هناك من تمشي خطاه على خطاي

الخميس، 15 مارس 2018

رواية السجين - التمرد على السلطة


رواية السجين


التمرد على السلطة


منشورة في مجلة عالم الكتاب - عدد 13

تقول كيمبرلي رينولدز أن ثمة إشكالية تتعلق بأدب الطفل، وهي أن الكتابات الجديدة تتواجد جنبًا إلى جنب مع الكتابات القديمة المتراكمة في أدب الطفل؛ وهي كتابات تم تأليفها عندما كانت الأفكار مختلفة للغاية، ولا تتعلق الاختلافات فقط بالكيفية التي نفهم بها الأطفال، في أعيننا المعاصرة، بل أنها تبدو بعيدة كل البعد عن الانتماء إلى جنس أدب الأطفال، وكثير من هذه الكتب لا يقرأها الآن الأطفال، بل تدرس بشكل أكاديمي في الجامعات، حتى فتح ذلك بابًا للجدل؛ هل لا تزال تعتبر جزء من أدب الأطفال أم لا؟
  إن كلمات أستاذ أدب الطفل لا يمكن حصرها حول أدب الأطفال فقط ، بل تتسع لتشمل كتابات أخرى، من الصعب فهمها في عصرنا هذا، رغم عظمتها، وخير مثال على ذلك ملحمة الكوميديا الآلهية لـ دانتي أليجييرى، التي يتوه القارئ أمامها دون الرجوع إلى الهوامش، ومعرفة ظروف عصرها السياسية.
إن غربة القارئ أمام بعض النصوص القديمة يمكن فهمها من منظور "جاكوبسون" في عملية التوصيل، بأدوات علم الأسلوب، الذي يشمل النص، بعمليات الإنتاج والتلقي؛ فالنص رسالة – بمفهومها التواصلي- إبداعية موجهة إلى قارئ يعيد تكوين هذا النص، وعندما يقع نص قديم في يد قارئ معاصر، فهو ليس القارئ المستهدف الأول. هذه مشكلة أولى، يليها بعد ذلك مشكلات تتعلق بفهم ظروف العصر، وتطور اللغة الأدبية؛ وهي في رأي سقراط؛ لغة تنحو إلى الإغراب وتفادي العبارات الشائعة، وربما كان العمل القديم يمثل ثورة على الشائع، غير أنه يتحول مع الوقت، وعن طريق إجتراره على يد أدباء آخرين، إلى شكل بال.
من هذا المدخل نستطيع أن نقرأ رواية السجين لصالح مرسي. وصالح مرسي روائي، درس الفلسفة وتأثر بها، وظهر هذا واضحًا فيما يكتب. نال الشهرة فيما قدم من أدب الجاسوسية، ولم ينلها فيما كتب من أعمال أخرى أكثر عمقًا. ورواية السجين، تركت أثرًا كبيرًا في وقتها؛ يحكي صالح مرسي أن توفيق الحكيم قد طلب حضوره – بشكل شخصي- لمناقشة الرواية في ندوة شديدة الخصوصية، لا يحضرها إلا ثلاثة: عائشة عبد الرحمن، حسين فوزي، فؤادة دوارة. لم تكن مجرد دعوة، بل شرفًا، وأمرًا واجب التنفيذ. كما أن صلاح جاهين كان معجبًا بشدة برواية السجين، واستطاع أن يتعرف على المكان، الذي تدور فيه رواية السجين، رغم أنه غير مذكور بالاسم في العمل، نظرًا لإجادة صلاح مرسي في رسم البيئة بكل ما تحمل من خصوصية. هذه الرواية التي أثارت إعجاب الكتاب والشعراء الكبار في وقتها، قد يشعر قارئ اليوم أمامها بالغربة – رغم ذلك. فلغة العمل كلاسيكية، تعتمد على الجمل الطويلة، باعتبارها الأقرب إلى روح الرواية، وفقًا لتصور ذلك العصر. ذلك التصور الذي لا يزال ممتدًا إلى عصرنا اليوم، عند بعض الأدباء؛ الميل إلى الاستطراد والتكرار، ومحاولة وصف كل التفاصيل، إنها إرث المدرسة الواقعية بصورة أو أخرى. هذا الاستطراد والتكرار يؤدي إلى بطئ الإيقاع، وقد يؤدي إلى شعور القراء بالملل، خاصة مع تجاهل الحاجة للتشويق، أو خلق الصدمة الناتجة من كسر التوقع. هذه أشياء ضرورية في الرواية المعاصرة، ولدت على يد المناهج النقدية الحداثية، مثل المنهج البنيوي، في النصف الأول من القرن العشرين، ومع تطور علم اللغة، وعلم الأسلوب، فإن الرواية المعاصرة رأت طريقتها جيدًا. لم تعد تميل للاستطراد، والتكرار، ولا تطرح أسئلة مباشرة؛ تضيق مساحة التأويل لدى القارئ، بل على العكس، تقوم على التكثيف، والإيحاء، وادراك المفردة المشبعة بالدلالات والموروثات. لقد أخذت الرواية من الشعر، وقصيدة النثر، والقصة القصيرة، والومضة، في محاولة لإذابة الفروق بين الأنواع وصنع ما يعرف بشعرية النوع الأدبي. هذه هواجس معاصر؛ كسر القوالب، والتجريب، لم ينشغل الأسبقون بها، لأنها ابنة عصرنا، لذا من الظلم المقارنة بين عمل قديم ومعاصر، فهذه مقارنة لا تستوعب تطور الأدب؛ وثورة أخرى، في عالم الأدب، قد تدفعنا للشك فيما نراه اليوم أفضل.
إذا تجاوزنا العقبة الأولى، وهي عقبة قد نقابلها في أي عمل كلاسيكي، وغير مقتصرة على أسلوب صالح مرسي، فإننا نرى عملًا يضعنا في مأزق. فالأسئلة التي يطرحها العمل، أسئلة شائكة بالنسبة للقارئ، أسئلة تتعلق بالله، وبحرية الإنسان، وبمعنى وجودنا. وهي أسئلة مجاب عليها مسبقًا، إجابات لا ترضي الكاتب، لكنها -ربما- تكون مرضية للقارئ؛ مما يخلق حالة من المقاومة، والعوم ضد التيار الناتج من وجود حكم مسبق.
