا للقارئ، فلا يحق لى تعديل أى شيءٍ، إلا الأخطاء الطباعية، وإذا كان يمكننى تعديل غير ذلك -على سبيل التخيل- فأنا لا أجد فى النص شيئًا أريد تغييره. تزعجنى رواية سورة الأفعى، رغم أنها كانت محظوظة بأن تنال قراءة واسعة من قبل النقاد والقراء، وكذلك وصولها إلى القائمة القصيرة وفوزها بجائزة ساويرس، وهى تزعجنى لأننى راض عنها بشكل كبير، ولا أحب هذا الشعور بالرضا، فهو شعور مفزع، لذا أرغب فى تجاوزه بكتابة نص أفضل.؟

لمن تقرأ الآن؟

أقرأ الآن ملحمة الإلياذة. وأحبّ كتابة الكثيرين مثل باتريك زوسكيند، ماركيز، محفوظ، درويش، وأحب قراءة الملاحم والسير الشعبية والشعر بصفة عامة.

ما العمل القادم؟

أكتب مجموعة قصصية سريالية، تدور حول الإنسان باعتباره ترسًا فى آلة عملاقة، كما أكتب روايتى التى حصلت بها على منحة التفرغ من وزارة الثقافة، والتى يدور عالمها بين منطقة من التاريخ والغرائبية، وأتمنى أن أنجح فى كتابتها بشكل جيد.

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

لعبة الاستعارة في رب الحكايات


لعبة الاستعارة في رب الحكايات


قراءة مصطفى الشيمي







ابتداء من عتبة النص يجيبُ الكاتب عن سؤال على لسان القارئ، قبل الشروع في فعل القراءة، وهو "سيقول العقلاء من الناس ما جعلك تدون حكايتهم؟"، بلغة تتناص مع النص القرآني، وتسأل عن الغاية والعلة، "لماذا"، "ما الحكمة"، فتكون الإجابة هي: "قل للكاتب ما يريد"، فالكاتب يلجأ إلى مقام الكاتب، منزلة الربوبية، باعتباره خالق الأبطال ومصائرهم؛ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، واللجوء إلى هذا المقام يشي أن الكاتب يدرك تمامًا استناد السرد في رواية "رب الحكايات" (رواية -دار العين) على منطق سردي مغاير؛ يقوم على الصدفة، الحظ، القدر، لتفسير صيرورة الأحداث، وهو منطق هزيل في جنس الرواية، وانطلاقًا من مقولة "باختين": "كل رواية هي نوع أدبي في ذاتها، وجوهرها يكمن في فرديتها وخصوصيتها"، فإن عمرو عاشور يخوض هذه المغامرة، بكتابة أربع قصص، فينسب العمل إلى جنس الرواية من خلال روابط سنشير إليها؛ غير أن الجزء الثاني من مقولةباختين هي إشكالية هذه القراءة، خصوصية الرواية وفرديتها. 

في كتاب "فن الشعر" يشير أرسطو إلى مفهوم شمولي هو مفهوم المحاكاة، باعتباره تقليد أو تمثيل الفعل، والفعل هو أشياء كما كانت، أو كما نظن أنها تكون، أو كما يجب أن تكون؛ وبالتالي فإن هذه المحاكاة تخرج معنى مناقضًا للواقع في رأي بول ريكور؛ الذي يشير أيضًا إلى أن السرد بمعناه الواسع يدخل مع الملحمة والدراما في هذا المفهوم باعتباره موضوع فعالية المحاكاة، وفي "رب الحكايات" فإننا لا نجد الرواية تستهدف محاكاة الفعل بكل صوره في الواقع (الممكنة/ غير الممكنة)، قدر ما تستهدف محاكاة الفعل المتخيل في عوالم ألف ليلة وليلة، وتستعير في هذه المحاكاة بنية ألف ليلة وليلة ومنطقها السردي وعالمها الغرائبي بأساطيرها، ولغتها (في كثير من الأحيان)، وفضاءها المكاني والزماني، فلا نقف أمام تناص، بل نقف أمام استعارة كاملة لعمل فني من أمهات الكتب، وسنجد ذلك ابتداء من القصة الأولى "الجنة والدنيا"؛ التي تقوم بنيتها على بنية العلبة الصينية أو الدمية الروسية "ماتريوشكا"، كما أسماها يوسا"، وهي العلبة التي تتضمن أشكالا مماثلة لها، وأصغر حجمًا، في متوالية تمتد إلى ما هو متناه في الصغر، وبلغة أخرى فهي القصة الرئيسية التي يتولد منها قصص فرعية عديدة، وهي البنية التي وصف بها ألف ليلة وليلة، وتبدأ قصة الجنة والدنيا بالسقا الذي تنتظره امرأته، وقد اشتهى ما هو أبعد من طعامها الشهي، اللذة الخالصة للجنس، لكنها لا تفهم مراده، فتقول "كل ما يسد الجوع طيب" صـ 9، وقبل أن يتشاجر مع امرأته يكتشف وجود زهرة الصغيرة مختبئة أسفل الفراش، ويقرر دفنها في الرمل كعادة العرب القديمة لأن "التلصص طبع العاهرات"، ودون مقدمات، أو محاولة للوقوف أمام مثل هذه اللحظة وتأملها، الوقوف أمام الدوافع وتفسيرها، يفرض منطق السرد علينا قيوده مسبقًا بمشيئة الكاتب، ونجد زهرة تسعى للهرب مع أخيها جلال، ويقابلان ربان السفينة الذي يقرر أن يأخذهما معًا، ويتم ذلك عن طريق الصدفة، سيدة المنطق السردي في هذا العالم المتخيل، وتغرق السفينة في ليلة عاصفة، ويجد جلال وزهرة أنفسهما، وحيدين، في جزيرة لا يسكنها أحد؛ وفي الجزيرة نرى الصندوق ينفتح على حكاية جديدة؛ سبعة كهوف، مكتوب على كل كهف لوحة: كهف الطعام، كهف الشراب، كهف النوم، كهف الملابس، كهف العقاقير والأعشاب، كهف الكتب، وكهف بلافتة هنا الشر؛ لا تدلف، في تناص بسيط، وظاهر، مع شجرة الخلد أو شجرة معرفة الخير والشر، ويكتشف البطلان أجسادهما، فورة الشهوة، ويبدوان كآدم وحواء، غير أن رابطة الأخوة تحول بينهما، وتقرر زهرة دخول الكهف، فتكتشف الجني المقيد من خصلات شعره، والذي يضاجعها، وتقرر قتل أخيها في محاولة للحفاظ على ابنها، ابن الجني الذي يكبر ويخبر خاله، بمشيئتها، فيقتلها، وبهذا ينفتح الصندوق على حكاية جديدة وهي حياة جلال بعد زوال لعنة الجني، إذ يعمل خادمًا عند امرأة وابنها الطفل السمين، سيده حيين، الذي يأكل كل شيء، فيأتي الجني ابن زهرة ويتدخل وينقذه مرة أخرى من بطش هذه المرأة الظالمة، وينتقم منها. هكذا تظهر بنية العلبة الصينية، بقوة، من خلال الحكاية التي تفتح الباب لحكاية أخرى، ويبدو المنطق بسيطًا؛ منطق يليق بالخرافات والحواديت، ونجد أيضًا البنية تتكرر مرة أخرى في قصة "حكايات وطقوس"، فالأمير يدخل إلى مدينة معلقة عليها الرؤوس ويسأل عن سرها فيجيب الناس "لنا أميرة تدعى ذات الجمال والحكمة، وكان مهرها عجيبًا وبسيطًا، فكل ما على المتقدم أن يسألها سؤال"، صـ 167، وهكذا إذا أعجزها السؤال تصير الأميرة زوجة للسائل، غير أن السلطان يصدر فرمانًا بقطع رأس الخاسر، وهنا "تأتي المخاطرة، الشق الأصعب في اللعبة"، ويقرر الأمير خوض المغامرة بدوره، ويسألها عن فزورة لا تعرف حلها، وبهذا يتزوجها، وقبل الزواج تسأل عن إجابة الفزورة، وتكون إجابة الفوزرة هي الصندوق الجديد من اللعبة الصينية، حكاية تدور "عمن لبس أمه، وركب أبيه، وأكل من قلب الميت حيًا، وشرب ماء لا في الأرض ولا في السماء"، وتبدأ بحياة الأمير الذي لم يكن أميرًا، بل ابن اسكافي. 