 أما أحداث الرواية تدور في فترة تاريخية هامة من تاريخ مصر، وهي الحرب العالمية الثانية، التي قسمت الأرض في صراعها العالمي، ونشرت الفقر والمجاعة والموت في معظم البلاد؛ وفي مصر تحديدًا، كانت قوات الحلفاء تصادر الأرضي والممتلكات، وتضع يدها على المرافق الهامة. إننا في هذه الحقبة نرى أمرًا لا يعد مفهومًا، في وقتنا الحالي، وهي مناصرة المصريين للنظام النازي؛ فهو نظام مهزوم، والأنظمة المهزومة مدانة بجرائم كبرى، عن حق، بينما الأنظمة المنتصرة رغم جرائهما في الحرب فإنها بريئة، مثل براءة أمريكا وإدعائها أن الضرورة الأخلاقية هي التي دفعتها إلى ضرب اليابان بقنبلتين نوويتين؛ من أجل أنهاء الحرب بأسرع وقت، وبأقل أعداد للضحايا، مع شينطة اليابانيين في ذلك الوقت؛ حتى يصير الكلام مقبولاً. إننا أبناء عصر جديد، نقرأ عن حلم المصريين بانتصار هتلر، باعتباره المخلص، وبهذا الشكل نفهم ما لم نعاصره، معاناة المصريين مع الاحتلال البريطاني. وفي هذه الحقبة نعيش مع طفل، لا نعرف اسمه، فوالده يناديه طوال الوقت بـ "يا سيدنا الأفندي!"، وحبيبته أوظة تناديه بـ "يا أسمك ايه؟"، ومع هذا الطفل نمشي في الشارع، من البيت إلى المحطة، لنعرف نتيجته؛ هل نجح أم لا؟ وبرغم تكرار هذا السؤال، فإننا لا نتهم بالإجابة، بقدر ما نهتم بحالة التشظي، التي يخلقها صالح مرسي، أمام الأماكن. ذكريات وحكايات تولد في كل ناصية، ومن خلالها نخرج عن الزمن الفعلي، الواقعي، وهو ذهاب الطفل إلى المحطة لمعرفة النتيجة، ونعيش زمنًا أكبر.
يلعب صالح مرسي بالزمن، الواقعي والمتخيل، ويدرك أبعادنا النفسية؛ فالزمن يطول ويقصر وفقًا لانفعالتنا، وهو يتأرجح بشكل دائم على قول يوسا. وهنا نرى حاجة الطفل للهروب الدائم، إلى لحظة أخرى، أكثر أمانا ربما، أو ربما هروبًا من أجل الهروب، فيطيل المكوث في ذاكرة، لها أبعادها الكاملة، قبل أن ينقطع هذا الشرود على يد أحد، فيعود ليمشي في الطريق إلى المحطة، ونرى الرواية تعتمد على الصورة البصرية فتنقل لنا البيوت والشوارع، كأننا نشاهد فيلما سينمائيًا. ومن خلال الأماكن التي نراها، قد ننتقل، من جديد، إلى ذكرى، أو حكايات؛ ترتكز على فكرة القهر، والقهر الأبوي تحديدًا. يشعر الطفل بالتوق إلى الحرية على طول الخط، ومن أجل هذا استهل صالح مرسي رواية السجين، إذ يقول "لم يعد يعنيه الآن سوى أن ينال حريته!"(ص5)، وهذا التوق إلى الحرية يدفع الصغير تجاه أمنيات شريرة، لكنها بشرية مع ذلك. إننا نرى أمامنا عقدة أوديب، كما رآه فرويد، فالطفل يعاني من سلطة الأب، ويتمنى له الموت، رغم ما يشعر به تجاهه من حب، "كم يحبه، وكم يكرهه!" (ص5)، وهذه العلاقة المعقدة بين الطفل والأب، تتحول إلى علاقة معقدة بين الطفل والله أيضًا؛ "ترى ما شكل الله؟ لابد أنه يشبه أباه، أو يشبه الملك!"، (ص 16)، وهذا يحيلنا إلى إشارة فرويد في الطوطم والتابو إلى الخلط الذي يحدث في مخيلة الطفل بين صورة الأب والإله. إننا نرى فهمًا عميقًا للنفس البشرية، وخاصة لمرحلة الطفولة، ومحاولة جادة لصياغة أفكار هذه المرحلة وهواجسها، بما يتسق بعقلية الطفل؛ لكننا مع ذلك، نرى مسافة تبعد بين هذا السعي الجاد؛ وربما إذا تم اختيار الطفل ليروي الحكاية لنا، لاستطعنا أن نتوحد أكثر مع أفكاره، دون شعورنا بسلطة الراوي العلوية، كأننا – لسوء الحظ، ورغم محاولة الكاتب للثورة على السلطة- نقع في النهاية فريسة لها.
  لم تكن محاولة البطل هي التحرر من سلطة الأب، فقط، بل كان القهر مصدره جميع الكبار، وهم المحاصرون – بالضرورة- بقهر الاحتلال، وكل مقهور يصير مستبدًا، على كائن أضعف؛ الرجل على المرأة، والكبير على الصغير، وهكذا، كما أشار الكواكبي إلى ذلك في طبائع الاستبداد. فإننا نرى الطفل محاصرًا وسجينًا، وبلا ذنب ظاهر في حقيقة الأمر؛ فالطفل، بشهادة الناظر "أحسن تلميذ في المدرسة"، ولكنه رغم ذلك "عفريت.. شقي جدًا .. لا يطاق". (ص39)، وهكذا نتابع اضطهاد الجميع لهذا الطفل الشاطر، والطاهر، ورجمهم بلا خطية له، رغم خطاياهم الكثيرة، والتي تتجلى، مثلا، في كذب الناظر إذ قال "أنا مش كنت بديك دروس خصوصية ببلاش يا ولد؟"، (ص42)، والطفل يقف حائرًا قبل أن يرد بنعم، خشية أن يصير قليل الأدب، لو قال الحقيقة. إنها حيرة الطفل أمام عالم الكبار، أمام ما يعرف بالنضج.
  الآن، إننا إذا أردنا صياغة عقبتنا الأولى بشكل أوضح، فإن استهلال العمل يساعدنا على ذلك، إذ أننا يمكننا أن نفهم فكرة الكاتب، وما يدور حوله العمل، من الجملة الأولى، ودون بذل جهد كبير في قراءة العمل.
  إننا -برغم العقبة التي واجهناها- نستطيع أن نقول أننا أمام عمل ثري، وملغوم، ولا يتعامل مع الكتابة باعتبارها عملية سهلة، بقدر ما يتعامل معها باعتبارها حقل ثقافي؛ مليء بالرموز المتشابكة، وإن كانت تبدو مباشرة في قراءتنا، لكنها لا تفقد النص الحيوية الضرورية ليظل متجددًا مع قارئ معاصر، ورغم أن الأسئلة الشائكة التي يطرحها العمل، تطرق إليها أدب اليوم، بشكل أعمق، إلا أن متعة البحث في نص – يحتوي على منظومة ثقافية مغايرة لعصرنا- تدفعنا إلى البحث فيما وراء الكتابة، وتدفعنا إلى محاولة تفهم عصر قديم. إنها القيمة العظمى التي يقدمها الفن للإنسان: الذاكرة.


السبت، 23 ديسمبر 2017

مصطفى الشيمي: لا أكتب أدبًا نظيفًا ولا أحب الودعاء الطيبين.

مصطفى الشيمي: لا أكتب أدبًا نظيفًا ولا أحب الودعاء الطيبين.


الروائي مصطفى الشيمي


حوار محمد عمران

مصطفى الشيمي، روائي وقاص مصري، حاصل على العديد من الجوائز الأدبية منها جائزة دبي الثقافية، وجائزة أخبار الأدب، وجائزة كتاب اليوم، وجائزة المجلس الأعلى للثقافة، وجائزة المركزية لقصور الثقافة. د صدر له رواية حي، ورواية سورة الأفعى، ومجموعة بنت حلوة وعود، ومجموعة مصيدة الفراشات.
كان لنا معه هذا الحوارحول سورة الأفعى التي دخلت مؤخرًا القائمة القصيرة لجائزة ساويرس.

-       لماذا اخترت أن تكون لغة سورة الأفعى لغة شعرية؟
عالم سورة الأفعى عالم مرهق، وملغز، فهو يدور حول الإنسان؛ سيد هذه الأرض. واللغة شفرة؛ منظومة من الرموز التي لابد من تحليلها لفهم الخطاب؛ وهنا لابد من تحليلها لفهم الإنسان، النفس البشرية المرهقة، التي تدور حول النقائض. إذا كان موضوع النص هو هذه النفس، العصية عن الفهم، بخيرها وبشرها، فمن غير الممكن أن تأتي الإجابات مباشرة، بل لابد أن تكون مراوغة، مثل دوافعنا، ورمادية، مثل طبيعتنا البشرية، قصيرة ومتوترة، مثل طبيعة صراعاتنا اليومية، ومريبة، مثل سلوك أعدائنا وأصدقائنا. في النص يتصارع الأبطال، على خلفية أغنية طفولية "خمسة عشر رجلا ماتوا من أجل صندوق"، هل يبدو هذا الصندوق سببًا قويًا للحرب؟ قد يطرق هذا السؤال رأس القارئ، ما فائدة الحروب؟ ولماذا لا نعيش في سلام؟ صراع الأبطال هنا على هذه الشاكلة، فهم يتصارعون على أشياء قد تبدو صغيرة لنا، لكنها منطقية وفقًا لدوافعهم. والحرب موجودة ، وستظل موجودة دائمًا. واللغة هنا لا تنفيها، بل تقول كل شيء، ولا تقول شيئًا. إنها تفتح باب الحرب على كل الاحتمالات.

-       البعض يرى أن كل جزء في سورة الأفعى يصلح كقصة قصيرة، فما رأيك؟
كان الشعر حاضرًا في لغة "سورة الأفعى"، وكذلك القصة القصيرة حاضرة في بنية النص؛ يمكننا قراءة هذا وفقًا لشعرية النوع الأدبي، لم تعد الحدود بين الأنواع الأدبية قائمة كما هي، ثمة حال من الذوبان والتداخل بين الفنون. في قراءة الناقد الكبير د. صلاح السروي فإن "هذا نص ينسب نفسه إلى جنس الرواية، رغم أنه يأخذ ما شاء من الأنواع الأخرى؛ من قصيدة النثر، والشعر، والقصة القصيرة"، وفي قراءة الناقد والروائي د. محمد سليم شوشة فإن "سورة الأفعى، ليست رواية بشكلها الكلاسيكي القديم، بل بشكلها الحداثي، أمام كتاب معرفي، يتناص مع عدد كبير من الخطابات والنصوص الأخرى، ويتناص كذلك مع عدد كبير من الفنون الأخرى". وبهذه القراءتان، فنحن لسنا أمام رواية بشكلها التقليدي في ظني.  القصة القصيرة حاضرة هنا، وفقا لبنية النص الروائي، باعتبارها شظايا، متناثرة، قد تشعر القارئ بالضياع والتشتت؛ ذات الضياع الذي يشعر به أبطال سورة الأفعى الممزقون من هول الحروب في المنطقة العربية، ومع الانتهاء من القراءة فإن هذه الشظايا تكون صورة أكبر.

-       سورة الأفعى مليئة بالمشاهد الجنسية والألفاظ المثيرة، لماذا اخترت ذلك؟
أنا لا أخدع القارئ: لا أكتب عن عالم مزيف، لا أكتب أدبًا نظيفًا. لا أحبّ الودعاء الطيبين، ولا أبشر بأرضٍ يصير الذئب فيها صديقًا للخرفان. الجنس صورة من صور القوة، كل سلوكاتنا يمكن تفسيرها وإرجاعها إلى الجنس؛ في رأي فرويد، وفي عالم الرغبات والشهوات والمشاعر المدفونة، كيف يمكن للجنس ألا يكون حاضرًا. في الدعاية يكفي أن تستخدم امرأة جميلة لتقنعك بشراء ما لا تريده، والأمر سيان في عالم السياسة. في سورة الأفعى، فالقوادة هي صفة ذلك العصر؛ الممتد من (الحرب العالمية الثانية إلى ثورة 25 يناير)، وبين السياسي والقواد لا فرق كبير، هكذا تطرح سورة الأفعى رؤيتها لعالمها.

-       العمل الروائي بمثابة رسالة يريد الكاتب توصيلها للقارئ، فما رسالة سورة الأفعى؟
النص هنا خطاب ثقافي؛ مجموع رموز ودلالات، وفقًا لعلم الأسلوب؛ فهذه رسالة موجهة إلى القارئ، والقارئ يتفاعل معها، ويحاول فك رموزها وتحليلها، ومن ثم فهمها، وفقًا لمنظومته الثقافية. ما ناتج هذه القراءة؟ هذه أسئلة لا يستطيع الكاتب تخمينها والإجابة عليها، فالرسالة تتغير من قارئ إلى آخر، وأي محاولة لتحديدها، بكلمات مباشرة، تناقض عملية الإبداع والتلقي؛ فالفن قائم على الإيحاء. إذا اتفقنا على ذلك، فيمكننا أن نقدم إجابة أخرى، أو أسئلة أخرى، ما هو الشر؟ ما هو الخير؟ هل ثمة خير كامل؟ هل ثمة شر كامل؟ هذه أسئلة قديمة، وإجابتها قديمة كذلك وخادعة، تصور لنا العالم بين الأبيض والأسود، الخير واضح، والشر واضح، وهذه كذبة طفولية. لا حدود فاصلة بين الخير والشر، فهما متداخلان؛ وإذا كان ثمة أبيض وأسود بهذا الوضوح، فهما لونا الأرض، باعتبارها رقعة شطرنج.

-       البعض يرى أن سورة الأفعى من أهم الروايات التي صدرت في السنين الأخيرة، بماذا تفسر أهميتها؟ وما الذي يميزها عن أعمالك الأخرى؟
سورة الأفعى تبدو كأنها تحتفي بالشر، تغوص داخل النفس البشرية، تعري الإنسان، تعرض يهوذا هنا باعتباره صورة أخرى للمسيح، مقابل ثلاثين قطعة فضة، نبيع الأنبياء، وقد نبيع الله أيضًا، حتى يصير الواحد رئيس سلطان الهواء. من يريد قراءة رواية كهذه؟ رواية لا تكذب، القراء يحبون الروايات التي تكذب عليهم، وبطريقة ما فإن سورة الأفعى تكسب أهميتها من صدقِها. ما يميز سورة الأفعى عن أعمالي الأخرى، هو ذلك الصدق، أنا لم أكتبها بل أُوحى إلي بها، رأيتها في حلمٍ أو كابوس. وعندما استيقظت من النوم سارعت لكتابتها كما الممسوس من الشياطين، هذا ما لم يحدث معي في عمل آخر.

-       ذكرت في إحدى الحوارات أنك شخصية انعزالية، لا تحب الاحتكاك بالناس كثيرًا، لكن من يقرأ سورة الأفعى سيلاحظ أنك تعرف مصر وأهلها جيدًا؛ من إسكندرية إلى أسوان.. فكيف تفسر ذلك؟
أنا شخصية انعزالية، لا أحضر الكثير من الندوات الثقافية، لا أصنع الكثير من العلاقات، ولا أحبّ المصالح المتبادلة. أخلص للكتابة وحدها، وأنا أخلص لها لأنها تمتعني، وهي تهبني الجوائز أو المجد أو احترام القراء في مقابل إخلاصي لها. البعض يئول العزلة إلى الغرور، والجهد إلى الحظ. أنا لا أستمع إلى هذه الأقاويل. أصم أذنيَ وأمشي. أعرف طريقي جيدًا. العزلة تتيح الوقت للكتابة، للتأمل، للسفر. أثناء كتابة سورة الأفعى زرت كل الأماكن الموجودة في النص، من أبو الريش في أسوان إلى كوم الشقافة في الإسكندرية، كان مثل هذا البحث ضروريًا. الحكمة التي أعرفها تقول: من يكون وحيدًا، يكتب كثيرًا.