إننا نرى إذًا، أن الاستعارة في رب الحكايات، لم تأخذ فقط العالم الغرائبي، الخرافي: عالم الجان والماردين، والسحرة، والطيران فوق بساط الريح، وطاقية الاخفاء، وعقلة الأصبع، والغيلان، وأمنا الغولة، والقضبان، والجواري، والأميرات، والسلطان، بل إن الاستعارة قد امتدت أيضًا إلى بنية النص، وقد نرى أيضًا عدم الاهتمام بالفضاء الزماني والمكاني، وهي سمة من سمات ألف ليلة ليلة، في مقابل الاحتفاء بالحدوتة؛ فالزمان يلوح من خلال السلطان والأميرات، والعملة المستخدمة: الدنانير، هو زمن ممتد من نص آخر متخيل؛ حيث الأشياء تحدث جزافًا، صدفة، لا قدرًا، "هو يؤمن بالصدفة أكثر، الصدفة التي أوقعته في طريق الجثة" صـ 123، كما في قصة الجسر، والصدفة هي وإن كانت منطق السرد في الحواديات، والخرافات، والحكايات، لكن منطق السرد يختلف في عالم الرواية، وهو الأمر الذي دفع الكاتب في عتبة النص للرد على ذلك: للكاتب ما يريد، وهنا نتطرق إلى التصنيف؛ هل نحن أمام رواية؟ البنية الغرائبية والخرافية لهذا العالم تصنع وحدة معنوية، ربما لا تكون كافية، لكن هناك خيوط واهية أراد الكاتب أن يجعلها تربط بين القصص، بعض الأبطال في القصص يذكرون ما حدث لأبطال القصص الأخرى؛ كأنهم تحولوا إلى أساطير أو مُثل، لأبطال هذا العالم. وفي ظني أن مثل هذا لا يعد كافيًا، كان يمكن تصنيف العمل باعتباره حواديت، حكايات، نصوص، وإن كانت كل رواية تعد نوعًا أدبيًا في ذاتها، لكننا نقابل إشكالية تتمثل في خصوصية العمل الفني وتفرده. 

ما الجديد إذًا؟ إذا كانت بنية العالم وأساطيره مستعارة، فلا يتبقى أمامنا غير المضمون، فالموضوع مشترك أما المضمون فخاص؛ وهنا يسخر المضمون من عالمنا، منّا كأبطال لسارد عليم يحركنا كيفما شاء، نرى هذا من خلال موقع الراوي، باعتباره رب الحكايات، الذي يتدخل، في بعض الأحيان، للتعليق على مجرى القصص؛ فيقول "هكذا يود الراوي!" صـ 45 في قصة الجنة والدنيا، ويقول أيضًا في قصة "الإنسان البدائي"، "لكن عليه أن يحذر من القطط والحيوانات التي يمكن أن تفوقه حجمًا، فليس من العدل أن يأكله فأر قبل أن يصل إلى حلمه الأثير، لست قاسيًا إلى هذه الدرجة"، صـ 111، غير أن الراوي الذي يتحدث عن العدل، وينفي عن نفسه القسوة يقول في قصة الجسر عن البطل قبيل لحظة الإعدام ظلمًا: "يرفع السيف عاليًا.. (هو في حاجة لمعجزة لن أحققها له) ينزل السيف بقوة". صـ 163، ويقول أيضًا في القصة ذاتها "لقد وقعت في يد من لا يعرف النهايات السعيدة"، فلماذا؟ لا إجابة على هذا السؤال، إنها سخرية من الحكمة البعيدة عن أعين البشر، وسخرية من العدل الذي يتأرجح وفقًا لمزاج رب الحكايات. هنا نرى المضمون؛ نرى رؤية العالم، بطريقة ساخرة، من مصائرنا، وأحلامنا، من العدل والحكمة والمنطق، ومن معاني الحياة كلها، عن طريق الاحتفاء بالحكاية؛الحدوتة، في أبسط صورها، دون تعقيدات أو فلسفة، إنها دعوة للإيمان برب الحكايات والهذيان.