-       هل تعتقد أن عملك القادم سيصل إلى منزلة أعلى من سورة الأفعى؟
أنا راض عن سورة الأفعى بشكل كبيرٍ، لكن إذا كانت هي النص الكامل، أو النص الذي يعني اكتمالي، سأستسلم للموت.


الأربعاء، 4 أكتوبر 2017

مصطفى الشيمى: الكتابة عالم جديد يتسع لنا

مصطفى الشيمى: الكتابة عالم جديد يتسع لنا 

21 سبتمبر 2017 حوار- إسلام أنور


جريدة روزاليوسف




مصطفى الشيمى كاتب مصرى حصلت مجموعته القصصية «مصيدة الفراشات» على جائزة المركز الأول فى مسابقة الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة لعام 2016، فى هذه المجموعة يشتبك مصطفى مع الموروث الثقافى والاجتماعى المصرى حيث مزيج من العوالم الأسطورية والغرائبية والحكايات الشعبية وعبرها يطرح العديد من الأسئلة عن الواقع والخيال والحب والموت والحياة واللغة والأدب بشكل عام.. عن مجموعته القصصية ورؤيته للمسافة بين الواقع والخيال فى حياتنا دار مع هذا الحوار.

 ■ هناك حضور قوى للأسطورة والعوالم الغيبية والغرائبية والحكايات الشعبية، إلى أى مدى ترى قدرة هذه العوالم على تحقيق الدهشة والمتعة وإثارة ذهن القارئ فى حاضرنا المعاش؟
 - الأسطورة عالم ثرى، تاريخ مواز لتاريخنا المزيف؛ المكتوب وفقًا لأهواء السلطة، أما الأسطورة فهى تصلنا بشكل مهمش لأنها تحمل الحقيقة، والحقيقة مدفونة دومًا أسفل أكوام من الرموز. على المستوى الشخصى خلقتنى الأساطير، وخلقتها فى عالم الكتابة بما يخدم العمل الفنى، استخدام الرموز والدلالات، كلها أشياء تعصف بذهن القارئ، وتورطه على المشاركة فى الفهم، والخلق، وبناء العمل الأدبى مع الكاتب. 

■ تقول فى قصة حياة واقعية «الفرق بين الخيال والواقع هو خيط الحرية الرفيع» كيف تتعامل مع هذه الثنائية فى كتاباتك وحياتك وهل هناك أى محاذير تضعها أمام تفسك أثناء الكتابة؟ 
- أكون أكثر حرية حين أكتب؛ لا أرى تابوهًا أو شرًا، فى الواقع شرور كثيرة، نحن مقيدون بنظرة الآخرين لنا، بمعايير موروثة عن الصواب والخطأ، ونحن أبناء للتجربة. نحاول أن نفهم العالم بأعيننا، بعيدا عن القوالب القديمة، الواقع قالب بال، والكتابة فعل مراوغ، هدم للقوالب، وخلق لعالم جديد يتسع لنا.

 ■ فى ظل ما نعيشه من أحداث متصارعة وتطور ضخم فى التكنولوجيا بالإضافة لحروب لا تنتهى وصراعات عبثية هل صار الواقع متجاوز للخيال؟ 
- الواقع هو الواقع، لم يتغير، والإنسان هو الإنسان. لابد أن يحلم بعالم أفضل، ربما لم يحقق يوتوبيا، وربما لن يفعل، لكن يظل الخيال هو المنفذ الآمن للهروب بعيدا عن كل هذه الدماء. الأدباء يقدمون للإنسان الحلم الذى يريده، والمضحك أن هذه هى غاية الديكتاتور أيضًا، فالفنون والسينما والرياضة لا يراها سوى كوسائل للقمع وإحكام السيطرة. 

■ فى قصة «غرفة الفئران» هناك بناء أقرب لسيناريو مشهد سينمائى وفى العديد من القصص الأخرى هناك استخدام لأدوات سينمائية مثل المونتاج والمشهدية كيف ترى العلاقة بين الأدب والسينما؟ 
- ثمة خيط يربط الفنون وبعضها البعض، فلا كاتب جيد يكره الموسيقى، بالنسبة لى أنا مولع بالسينما، لا أحب الوصف الممل، أحب اللقطة باعتبارها طلقة، ثلاثة كادرات فقط قد تغنى المشهد، الفيصل هو المنظور.

 ■ فى ذات القصة هناك مسألة لفعل الكتابة ومن يحرك من هل الكاتب هو من يحرك شخصياته أم العكس، وكيف تتعامل مع هذا التساؤل؟
 - هذا هاجس، فى مجموعة بنت حلوة وعود، كان ذلك الهاجس موجودًا أيضًا. ماذا لو أن حياتنا حلم طويل؟ سؤال كهذا مر بخاطر الغزالى فأنشأ فلسفة مهمة فى الفكر الإسلامى. لا أعرف حقيقة، ربما أنا منغمس فى عالم الكتابة، للحد الذى يدفعنى للنسيان؛ أى الحياتين أكثر واقعية؟ 

■ فى قصة «ملاك أسود» هناك استدعاء لعالم المسرح بكل ما يجمعه من فنون متنوعة وعوالم ساحرة إلى أى مدى هذا المزيج بين القصة والمسرح يمنحك مساحة أكبر للتعبير وهل هناك خطط أن تكتب للمسرح؟
 - أنا مولعٌ بالتجربة، كتابة العديد من الأشكال الأدبية مثل المسرح والشعر وقصائد النثر، فادتنى فى امتلاك أدوات للكتابة أو تطويع القوالب أو اللغة، لكننى أضعها عادة فى الدرج. أحترم القارئ، وأحرص على اختيار ما سيعيش بعدى وبعده، أريد للكتابة أن تخلدنى، والمرء ينال ما يستحق.

 ■ بعض قصص المجموعة تبدو كممتالية قصصية متصلة ومنفصلة فى آن واحد لماذا اخترت هذا البناء؟ 
- مصيدة الفراشات؛ مجموعة كتبتها مبكرًا فى مشوارى الأدبى، لم يكن يربط بين قصصها شيئًا سوى طفولة حالمة، اخترت أن أنشرها معًا فى مجموعة واحدة، وحاولت ربطها من خلال خيط واهن، كذكرى بعيدة. 

■ الطفولة وذكرياتها تحتل مساحة كبيرة فى قصصك برأيك إلى أى مدى نحن آسرى طفولتنا؟
- نشيخ فقط حين ننسى طفولتنا. فى مصيدة الفراشات طاردتنى ذكرى لم أستطع التخلص منها لعشرة أعوام، وهى عشق قديم، ظللت أكتب عن فتاة أحببتها، سميتها مرة ذات المعطف الأسود، لكنها ظلت تظهر باسم جديد وشكل آخر. كان عليّ أن أتحرر منها بالكتابة عنها، لأجد حكاية أخرى تليق بى. 

■ السفر والترحال حاضران أيضًا بقوة فى قصص المجموعة ما سر هذا الشغف؟
 - أنا ابن للجنوب. عشت هناك طفولتى؛ حياة هادئة وحقول أعرفها وتعرفنى. تقلبت بى الحياة لأقيم فى القاهرة. قلبى فى سفر دائم، هذا السفر موجود فى روايتى حى وفى سورة الأفعى، مصلوب أنا بين المدائن.