الخميس، 15 مارس 2018

رواية السجين - التمرد على السلطة


رواية السجين


التمرد على السلطة


منشورة في مجلة عالم الكتاب - عدد 13

تقول كيمبرلي رينولدز أن ثمة إشكالية تتعلق بأدب الطفل، وهي أن الكتابات الجديدة تتواجد جنبًا إلى جنب مع الكتابات القديمة المتراكمة في أدب الطفل؛ وهي كتابات تم تأليفها عندما كانت الأفكار مختلفة للغاية، ولا تتعلق الاختلافات فقط بالكيفية التي نفهم بها الأطفال، في أعيننا المعاصرة، بل أنها تبدو بعيدة كل البعد عن الانتماء إلى جنس أدب الأطفال، وكثير من هذه الكتب لا يقرأها الآن الأطفال، بل تدرس بشكل أكاديمي في الجامعات، حتى فتح ذلك بابًا للجدل؛ هل لا تزال تعتبر جزء من أدب الأطفال أم لا؟
  إن كلمات أستاذ أدب الطفل لا يمكن حصرها حول أدب الأطفال فقط ، بل تتسع لتشمل كتابات أخرى، من الصعب فهمها في عصرنا هذا، رغم عظمتها، وخير مثال على ذلك ملحمة الكوميديا الآلهية لـ دانتي أليجييرى، التي يتوه القارئ أمامها دون الرجوع إلى الهوامش، ومعرفة ظروف عصرها السياسية.
إن غربة القارئ أمام بعض النصوص القديمة يمكن فهمها من منظور "جاكوبسون" في عملية التوصيل، بأدوات علم الأسلوب، الذي يشمل النص، بعمليات الإنتاج والتلقي؛ فالنص رسالة – بمفهومها التواصلي- إبداعية موجهة إلى قارئ يعيد تكوين هذا النص، وعندما يقع نص قديم في يد قارئ معاصر، فهو ليس القارئ المستهدف الأول. هذه مشكلة أولى، يليها بعد ذلك مشكلات تتعلق بفهم ظروف العصر، وتطور اللغة الأدبية؛ وهي في رأي سقراط؛ لغة تنحو إلى الإغراب وتفادي العبارات الشائعة، وربما كان العمل القديم يمثل ثورة على الشائع، غير أنه يتحول مع الوقت، وعن طريق إجتراره على يد أدباء آخرين، إلى شكل بال.
من هذا المدخل نستطيع أن نقرأ رواية السجين لصالح مرسي. وصالح مرسي روائي، درس الفلسفة وتأثر بها، وظهر هذا واضحًا فيما يكتب. نال الشهرة فيما قدم من أدب الجاسوسية، ولم ينلها فيما كتب من أعمال أخرى أكثر عمقًا. ورواية السجين، تركت أثرًا كبيرًا في وقتها؛ يحكي صالح مرسي أن توفيق الحكيم قد طلب حضوره – بشكل شخصي- لمناقشة الرواية في ندوة شديدة الخصوصية، لا يحضرها إلا ثلاثة: عائشة عبد الرحمن، حسين فوزي، فؤادة دوارة. لم تكن مجرد دعوة، بل شرفًا، وأمرًا واجب التنفيذ. كما أن صلاح جاهين كان معجبًا بشدة برواية السجين، واستطاع أن يتعرف على المكان، الذي تدور فيه رواية السجين، رغم أنه غير مذكور بالاسم في العمل، نظرًا لإجادة صلاح مرسي في رسم البيئة بكل ما تحمل من خصوصية. هذه الرواية التي أثارت إعجاب الكتاب والشعراء الكبار في وقتها، قد يشعر قارئ اليوم أمامها بالغربة – رغم ذلك. فلغة العمل كلاسيكية، تعتمد على الجمل الطويلة، باعتبارها الأقرب إلى روح الرواية، وفقًا لتصور ذلك العصر. ذلك التصور الذي لا يزال ممتدًا إلى عصرنا اليوم، عند بعض الأدباء؛ الميل إلى الاستطراد والتكرار، ومحاولة وصف كل التفاصيل، إنها إرث المدرسة الواقعية بصورة أو أخرى. هذا الاستطراد والتكرار يؤدي إلى بطئ الإيقاع، وقد يؤدي إلى شعور القراء بالملل، خاصة مع تجاهل الحاجة للتشويق، أو خلق الصدمة الناتجة من كسر التوقع. هذه أشياء ضرورية في الرواية المعاصرة، ولدت على يد المناهج النقدية الحداثية، مثل المنهج البنيوي، في النصف الأول من القرن العشرين، ومع تطور علم اللغة، وعلم الأسلوب، فإن الرواية المعاصرة رأت طريقتها جيدًا. لم تعد تميل للاستطراد، والتكرار، ولا تطرح أسئلة مباشرة؛ تضيق مساحة التأويل لدى القارئ، بل على العكس، تقوم على التكثيف، والإيحاء، وادراك المفردة المشبعة بالدلالات والموروثات. لقد أخذت الرواية من الشعر، وقصيدة النثر، والقصة القصيرة، والومضة، في محاولة لإذابة الفروق بين الأنواع وصنع ما يعرف بشعرية النوع الأدبي. هذه هواجس معاصر؛ كسر القوالب، والتجريب، لم ينشغل الأسبقون بها، لأنها ابنة عصرنا، لذا من الظلم المقارنة بين عمل قديم ومعاصر، فهذه مقارنة لا تستوعب تطور الأدب؛ وثورة أخرى، في عالم الأدب، قد تدفعنا للشك فيما نراه اليوم أفضل.
إذا تجاوزنا العقبة الأولى، وهي عقبة قد نقابلها في أي عمل كلاسيكي، وغير مقتصرة على أسلوب صالح مرسي، فإننا نرى عملًا يضعنا في مأزق. فالأسئلة التي يطرحها العمل، أسئلة شائكة بالنسبة للقارئ، أسئلة تتعلق بالله، وبحرية الإنسان، وبمعنى وجودنا. وهي أسئلة مجاب عليها مسبقًا، إجابات لا ترضي الكاتب، لكنها -ربما- تكون مرضية للقارئ؛ مما يخلق حالة من المقاومة، والعوم ضد التيار الناتج من وجود حكم مسبق.
 أما أحداث الرواية تدور في فترة تاريخية هامة من تاريخ مصر، وهي الحرب العالمية الثانية، التي قسمت الأرض في صراعها العالمي، ونشرت الفقر والمجاعة والموت في معظم البلاد؛ وفي مصر تحديدًا، كانت قوات الحلفاء تصادر الأرضي والممتلكات، وتضع يدها على المرافق الهامة. إننا في هذه الحقبة نرى أمرًا لا يعد مفهومًا، في وقتنا الحالي، وهي مناصرة المصريين للنظام النازي؛ فهو نظام مهزوم، والأنظمة المهزومة مدانة بجرائم كبرى، عن حق، بينما الأنظمة المنتصرة رغم جرائهما في الحرب فإنها بريئة، مثل براءة أمريكا وإدعائها أن الضرورة الأخلاقية هي التي دفعتها إلى ضرب اليابان بقنبلتين نوويتين؛ من أجل أنهاء الحرب بأسرع وقت، وبأقل أعداد للضحايا، مع شينطة اليابانيين في ذلك الوقت؛ حتى يصير الكلام مقبولاً. إننا أبناء عصر جديد، نقرأ عن حلم المصريين بانتصار هتلر، باعتباره المخلص، وبهذا الشكل نفهم ما لم نعاصره، معاناة المصريين مع الاحتلال البريطاني. وفي هذه الحقبة نعيش مع طفل، لا نعرف اسمه، فوالده يناديه طوال الوقت بـ "يا سيدنا الأفندي!"، وحبيبته أوظة تناديه بـ "يا أسمك ايه؟"، ومع هذا الطفل نمشي في الشارع، من البيت إلى المحطة، لنعرف نتيجته؛ هل نجح أم لا؟ وبرغم تكرار هذا السؤال، فإننا لا نتهم بالإجابة، بقدر ما نهتم بحالة التشظي، التي يخلقها صالح مرسي، أمام الأماكن. ذكريات وحكايات تولد في كل ناصية، ومن خلالها نخرج عن الزمن الفعلي، الواقعي، وهو ذهاب الطفل إلى المحطة لمعرفة النتيجة، ونعيش زمنًا أكبر.
يلعب صالح مرسي بالزمن، الواقعي والمتخيل، ويدرك أبعادنا النفسية؛ فالزمن يطول ويقصر وفقًا لانفعالتنا، وهو يتأرجح بشكل دائم على قول يوسا. وهنا نرى حاجة الطفل للهروب الدائم، إلى لحظة أخرى، أكثر أمانا ربما، أو ربما هروبًا من أجل الهروب، فيطيل المكوث في ذاكرة، لها أبعادها الكاملة، قبل أن ينقطع هذا الشرود على يد أحد، فيعود ليمشي في الطريق إلى المحطة، ونرى الرواية تعتمد على الصورة البصرية فتنقل لنا البيوت والشوارع، كأننا نشاهد فيلما سينمائيًا. ومن خلال الأماكن التي نراها، قد ننتقل، من جديد، إلى ذكرى، أو حكايات؛ ترتكز على فكرة القهر، والقهر الأبوي تحديدًا. يشعر الطفل بالتوق إلى الحرية على طول الخط، ومن أجل هذا استهل صالح مرسي رواية السجين، إذ يقول "لم يعد يعنيه الآن سوى أن ينال حريته!"(ص5)، وهذا التوق إلى الحرية يدفع الصغير تجاه أمنيات شريرة، لكنها بشرية مع ذلك. إننا نرى أمامنا عقدة أوديب، كما رآه فرويد، فالطفل يعاني من سلطة الأب، ويتمنى له الموت، رغم ما يشعر به تجاهه من حب، "كم يحبه، وكم يكرهه!" (ص5)، وهذه العلاقة المعقدة بين الطفل والأب، تتحول إلى علاقة معقدة بين الطفل والله أيضًا؛ "ترى ما شكل الله؟ لابد أنه يشبه أباه، أو يشبه الملك!"، (ص 16)، وهذا يحيلنا إلى إشارة فرويد في الطوطم والتابو إلى الخلط الذي يحدث في مخيلة الطفل بين صورة الأب والإله. إننا نرى فهمًا عميقًا للنفس البشرية، وخاصة لمرحلة الطفولة، ومحاولة جادة لصياغة أفكار هذه المرحلة وهواجسها، بما يتسق بعقلية الطفل؛ لكننا مع ذلك، نرى مسافة تبعد بين هذا السعي الجاد؛ وربما إذا تم اختيار الطفل ليروي الحكاية لنا، لاستطعنا أن نتوحد أكثر مع أفكاره، دون شعورنا بسلطة الراوي العلوية، كأننا – لسوء الحظ، ورغم محاولة الكاتب للثورة على السلطة- نقع في النهاية فريسة لها.
  لم تكن محاولة البطل هي التحرر من سلطة الأب، فقط، بل كان القهر مصدره جميع الكبار، وهم المحاصرون – بالضرورة- بقهر الاحتلال، وكل مقهور يصير مستبدًا، على كائن أضعف؛ الرجل على المرأة، والكبير على الصغير، وهكذا، كما أشار الكواكبي إلى ذلك في طبائع الاستبداد. فإننا نرى الطفل محاصرًا وسجينًا، وبلا ذنب ظاهر في حقيقة الأمر؛ فالطفل، بشهادة الناظر "أحسن تلميذ في المدرسة"، ولكنه رغم ذلك "عفريت.. شقي جدًا .. لا يطاق". (ص39)، وهكذا نتابع اضطهاد الجميع لهذا الطفل الشاطر، والطاهر، ورجمهم بلا خطية له، رغم خطاياهم الكثيرة، والتي تتجلى، مثلا، في كذب الناظر إذ قال "أنا مش كنت بديك دروس خصوصية ببلاش يا ولد؟"، (ص42)، والطفل يقف حائرًا قبل أن يرد بنعم، خشية أن يصير قليل الأدب، لو قال الحقيقة. إنها حيرة الطفل أمام عالم الكبار، أمام ما يعرف بالنضج.
  الآن، إننا إذا أردنا صياغة عقبتنا الأولى بشكل أوضح، فإن استهلال العمل يساعدنا على ذلك، إذ أننا يمكننا أن نفهم فكرة الكاتب، وما يدور حوله العمل، من الجملة الأولى، ودون بذل جهد كبير في قراءة العمل.
  إننا -برغم العقبة التي واجهناها- نستطيع أن نقول أننا أمام عمل ثري، وملغوم، ولا يتعامل مع الكتابة باعتبارها عملية سهلة، بقدر ما يتعامل معها باعتبارها حقل ثقافي؛ مليء بالرموز المتشابكة، وإن كانت تبدو مباشرة في قراءتنا، لكنها لا تفقد النص الحيوية الضرورية ليظل متجددًا مع قارئ معاصر، ورغم أن الأسئلة الشائكة التي يطرحها العمل، تطرق إليها أدب اليوم، بشكل أعمق، إلا أن متعة البحث في نص – يحتوي على منظومة ثقافية مغايرة لعصرنا- تدفعنا إلى البحث فيما وراء الكتابة، وتدفعنا إلى محاولة تفهم عصر قديم. إنها القيمة العظمى التي يقدمها الفن للإنسان: الذاكرة.