 ■ هناك حضور كبير للمرأة فى أعمالك بصورة تبدو فيها المرأة قوية وفعالة كيف ترى دور المرأة فى حياتك وكتاباتك خاصة أنك تمت بصلة قرابة للأديبة منى الشيمى والتى تعد واحدة من الأسماء البارزة فى عالم الأدب فى السنوات الماضية؟ 
- أنا ابن لامرأة قوية، لها حكاية لم تهزمها، قد أكتبها ذات يوم. وبالطبع أحببت كتابة منى الشيمى، وشهادتى فيها مجروحة بحكم صلة القرابة التى تربطنى بها، لكننى مشغول أكثر بعالمى، وكتابتى، وخلق اسمى.

 ■ فى معظم قصص المجموعة تستخدم لغة شاعرية إلى أى مدى تستدعى العالم الأسطورى والملحمى والحكايات الشعبية هذه اللغة؟ 
- هذه اللغة كانت ابنة لهذا العالم، الفراشات، الأساطير، والأمنيات التى تهرب منا. كان العالم شفيفا، هشًا، ولابد للغة أن تتماس مع أبطالها، مصيدة الفراشات هى مجموعتى الأولى، وإن شاء الحظ لها أن تكون الثالثة من حيث النشر، لذا أعتقد أنها ابنة لزمنها أيضًا مثلما كانت ابنة لعالمها.

 ■ بشكل عام سؤال اللغة واحد من الأسئلة المهمة التى يواجهها كل كاتب كيف تتعامل مع هذا السؤال وهل وعيك باللغة وما هيتها اختلف من مرحلة لأخرى؟
 - أنا مهموم باللغة، ثمة أزمة لا يشعر بها الكثيرون، فاللغة ابنة حاضرها مثلما تحمل تاريخ ميلادها، كيف يمكن أن تقدم لغة حية، معاصرة، وتحمل سماتها الجمالية فى ظل بلاغة قديمة، عجوز، لا تملك أدوات جديدة لقراءة أسلوب الكاتب. هذه أزمة كبيرة، وأعتقد أن هناك من سيتجاوزها ويعلو باللغة إلى أرض جديدة، من يفعل ذلك ستخلده، وإن مات مصلوبًا – كالحلاج - على الشجرة.

الاثنين، 7 أغسطس 2017

موت أرق .. موت كامل

موت أرق .. موت أكثر كمالًا


قراءة مصطفى الشيمي

مجموعة موت أرق، تشي بكاتب قادم؛ يمتلكُ الرؤية في فن القصة القصيرة بشكل مكثف، ودون ترهل في الأحداث، ويكتبُ القصة القصيرة كما أحبها،  كجرعة مركزة. تبحث قصص المجموعة عن فكرة الكمال، وهذا البحث يكشف عن النقص بداخلنا، ولا يقودنا إلا إلى النقص،أي الإنسان. ومن القصة الأولى "نبوءة العدوي" نتقابل مع الموت، في حياة قصيرة لا تتعدى حدود الذكرى، التي لا تنسى، عن العقدة الأولى المربوطة، عقدة الحب. ونتقابل مرة أخرى مع الموت باعتباره كائنًا رقيقًا، والرقة هنا هي رقة الذكرى، الحياة القصيرة، إذ يقف الطفلان أمام جدتهم في لحظاتها الأخيرة، وحتى موتها الذي يجعل الخط يستقيم، ويجعل الصفير يستقيم كذلك. اختيار لفظة يستقيم هنا لم تأتِ عبثًا، كأننا قبل الموت نترنح في حيرة، أو دائرة، والموت يجعلنا نمشي على الخط؛ نستقيم ونعتدل، على أمل أن هذا الخط المستقيم يقودنا إلى أنفسنا. الموت يبدو أكمل من الحياة، الحياة التي لا تهبنا كفًا قويًا، ضخمًا، خشنًا، بل تعطينا كفًا رقيقة، وأصابع غير متسقة، ومصائرنا تحددها كف أيدينا؛ فمن حددها؟ ومن رسمها على هذا الشكل؟ في قصة نصف اكتمال، نرى بطلا مهوسًا بمراقبة أكف الناس، ومحاولة الوصول إلى كف يد مناسبة، ونرى أيضًا السلطة الأبوية/ الأب/ الإله، وهي يملك هذه الكف، لكن بدلا من مساعدتنا يضربنا بها. السلطة الأبوية حاضرة على امتداد العمل، ونقابلها في قصة موت أرق؛ الأب الذي يحاول منع طفليه من الصعود إلى سيارة الأسعاف، لتوديع جدتهم، الأب الذي كان يحاول أن يمنعهم من الذكرى، ونرى في قصة يأتي متأخرًا، حياة بطل كاملة، لا يصل فيها إلى شيء، حتى وفاة والده؛ يعرف ماذا يريد أن يصبح، لحظة التمرد الحقيقة لا تأتي إلا بوفاة الأب، كأنها الأمنية المشتهاة، الأمنية المدفونة في بئر غويط من اللاوعي، من الكبتِ.
 كأن الكاتب يرثي الإنسان قبل أن يموت، يذكره بطريقة أو أخرى، بالتجاعيد الصغيرة التي تتسلق جلده، وبتغيرات جسده: كالسمنة، وهو رثاء لا يبطن الرحمة، بل القسوة الشديدة، أو الحقيقة العارية. في قصة جينز أزرق، نرى البطلة السمينة التي تدخل إلى محل ملابس، وترغب في شراء جينز أزرق؛ قابلها منذ عشرة أعوام، وأعجبها، لكن الفرصة فاتتها وقتها، فلم تفعل، وإن ادعت عكس ذلك. إنها اليوم تشعر بالحسرة، فالحياة تسخر منها، وتجد الجينز الأزرق، وقد صار قديمًا، والأزمة أكبر من هذا، فهو لم يعد يناسب جسدها، هي اليوم سمينة. إنها مسكينة، تحاول السير عكس مسار الزمن، استعادة لحظة جميلة من عمرها، تحقيق أمنية قديمة، وبسيطة، مجرد جينز أزرق!
اختيار اللحظة الجديرة بالحكي، هي أهم ما يميز القصة القصيرة عند أحمد الجمل، لحظة تحمل من الإيحاء ما يكفيها، وبلغة سلسلة، غير مثقلة بالحشو، يعبر عن تلك اللحظة القصيرة؛ هذه هي القصة القصيرة كما يراها الكاتب، القصة المركزة، القائمة على قنص اللحظة المناسبة
، مع نهايات تعلو بها، فلاش، ومضة مفارقة  تصنع حالة من الصدمة تترك أثرها على القارئ.. اختار الكاتب اللغة العامية في الحوار، باعتبارها أقرب إلى روح القراء أو الأبطال؛ ولتحقيق المعايشة. وكان يستخدم الحوار لكسر الإيقاع؛ أي صنع صوت مغاير. صوت يكسر رتم السرد ويدفع الرتابة بعيدًا، وإن لم يدفع بالحدث للأمام؛ فاهتمام الكاتب-كما أسلفنا- كان منصبًا على الإيقاع. وفي ظني أننا سنرى، في المجموعة القادمة، توظيفًا آخرًا للحوار، وتجريبًا أكبر على مستوى اللغة، فهذه هي غواية الكتابة لنا.
 مجموعة موت أرق، تبشر بموهبة جديدة، تمتلك أدواتها، وتحاول اكتشاف طريقها؛ ورغم أنها المجموعة الأولى للكاتب، لكنها  ناضجة، تعطي درسًا قاسيًا لبعض القصاص، الذين ينشرون ما لا يستحق، فكاتب هذه المجموعة يمتلك أهم ما يميز الكاتب، وهو الوعي.