السبت، 23 ديسمبر 2017

مصطفى الشيمي: لا أكتب أدبًا نظيفًا ولا أحب الودعاء الطيبين.

مصطفى الشيمي: لا أكتب أدبًا نظيفًا ولا أحب الودعاء الطيبين.


الروائي مصطفى الشيمي


حوار محمد عمران

مصطفى الشيمي، روائي وقاص مصري، حاصل على العديد من الجوائز الأدبية منها جائزة دبي الثقافية، وجائزة أخبار الأدب، وجائزة كتاب اليوم، وجائزة المجلس الأعلى للثقافة، وجائزة المركزية لقصور الثقافة. د صدر له رواية حي، ورواية سورة الأفعى، ومجموعة بنت حلوة وعود، ومجموعة مصيدة الفراشات.
كان لنا معه هذا الحوارحول سورة الأفعى التي دخلت مؤخرًا القائمة القصيرة لجائزة ساويرس.

-       لماذا اخترت أن تكون لغة سورة الأفعى لغة شعرية؟
عالم سورة الأفعى عالم مرهق، وملغز، فهو يدور حول الإنسان؛ سيد هذه الأرض. واللغة شفرة؛ منظومة من الرموز التي لابد من تحليلها لفهم الخطاب؛ وهنا لابد من تحليلها لفهم الإنسان، النفس البشرية المرهقة، التي تدور حول النقائض. إذا كان موضوع النص هو هذه النفس، العصية عن الفهم، بخيرها وبشرها، فمن غير الممكن أن تأتي الإجابات مباشرة، بل لابد أن تكون مراوغة، مثل دوافعنا، ورمادية، مثل طبيعتنا البشرية، قصيرة ومتوترة، مثل طبيعة صراعاتنا اليومية، ومريبة، مثل سلوك أعدائنا وأصدقائنا. في النص يتصارع الأبطال، على خلفية أغنية طفولية "خمسة عشر رجلا ماتوا من أجل صندوق"، هل يبدو هذا الصندوق سببًا قويًا للحرب؟ قد يطرق هذا السؤال رأس القارئ، ما فائدة الحروب؟ ولماذا لا نعيش في سلام؟ صراع الأبطال هنا على هذه الشاكلة، فهم يتصارعون على أشياء قد تبدو صغيرة لنا، لكنها منطقية وفقًا لدوافعهم. والحرب موجودة ، وستظل موجودة دائمًا. واللغة هنا لا تنفيها، بل تقول كل شيء، ولا تقول شيئًا. إنها تفتح باب الحرب على كل الاحتمالات.

-       البعض يرى أن كل جزء في سورة الأفعى يصلح كقصة قصيرة، فما رأيك؟
كان الشعر حاضرًا في لغة "سورة الأفعى"، وكذلك القصة القصيرة حاضرة في بنية النص؛ يمكننا قراءة هذا وفقًا لشعرية النوع الأدبي، لم تعد الحدود بين الأنواع الأدبية قائمة كما هي، ثمة حال من الذوبان والتداخل بين الفنون. في قراءة الناقد الكبير د. صلاح السروي فإن "هذا نص ينسب نفسه إلى جنس الرواية، رغم أنه يأخذ ما شاء من الأنواع الأخرى؛ من قصيدة النثر، والشعر، والقصة القصيرة"، وفي قراءة الناقد والروائي د. محمد سليم شوشة فإن "سورة الأفعى، ليست رواية بشكلها الكلاسيكي القديم، بل بشكلها الحداثي، أمام كتاب معرفي، يتناص مع عدد كبير من الخطابات والنصوص الأخرى، ويتناص كذلك مع عدد كبير من الفنون الأخرى". وبهذه القراءتان، فنحن لسنا أمام رواية بشكلها التقليدي في ظني.  القصة القصيرة حاضرة هنا، وفقا لبنية النص الروائي، باعتبارها شظايا، متناثرة، قد تشعر القارئ بالضياع والتشتت؛ ذات الضياع الذي يشعر به أبطال سورة الأفعى الممزقون من هول الحروب في المنطقة العربية، ومع الانتهاء من القراءة فإن هذه الشظايا تكون صورة أكبر.

-       سورة الأفعى مليئة بالمشاهد الجنسية والألفاظ المثيرة، لماذا اخترت ذلك؟
أنا لا أخدع القارئ: لا أكتب عن عالم مزيف، لا أكتب أدبًا نظيفًا. لا أحبّ الودعاء الطيبين، ولا أبشر بأرضٍ يصير الذئب فيها صديقًا للخرفان. الجنس صورة من صور القوة، كل سلوكاتنا يمكن تفسيرها وإرجاعها إلى الجنس؛ في رأي فرويد، وفي عالم الرغبات والشهوات والمشاعر المدفونة، كيف يمكن للجنس ألا يكون حاضرًا. في الدعاية يكفي أن تستخدم امرأة جميلة لتقنعك بشراء ما لا تريده، والأمر سيان في عالم السياسة. في سورة الأفعى، فالقوادة هي صفة ذلك العصر؛ الممتد من (الحرب العالمية الثانية إلى ثورة 25 يناير)، وبين السياسي والقواد لا فرق كبير، هكذا تطرح سورة الأفعى رؤيتها لعالمها.

-       العمل الروائي بمثابة رسالة يريد الكاتب توصيلها للقارئ، فما رسالة سورة الأفعى؟
النص هنا خطاب ثقافي؛ مجموع رموز ودلالات، وفقًا لعلم الأسلوب؛ فهذه رسالة موجهة إلى القارئ، والقارئ يتفاعل معها، ويحاول فك رموزها وتحليلها، ومن ثم فهمها، وفقًا لمنظومته الثقافية. ما ناتج هذه القراءة؟ هذه أسئلة لا يستطيع الكاتب تخمينها والإجابة عليها، فالرسالة تتغير من قارئ إلى آخر، وأي محاولة لتحديدها، بكلمات مباشرة، تناقض عملية الإبداع والتلقي؛ فالفن قائم على الإيحاء. إذا اتفقنا على ذلك، فيمكننا أن نقدم إجابة أخرى، أو أسئلة أخرى، ما هو الشر؟ ما هو الخير؟ هل ثمة خير كامل؟ هل ثمة شر كامل؟ هذه أسئلة قديمة، وإجابتها قديمة كذلك وخادعة، تصور لنا العالم بين الأبيض والأسود، الخير واضح، والشر واضح، وهذه كذبة طفولية. لا حدود فاصلة بين الخير والشر، فهما متداخلان؛ وإذا كان ثمة أبيض وأسود بهذا الوضوح، فهما لونا الأرض، باعتبارها رقعة شطرنج.

-       البعض يرى أن سورة الأفعى من أهم الروايات التي صدرت في السنين الأخيرة، بماذا تفسر أهميتها؟ وما الذي يميزها عن أعمالك الأخرى؟
سورة الأفعى تبدو كأنها تحتفي بالشر، تغوص داخل النفس البشرية، تعري الإنسان، تعرض يهوذا هنا باعتباره صورة أخرى للمسيح، مقابل ثلاثين قطعة فضة، نبيع الأنبياء، وقد نبيع الله أيضًا، حتى يصير الواحد رئيس سلطان الهواء. من يريد قراءة رواية كهذه؟ رواية لا تكذب، القراء يحبون الروايات التي تكذب عليهم، وبطريقة ما فإن سورة الأفعى تكسب أهميتها من صدقِها. ما يميز سورة الأفعى عن أعمالي الأخرى، هو ذلك الصدق، أنا لم أكتبها بل أُوحى إلي بها، رأيتها في حلمٍ أو كابوس. وعندما استيقظت من النوم سارعت لكتابتها كما الممسوس من الشياطين، هذا ما لم يحدث معي في عمل آخر.

-       ذكرت في إحدى الحوارات أنك شخصية انعزالية، لا تحب الاحتكاك بالناس كثيرًا، لكن من يقرأ سورة الأفعى سيلاحظ أنك تعرف مصر وأهلها جيدًا؛ من إسكندرية إلى أسوان.. فكيف تفسر ذلك؟
أنا شخصية انعزالية، لا أحضر الكثير من الندوات الثقافية، لا أصنع الكثير من العلاقات، ولا أحبّ المصالح المتبادلة. أخلص للكتابة وحدها، وأنا أخلص لها لأنها تمتعني، وهي تهبني الجوائز أو المجد أو احترام القراء في مقابل إخلاصي لها. البعض يئول العزلة إلى الغرور، والجهد إلى الحظ. أنا لا أستمع إلى هذه الأقاويل. أصم أذنيَ وأمشي. أعرف طريقي جيدًا. العزلة تتيح الوقت للكتابة، للتأمل، للسفر. أثناء كتابة سورة الأفعى زرت كل الأماكن الموجودة في النص، من أبو الريش في أسوان إلى كوم الشقافة في الإسكندرية، كان مثل هذا البحث ضروريًا. الحكمة التي أعرفها تقول: من يكون وحيدًا، يكتب كثيرًا.

-       هل تعتقد أن عملك القادم سيصل إلى منزلة أعلى من سورة الأفعى؟
أنا راض عن سورة الأفعى بشكل كبيرٍ، لكن إذا كانت هي النص الكامل، أو النص الذي يعني اكتمالي، سأستسلم للموت.


الأربعاء، 4 أكتوبر 2017

مصطفى الشيمى: الكتابة عالم جديد يتسع لنا

مصطفى الشيمى: الكتابة عالم جديد يتسع لنا 

21 سبتمبر 2017 حوار- إسلام أنور


جريدة روزاليوسف




مصطفى الشيمى كاتب مصرى حصلت مجموعته القصصية «مصيدة الفراشات» على جائزة المركز الأول فى مسابقة الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة لعام 2016، فى هذه المجموعة يشتبك مصطفى مع الموروث الثقافى والاجتماعى المصرى حيث مزيج من العوالم الأسطورية والغرائبية والحكايات الشعبية وعبرها يطرح العديد من الأسئلة عن الواقع والخيال والحب والموت والحياة واللغة والأدب بشكل عام.. عن مجموعته القصصية ورؤيته للمسافة بين الواقع والخيال فى حياتنا دار مع هذا الحوار.

 ■ هناك حضور قوى للأسطورة والعوالم الغيبية والغرائبية والحكايات الشعبية، إلى أى مدى ترى قدرة هذه العوالم على تحقيق الدهشة والمتعة وإثارة ذهن القارئ فى حاضرنا المعاش؟
 - الأسطورة عالم ثرى، تاريخ مواز لتاريخنا المزيف؛ المكتوب وفقًا لأهواء السلطة، أما الأسطورة فهى تصلنا بشكل مهمش لأنها تحمل الحقيقة، والحقيقة مدفونة دومًا أسفل أكوام من الرموز. على المستوى الشخصى خلقتنى الأساطير، وخلقتها فى عالم الكتابة بما يخدم العمل الفنى، استخدام الرموز والدلالات، كلها أشياء تعصف بذهن القارئ، وتورطه على المشاركة فى الفهم، والخلق، وبناء العمل الأدبى مع الكاتب. 