الأحد، 6 أغسطس 2017

مصطفى الشيمى: كتبت «سورة الأفعى» بسبب حلم


مصطفى الشيمى: كتبت «سورة الأفعى» بسبب حلم






إيهاب محمود الحضري. جريدة مبتدا:
مصطفى الشيمى حالة خاصة جدًا. شاب فى الثامنة والعشرين صدرت له مجموعتان قصصيتان: "مصيدة الفراشات" عن هيئة قصور الثقافة 2016 ، "بنت حلوة وعود" عن دار الربيع العربى 2016. وروايتان: "حى" عن دار العين 2014، "سورة الأفعى" عن دار الربيع العربى 2017.


أكتب لنفسى ولا أنشغل بما حول الكتابة
«سورة الأفعى» هى بدايتى الحقيقية
أدب الطفل فى مصر مظلوم



غزارة الإنتاج لدى مصطفى لها ما يبررها، فى نظره، فقد تربى على نظام نجيب محفوظ فى الحرص على الكتابة بانتظام وبشكل يومى منذ عشرة سنوات تقريبًا، الأمر الذى ساعده على تطوير أدواته فى الكتابة التى يعتبرها الرابط بينه وبين العالم.
يناير الماضى، أصدر الشيمى روايته الثانية "سورة الأفعى" عن دار الربيع العربى للنشر، ويواصل الشيمى فيها الكتابة فى عوالم الميثولوجيا، وعنها، تلك العوالم التى تأثره وتستحوذ عليه، ولا يكاد يخرج عمل له عنها.
هنا يتحدث مصطفى الشيمى عن "سورة الأفعى"، الكتابة، وأمور أخرى.






نبدأ من فكرة الرواية التى تبدو مرهقة فى قراءتها فهى من الروايات التى يجب أن تقرأ أكثر من مرة وبالتأكيد كانت مرهقة لك أثناء كتابتها.. من أين جاءتك الفكرة؟
أثناء تأدية خدمتى العسكرية فى أسوان، قفذت الفكرة فى ذهنى بدون استئذان. وقتها كنت أكتب ديوانًا شعريًا، وكانت قصة يهوذا تسيطر على، كنت مأخوذًا بروح يهوذا بشكل عام، ولم يكن فى خطتى أن أكتب رواية.
وذات يوم، وبينما كنت نائمًا، رأيت حلمًا يظهر فيه أحدهم يمد بيده لينتزع ضرسى، وأنا أشعر بألم شديد. استيقظت وهناك جملة ترن فى أذنى: "إن آلام سَكرة الموت توازى انتزاع ضرس تالف" هذه الجملة التى وردت فى الرواية على لسان إحدى الشخصيات، ظلت تتردد كثيرًا داخلى، وكانت المرة الأولى التى أتعرض فيها لذلك الموقف أثناء كتابة عمل أدبى. ارتبطت بالعمل لدرجة أنى كنت أرى الشخصيات أمامى، أراها تتحدث، أسمع حواراتها، صرت مجنونًا؛ أدون كل ما أرَ أمامى من خيالات وأوهام، أشعر بشىء، فألوذ بورقة وقلم أودعهما ما رأيت، كنت مجنونًا حقيقيًا.



الشخصيات، كل الشخصيات، بائسة وانهزامية.. هل خططت لذلك أم فرضت الشخصيات نفسها هكذا؟
سيطرت علىَّ روح هذه الشخصيات، فاستجبت لها. لم أختر لهم أن يكونوا انهزاميين، لم أخطط لشىء، بل اختارت الشخصيات طريقها وفرض العالم الروائى نفسه بقوة. أعتبر هذه التجربة تجربة صادقة جدًا، هى بدايتى الحقيقية، رغم أن لى رواية أخرى ومجموعتين قصصيتين.






مع الفصل الثالث تبدأ الرواية وتبدأ الشخصيات فى التحرك بوتيرة أسرع.. هل تؤيد هذه الرؤية؟
أرى أن الرواية مكتوبة بطريقة "البازل" على شكل شظايا متفرقة، لا يمكن لها أن تتجمع هكذا مرة واحدة، بل لابد أن تظهر على شكلها هذا؛ متناثرة ولا علاقة تربط بينها، هى تبدو كذلك، غير أن الأمر لا يمكن تفسيره على هذا النحو.
فى الفصل الثالث تبدأ الخيوط فى الالتئام قليلًا، لتتضح الصورة تدريجيًا، تتضح ببطء. فى الفصل الثالث تستطيع أن تقبض على حدث حقيقى، شبه كامل، وعلى مدار الرواية يحدث ذلك باستمرار، طوال الوقت أرسم خيوط الشخصيات التى تتلاقى كلما زاد عددها.



لماذا أسميت الرواية "سورة الأفعى"؟
كل عوالمى تدور فى إطار العلاقة بين المقدس والمدنس، بين الأفعى التى تدل على المدنس، والسورة بمعناها المعروف المقدس. اكتشفت أن ذلك يتم بلا وعى منى وبدون تخطيط. تجذبنى الميثولوجيا باستمرار، أقرأها بشغف، وأكتب عنها وأعيش داخل عوالمها. لا أعرف لماذا، ولا تسألنى ما السبب، لأنى، حقيقةً وأكيدًا، لا أعرف.






لم تتعدَّ الثامنة والعشرين ولديك روايتين ومجموعتين قصصيتين.. بماذا تفسر هذه الغزارة فى الإنتاج؟

الكتابة هى الرابط بينى وبين العالم، أعيش كى أكتب، وهى المعنى الوحيد والمبرر الحقيقى لوجودى. إن لم أكتب سأموت. لابد أن أكتب كل يوم، أكتب أى شىء، تربيت فى مدرسة نجيب محفوظ التى تفرض نظامًا صارمًا فى الكتابة. أكتب منذ عشرة سنوات تقريبًا، وبانتظام.
أنت ترى أنى غزير الإنتاج بسبب روايتين ومجموعتين. أُخبرك شيئًا؟ أنا لدى ثلاث روايات وثلاث مجموعات أخرى لم تنشر، مزقتها لأنى لم أرضَ عنها، لم أجدها تستحق النشر. هذا هو سبب تطورى فى الكتابة، أنا أمزق ما أكتب ولا أشعر بالحزن.



حصلت على جوائز كثيرة جدًا مثل جائزة دبى الثقافية وجائزة أخبار الأدب وجائزة قصور الثقافة.. هل تعتبر نفسك محظوظًا؟

قد أكون محظوظًا بسبب هذه الجوائز. فعلًا حصلت على الكثير منها، ولكن لا تربطنى علاقات بأحد. لدى علاقات جيدة بالطبع مع بعض الكتاب والناشرين، ولكنها ليست العلاقات التى تجعلنى أحصل على جوائز، أنا لا أفعل ذلك ولا أستطيع أيضًا.



ما الذى يشغلك أثناء الكتابة؟

الكتابة. لا شىء غير الكتابة. لا أفكر فى قارىء أو ناقد حينما أكتب، ولا أقتنع بأن هناك كتابة تشبه الجوائز. أكتب لنفسى، ولا أكون معنى بأى شىء آخر يحدث.