■ تقول فى قصة حياة واقعية «الفرق بين الخيال والواقع هو خيط الحرية الرفيع» كيف تتعامل مع هذه الثنائية فى كتاباتك وحياتك وهل هناك أى محاذير تضعها أمام تفسك أثناء الكتابة؟ 
- أكون أكثر حرية حين أكتب؛ لا أرى تابوهًا أو شرًا، فى الواقع شرور كثيرة، نحن مقيدون بنظرة الآخرين لنا، بمعايير موروثة عن الصواب والخطأ، ونحن أبناء للتجربة. نحاول أن نفهم العالم بأعيننا، بعيدا عن القوالب القديمة، الواقع قالب بال، والكتابة فعل مراوغ، هدم للقوالب، وخلق لعالم جديد يتسع لنا.

 ■ فى ظل ما نعيشه من أحداث متصارعة وتطور ضخم فى التكنولوجيا بالإضافة لحروب لا تنتهى وصراعات عبثية هل صار الواقع متجاوز للخيال؟ 
- الواقع هو الواقع، لم يتغير، والإنسان هو الإنسان. لابد أن يحلم بعالم أفضل، ربما لم يحقق يوتوبيا، وربما لن يفعل، لكن يظل الخيال هو المنفذ الآمن للهروب بعيدا عن كل هذه الدماء. الأدباء يقدمون للإنسان الحلم الذى يريده، والمضحك أن هذه هى غاية الديكتاتور أيضًا، فالفنون والسينما والرياضة لا يراها سوى كوسائل للقمع وإحكام السيطرة. 

■ فى قصة «غرفة الفئران» هناك بناء أقرب لسيناريو مشهد سينمائى وفى العديد من القصص الأخرى هناك استخدام لأدوات سينمائية مثل المونتاج والمشهدية كيف ترى العلاقة بين الأدب والسينما؟ 
- ثمة خيط يربط الفنون وبعضها البعض، فلا كاتب جيد يكره الموسيقى، بالنسبة لى أنا مولع بالسينما، لا أحب الوصف الممل، أحب اللقطة باعتبارها طلقة، ثلاثة كادرات فقط قد تغنى المشهد، الفيصل هو المنظور.

 ■ فى ذات القصة هناك مسألة لفعل الكتابة ومن يحرك من هل الكاتب هو من يحرك شخصياته أم العكس، وكيف تتعامل مع هذا التساؤل؟
 - هذا هاجس، فى مجموعة بنت حلوة وعود، كان ذلك الهاجس موجودًا أيضًا. ماذا لو أن حياتنا حلم طويل؟ سؤال كهذا مر بخاطر الغزالى فأنشأ فلسفة مهمة فى الفكر الإسلامى. لا أعرف حقيقة، ربما أنا منغمس فى عالم الكتابة، للحد الذى يدفعنى للنسيان؛ أى الحياتين أكثر واقعية؟ 

■ فى قصة «ملاك أسود» هناك استدعاء لعالم المسرح بكل ما يجمعه من فنون متنوعة وعوالم ساحرة إلى أى مدى هذا المزيج بين القصة والمسرح يمنحك مساحة أكبر للتعبير وهل هناك خطط أن تكتب للمسرح؟
 - أنا مولعٌ بالتجربة، كتابة العديد من الأشكال الأدبية مثل المسرح والشعر وقصائد النثر، فادتنى فى امتلاك أدوات للكتابة أو تطويع القوالب أو اللغة، لكننى أضعها عادة فى الدرج. أحترم القارئ، وأحرص على اختيار ما سيعيش بعدى وبعده، أريد للكتابة أن تخلدنى، والمرء ينال ما يستحق.

 ■ بعض قصص المجموعة تبدو كممتالية قصصية متصلة ومنفصلة فى آن واحد لماذا اخترت هذا البناء؟ 
- مصيدة الفراشات؛ مجموعة كتبتها مبكرًا فى مشوارى الأدبى، لم يكن يربط بين قصصها شيئًا سوى طفولة حالمة، اخترت أن أنشرها معًا فى مجموعة واحدة، وحاولت ربطها من خلال خيط واهن، كذكرى بعيدة. 

■ الطفولة وذكرياتها تحتل مساحة كبيرة فى قصصك برأيك إلى أى مدى نحن آسرى طفولتنا؟
- نشيخ فقط حين ننسى طفولتنا. فى مصيدة الفراشات طاردتنى ذكرى لم أستطع التخلص منها لعشرة أعوام، وهى عشق قديم، ظللت أكتب عن فتاة أحببتها، سميتها مرة ذات المعطف الأسود، لكنها ظلت تظهر باسم جديد وشكل آخر. كان عليّ أن أتحرر منها بالكتابة عنها، لأجد حكاية أخرى تليق بى. 

■ السفر والترحال حاضران أيضًا بقوة فى قصص المجموعة ما سر هذا الشغف؟
 - أنا ابن للجنوب. عشت هناك طفولتى؛ حياة هادئة وحقول أعرفها وتعرفنى. تقلبت بى الحياة لأقيم فى القاهرة. قلبى فى سفر دائم، هذا السفر موجود فى روايتى حى وفى سورة الأفعى، مصلوب أنا بين المدائن.

 ■ هناك حضور كبير للمرأة فى أعمالك بصورة تبدو فيها المرأة قوية وفعالة كيف ترى دور المرأة فى حياتك وكتاباتك خاصة أنك تمت بصلة قرابة للأديبة منى الشيمى والتى تعد واحدة من الأسماء البارزة فى عالم الأدب فى السنوات الماضية؟ 
- أنا ابن لامرأة قوية، لها حكاية لم تهزمها، قد أكتبها ذات يوم. وبالطبع أحببت كتابة منى الشيمى، وشهادتى فيها مجروحة بحكم صلة القرابة التى تربطنى بها، لكننى مشغول أكثر بعالمى، وكتابتى، وخلق اسمى.

 ■ فى معظم قصص المجموعة تستخدم لغة شاعرية إلى أى مدى تستدعى العالم الأسطورى والملحمى والحكايات الشعبية هذه اللغة؟ 
- هذه اللغة كانت ابنة لهذا العالم، الفراشات، الأساطير، والأمنيات التى تهرب منا. كان العالم شفيفا، هشًا، ولابد للغة أن تتماس مع أبطالها، مصيدة الفراشات هى مجموعتى الأولى، وإن شاء الحظ لها أن تكون الثالثة من حيث النشر، لذا أعتقد أنها ابنة لزمنها أيضًا مثلما كانت ابنة لعالمها.

 ■ بشكل عام سؤال اللغة واحد من الأسئلة المهمة التى يواجهها كل كاتب كيف تتعامل مع هذا السؤال وهل وعيك باللغة وما هيتها اختلف من مرحلة لأخرى؟
 - أنا مهموم باللغة، ثمة أزمة لا يشعر بها الكثيرون، فاللغة ابنة حاضرها مثلما تحمل تاريخ ميلادها، كيف يمكن أن تقدم لغة حية، معاصرة، وتحمل سماتها الجمالية فى ظل بلاغة قديمة، عجوز، لا تملك أدوات جديدة لقراءة أسلوب الكاتب. هذه أزمة كبيرة، وأعتقد أن هناك من سيتجاوزها ويعلو باللغة إلى أرض جديدة، من يفعل ذلك ستخلده، وإن مات مصلوبًا – كالحلاج - على الشجرة.

الاثنين، 7 أغسطس 2017

موت أرق .. موت كامل

موت أرق .. موت أكثر كمالًا


قراءة مصطفى الشيمي

مجموعة موت أرق، تشي بكاتب قادم؛ يمتلكُ الرؤية في فن القصة القصيرة بشكل مكثف، ودون ترهل في الأحداث، ويكتبُ القصة القصيرة كما أحبها،  كجرعة مركزة. تبحث قصص المجموعة عن فكرة الكمال، وهذا البحث يكشف عن النقص بداخلنا، ولا يقودنا إلا إلى النقص،أي الإنسان. ومن القصة الأولى "نبوءة العدوي" نتقابل مع الموت، في حياة قصيرة لا تتعدى حدود الذكرى، التي لا تنسى، عن العقدة الأولى المربوطة، عقدة الحب. ونتقابل مرة أخرى مع الموت باعتباره كائنًا رقيقًا، والرقة هنا هي رقة الذكرى، الحياة القصيرة، إذ يقف الطفلان أمام جدتهم في لحظاتها الأخيرة، وحتى موتها الذي يجعل الخط يستقيم، ويجعل الصفير يستقيم كذلك. اختيار لفظة يستقيم هنا لم تأتِ عبثًا، كأننا قبل الموت نترنح في حيرة، أو دائرة، والموت يجعلنا نمشي على الخط؛ نستقيم ونعتدل، على أمل أن هذا الخط المستقيم يقودنا إلى أنفسنا. الموت يبدو أكمل من الحياة، الحياة التي لا تهبنا كفًا قويًا، ضخمًا، خشنًا، بل تعطينا كفًا رقيقة، وأصابع غير متسقة، ومصائرنا تحددها كف أيدينا؛ فمن حددها؟ ومن رسمها على هذا الشكل؟ في قصة نصف اكتمال، نرى بطلا مهوسًا بمراقبة أكف الناس، ومحاولة الوصول إلى كف يد مناسبة، ونرى أيضًا السلطة الأبوية/ الأب/ الإله، وهي يملك هذه الكف، لكن بدلا من مساعدتنا يضربنا بها. السلطة الأبوية حاضرة على امتداد العمل، ونقابلها في قصة موت أرق؛ الأب الذي يحاول منع طفليه من الصعود إلى سيارة الأسعاف، لتوديع جدتهم، الأب الذي كان يحاول أن يمنعهم من الذكرى، ونرى في قصة يأتي متأخرًا، حياة بطل كاملة، لا يصل فيها إلى شيء، حتى وفاة والده؛ يعرف ماذا يريد أن يصبح، لحظة التمرد الحقيقة لا تأتي إلا بوفاة الأب، كأنها الأمنية المشتهاة، الأمنية المدفونة في بئر غويط من اللاوعي، من الكبتِ.
 كأن الكاتب يرثي الإنسان قبل أن يموت، يذكره بطريقة أو أخرى، بالتجاعيد الصغيرة التي تتسلق جلده، وبتغيرات جسده: كالسمنة، وهو رثاء لا يبطن الرحمة، بل القسوة الشديدة، أو الحقيقة العارية. في قصة جينز أزرق، نرى البطلة السمينة التي تدخل إلى محل ملابس، وترغب في شراء جينز أزرق؛ قابلها منذ عشرة أعوام، وأعجبها، لكن الفرصة فاتتها وقتها، فلم تفعل، وإن ادعت عكس ذلك. إنها اليوم تشعر بالحسرة، فالحياة تسخر منها، وتجد الجينز الأزرق، وقد صار قديمًا، والأزمة أكبر من هذا، فهو لم يعد يناسب جسدها، هي اليوم سمينة. إنها مسكينة، تحاول السير عكس مسار الزمن، استعادة لحظة جميلة من عمرها، تحقيق أمنية قديمة، وبسيطة، مجرد جينز أزرق!
اختيار اللحظة الجديرة بالحكي، هي أهم ما يميز القصة القصيرة عند أحمد الجمل، لحظة تحمل من الإيحاء ما يكفيها، وبلغة سلسلة، غير مثقلة بالحشو، يعبر عن تلك اللحظة القصيرة؛ هذه هي القصة القصيرة كما يراها الكاتب، القصة المركزة، القائمة على قنص اللحظة المناسبة
، مع نهايات تعلو بها، فلاش، ومضة مفارقة  تصنع حالة من الصدمة تترك أثرها على القارئ.. اختار الكاتب اللغة العامية في الحوار، باعتبارها أقرب إلى روح القراء أو الأبطال؛ ولتحقيق المعايشة. وكان يستخدم الحوار لكسر الإيقاع؛ أي صنع صوت مغاير. صوت يكسر رتم السرد ويدفع الرتابة بعيدًا، وإن لم يدفع بالحدث للأمام؛ فاهتمام الكاتب-كما أسلفنا- كان منصبًا على الإيقاع. وفي ظني أننا سنرى، في المجموعة القادمة، توظيفًا آخرًا للحوار، وتجريبًا أكبر على مستوى اللغة، فهذه هي غواية الكتابة لنا.
 مجموعة موت أرق، تبشر بموهبة جديدة، تمتلك أدواتها، وتحاول اكتشاف طريقها؛ ورغم أنها المجموعة الأولى للكاتب، لكنها  ناضجة، تعطي درسًا قاسيًا لبعض القصاص، الذين ينشرون ما لا يستحق، فكاتب هذه المجموعة يمتلك أهم ما يميز الكاتب، وهو الوعي.