هل ترى أن على الكاتب أن يسوق لكتبه؟


لا أعرف، وأيضًا لا أظن ذلك يؤخذ على الكاتب. أنا شخص انعزالى، ولا أحتك كثيرًا بالناس، تؤنسنى وحدتى، ولا أخرج كثيرًا من البيت. ربما لأنى معنى أكثر بالكتابة، وربما يكون ذلك سببًا فى ابتعادى عن الوسط بشكل ما.
دعنى أقول أيضًا إن تسويق الكتب من اختصاص دور النشر، لا الكاتب. هذا تصورى الشخصى.



أنت مهتم بأدب الأطفال وكتبت 12 قصة حتى الآن.. لماذا تهتم بهذا النوع الذى لا يلقَ اهتمامًا كبيرًا فى مصر؟

هو أدب مظلوم، رغم أهميته الكبيرة والمهمة. هذا الطفل الذى يحمل حقيبته ويسرع خطاه إلى المدرسة هو الكاتب فى المستقبل، هو الطبيب والمهندس والمدرس، لا بد أن نهتم به، ولكن دون إسداء النصائح المباشرة، ودون إسدائها أيضًا بعنف وبطريقة مُنفرة وبغيضة، وهذا تحديدًا هو ما أعيبه على نظرتنا لأدب الطفل الذى يبدو وكأنه أدب نصائح.
ومؤخرًا، اتفقت مع دار الربيع العربى على نشر ست قصص منها، وفى انتظار أن أنشر الباقى. هى خطوة مهمة وأحببتها كثيرًا، ولن تكون محاولتى الأخيرة فى مجال أدب الطفل.






ماذا تكتب الآن؟
أكتب رواية جديدة، عالمها خاص جدًا، تدور أحداثها فى منطقة مجهولة من التاريخ، الخرافة هى البطل، أخلقها مع وعى بوجود العالم الحقيقى، أربط أيضًا بين المقدس والمدنس، ها هى الميثولوجيا تظهر مرة أخرى، ولا أظنها أخيرة.

الجمعة، 28 يوليو 2017

السهو والخطأ - كتابة كابوسية بيضاء

السهو والخطأ - كتابة كابوسية بيضاء

قراءة مصطفى الشيمي










"السهو والخطأ"، مجموعة قصصية مميزة، كتابة لا يمكن المرور عليها، ونسيانها، فصورها تعلق في الأعين، وفي الذاكرة. كتابة من الصعب وصفها - باطمئنان- أنها كتابة كابوسية، سوداوية، فالأسود ليس حاضرًا، بل الأبيض؛ العدم، اللاجدوى، العزلة التي يشعر بها إنسان هذا العصر، والوحدة التي تجعلنا نرغب في الحكي، فنسترسل في البدايات، حتى يأتي الحدث، لا تبالي بالتكثيف، بقدر ما تهتم بإبطالها، إنها رحيمةٌ بهم. يسترسلون في الحكي، باعتباره وسيلة للاطمئنان إلى وجودنا، ووجود الآخر. إذا كنا موجودين حقًا فلماذا لا يسمعنا أحدٌ، لا يرانا أحدٌ. كان مثل هذا الحكي يطمئن أحد الأبطال، وهو يفكر في شواهد وجوده، أدلة تثبت ذلك، والبحث عن أدلة يكشف حجم الأزمة، وحجم الفزع. (السكر في فراغات الشاي)، ليس الحكي فقط هو طريقتهم للاطمئنان إلى الوجود، بل البحث عن الرائحة، الرائحة المقززة، العفنة، القوية، تطمئن البعض أيضًا (قصة الرائحة). وبهذا فإن المجموعة تفرض روحها على القواعد، وترفضها، لا تريد أن تصيب الهدف بسهم، لا تبلغ الذروة سريعًا، تعرف كيف تتحكم في الإيقاع، فلا تتعجل الوصول إلى اكتمالها.
أبطال العمل، هنا، يبدون مثل المرضى، هلاوس تملأ رؤوسهم، بل أن أحد الأبطال يمتلك وحده ثماني رؤوس، يبدل بها كل يوم، ويضع في الدولاب سبع جماجم عظمية، لا يقطع رأسه كل يوم ويرتدي جمجمة، فهو ليس مخبولا، فهذه الجماجم مجرد رمز، للفكرة التي يؤمن بها
(ثمانية رؤوس) ،وهذا حال جميع الأبطال، هم لا يشعرون باندماج مع العالم، والعالم يبادلهم ذات الشعور وينبذهم أكثر. هنا عالم من اللا إستجابة، من البرود الذي يحولك إلى تمثال (تمرين على رفع اليد)، أو يحولك إلى شخص بدين يشعر بالكسل من الحركة أو التفكير، مجرد التفكير (جماعة النباتيين المتطرفة).
عادة، فإن الكتابة الكابوسية تلقي بكل سوادها في القارئ، أو في النص، بينما هنا - في السهو والخطأ- كان الأبيض هو اللون الذي أراه، فالنص لا يلقي الدخان، وعوادم العالم، فيكَ. بل إن الكتابة هنا تتسلل إلى روحك، بخفةٍ، حتى إنك تشعر وكأنك داخل حلم، أو كابوس أبيض. لغة حسن عبد الموجود تضع نفسها في مسافة بعيدة، إنها لا تتورط في هذا الكابوس، بل تبدو متعالية، وساخرة أحيانًا. هذه السخرية واللا مبالاة، جعلت من هذه الكتابة الكابوسية مغايرة، فهنا لا نرى أحد الأبطال يصرخون - أمام محاكمة كافكاوية- وإذا ما صرخوا فإننا لا نسمع صراخهم، هو كابوس هادئ، محبب إلى القلب، وربما نحن ساديون في قراءتنا. العالم يبدو مفزعًا، حين يصير رخوًا، ويجسد هواجس الأبطال، تتحول هذه الهلاوس من صورة، أو شعور، إلى واقع، ويبدون طول الوقت باحثين عن مخرج للطوارئ، أو منفذ للهروب، وفي مجموعة السهو والخطأ، لا يوجد هذا المنفذ، فلا الحب، لا السلام، لا الحرب، لا أي شيء آخر، سوى الاستسلام للموتِ، ربما، للمساحات الصفراء، أو الخضراء الفاتحة، أو الداكنة
(غربان)، أو الاستسلام لهواجسنا التي تتحقق، أو لأقدارنا التي تسخر منا (شجرة نائمة)، على أية حال، فإن نهايات قصص المجموعة تترك الباب مفتوحًا دائمًا، لاحتمالات لا نهاية لها، وكوبيس أخرى، قد تخرج من عقل القارئ هذه المرة.





الأحد، 23 يوليو 2017

مصطفى الشيمي: ثمة أزمة تواصل بين الكتاب الشباب والقدماء



التهميش والإقصاء… أزمة الكتاب الشباب في مصر

شهادتي المنشورة في جريدة القدس العربيضمن تحقيق الصحفي عبد السلام شبلي عن التهميش والإقصاء أزمة الكتاب الشباب في مصر بتاريخ Jul 21, 2017







القاهرة ـ «القدس العربي» عبد السلام الشبلي: يعيش الجيل الشاب من الكتاب المصريين، صراعا مستمرا مع المدرسة القديمة من الكتاب التي يرفض الكثير من روادها تقبل المبدعين الشباب، وترتفع وتيرة الصراع في الكثير من الأحيان لتصل إلى القطيعة، ورفض قراءة الجديد من الأدب، ما يشكل أزمة تواصل بين الجيلين ويمنع تناقل الإبداع وتواتره بينهما.

ينظر الكتاب الشباب إلى القدماء بعين التلاميذ الذين من الواجب عليهم الاستقاء من المدارس القديمة للأدب المصري، إلا أن ذلك لا يمنع إحساسهم بالظلم والاتهام الباطل بأنهم متسرعون يسعون إلى تحقيق الشهرة والجماهيرية والقرائية العالية في مدة وجيزة، في حين يعتقد الكثير منهم أن الإبداع والشهرة لا يتعلقان بالعمر، بل يرتبطان في أيامنا هذه بوسائل الكاتب وأدواته الإبداعية، فضلا عن وسائل التواصل الحديثة التي صارت أول المنابر التي تقدم الكاتب لقرائه، والتي يستخدمها الكتاب الكبار أنفسهم هذه الأيام، مؤكدين أن الكاتب الكبير المحترف يجب أن يأخذ بيد الكاتب الصاعد ويمنحه فرصته التي يستحقها، بعيدا عن التهميش الذي لا ينتهي في الأوساط الثقافية.


أزمة تواصل


يعتقد الكاتب مصطفى الشيمي صاحب رواية «سورة الأفعى» أن الأزمة الحقيقية بين الكتاب الشباب والقدماء هي التواصل، ويعيد ذلك إلى سوق النشر المفتوح وغياب دور المؤسسات الثقافية في صنع حالة التواتر بين الجيلين، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من النتاج الأدبي صدر من دور نشر خاصة تداخل فيه الجيد والرديء، ما أدى لحالة ارتباك لدى الجيل القديم المتمرس، وهنا لا يلام هذا الجيل – الذي تعود على التعب قبل صدور كتبه – على نظرته الشاكة في ما ينتج من أدب حالي، إلا أن ذلك لا يمنع لوم من يختار الحكم القاسي قبل قراءة الأدب الشاب. ويشير الشيمي إلى أن الصراع بين القديم والجديد موجود حتما، مؤكدا أن الأعمال المميزة تصبح مع مرور الزمن قاعدة انطلاق للكتاب الجدد، أما الأعمال الجديدة فهي محاولات مستمرة لكسر القواعد والتابوهات، كل ذلك يراه الشيمي إثراء للمناخ الثقافي، ما يحدث منافسة عادلة في ملعب الكتابة وتبقى كذلك إلى أن تستخدم حروب غير شريفة ضد الأعمال الجديدة، كالتجاهل مثلا الذي يستخدمه بعض من الجيل القديم خشية على عرشه الأدبي الذي وصل إليه.

ويعتقد الشيمي أن نيل الجائزة يعد فرصة للأديب الشاب من أجل التعرف على النقاد والكتاب الكبار، وتحسين النظرة إليه بوصفه مبدعا، لكنها رغم ذلك فهي طريق مفروش بالشوك والعداوات مع أبناء الصنعة، الذين يرون أنفسهم أحق بنيل الجائزة من الرابح.


التسرع تهمة باطلة

يوضح الكاتب محمود العشري أن التسرع تهمة باطلة تلاحق العمل الأدبي الشاب، حيث يرى الجيل السابق من الكتاب أن الكتاب الشباب متسرعون دوما في طرح أعمالهم، معتقدا أن هذه التهمة تلاحق كل شيء جديد قبل أن يثبت نفسه في السوق الأدبي.

ولا يرى العشري أي مشكلة في التنافس مع الجيل القديم، معتقدا أن الأمر يجعل الكتابة أكثر إبداعا، مشيرا إلى أن الكثير من الكتاب الشباب يرتكزون على القدماء كمدارس إبداعية يتعلمون ويستفيدون منها ويقلدونها أحيانا قبل أن يرسموا الطريق الخاص بهم، وهذا ليس عيبا، إلا أن ذلك ربما يشكل بعض التوجس لدى بعض الكتاب الكبار الذين يجدون الكاتب الشاب أكثر قربا لعصر، وأفضل قدرة على محاكاته والتواصل مع تفاصيله بكل ما فيها من حداثة ومرونة قد لا يستطيعون مجاراتها.

ورغم كل الصعوبات التي يواجهها الأديب الشاب حاليا، إلا أن العشري يرى أن التهميش أصبح أمرا صعبا، فوسائل التواصل الاجتماعية والدعاية أصبحت أكثر سهولة من السابق، وصار بإمكان الكاتب الشاب أن يشق طريقه إلى الجمهور الذي يقصده، ويبقى فقط الدعم المعنوي والمساندة من الكتاب الكبار للجيل الجديد، وهو ما يعتقده العشري أكثر صعوبة من الوصول إلى القارئ بسبب تعنت الجهات الثقافية الرسمية، والأسماء الكبيرة ضد الأسماء الجديدة في أروقة الأدب المصري.


العمر لا يحكم الإبداع


لا يرى الكاتب حازم عزت بوجود عمر محدد للإبداع، مشيرا إلى أن الكتابة ترتبط دوما بمعايير أخرى وأساليب نجاح قد لا ترتبط بالضرورة مع مقدار الجودة والحرفية لدى الكاتب، وإنما بكتابة ما يرضي القارئ، سواء كان الكاتب صغيرا أو كبيرا في السن، حيث لا يتعلق كسب السوق بهوية الكاتب أو مدى خبرته، بل بأدوات أخرى يمتلكها الكاتب نفسه.

ويرى عزت أن صغر السن يرتبط دوما بالتهور معتقدا أن الكتاب الكبار أنفسهم لم يعودوا راضين عن بواكير أعمالهم التي أصدروها، إلا أن الحتمي هنا هو قرار النشر الجريء الذي يقدم الكاتب للقراء، ما يساهم في تطوره وجذب الانتباه إليه، فضلا عن جذب انتباه الكاتب شخصيا إلى ضرورة التطور وتحسين بعض الجوانب القاصرة لديه.

وبالنسبة لحازم فإن من لا يتقبل الآخر «صغيرا كان أم كبيرا» لديه مشكلة في تكوين صورة ذاتية عن نفسه، مشيرا إلى أن الكتابة بالعادة فعل نرجسي، تجعل الكاتب معتدا بآرائه وأفكاره إلا أن ذلك لا يعني غرورا قاتلا وتمنعا عن الاعتراف بقدرات الآخرين.


التهميش ليس جديدا


يؤكد حسام يحيى أن مسألة إقصاء الكتاب الشباب في مصر ظاهرة ليست بالجديدة، لكن اتساع دائرة التهميش لهم فى الآونة الأخيرة، هو ما شكل علامات استفهام كثيرة، مشيرا إلى أن التهميش له أسبابه الاجتماعية والسياسية المتعلقة بحجب الفكر، مؤكدا أن التهميش للكتاب الشباب أيضا يترتب عن أسباب ثقافية، مثل تقصير الجهات الداعمة للثقافة الشبابية في مصر، وقد يكون نتيجة مبدأ الشللية التي تسيطر على قصور الثقافة التي يمارسها الكبار، أو الجهات الراعية للأنشطة الثقافية في مصر ، فضلا عن عدم اهتمام قصور الثقافة وغيرها بالمواهب الشابة الجيدة وتجاهلها، مشيرا إلى أنه لابد من كاتب كبير داعم للكاتب حتى يطفو فوق مستنقع النبذ، أو دعم كلي من دار نشر لموهبة ما، وقتها قد يكون ذلك وافيا بالغرض، إلا أنه قليلا ما تجد تلك الدار التى تهتم بالمواهب الحقيقية التي لا تلتفت لها وزارة الثقافة أو الجهات المعنية.