هناك من تمشي خطاه على خطاي

الأحد، 23 يوليو، 2017

مصطفى الشيمي: ثمة أزمة تواصل بين الكتاب الشباب والقدماء



التهميش والإقصاء… أزمة الكتاب الشباب في مصر

شهادتي المنشورة في جريدة القدس العربيضمن تحقيق الصحفي عبد السلام شبلي عن التهميش والإقصاء أزمة الكتاب الشباب في مصر بتاريخ Jul 21, 2017







القاهرة ـ «القدس العربي» عبد السلام الشبلي: يعيش الجيل الشاب من الكتاب المصريين، صراعا مستمرا مع المدرسة القديمة من الكتاب التي يرفض الكثير من روادها تقبل المبدعين الشباب، وترتفع وتيرة الصراع في الكثير من الأحيان لتصل إلى القطيعة، ورفض قراءة الجديد من الأدب، ما يشكل أزمة تواصل بين الجيلين ويمنع تناقل الإبداع وتواتره بينهما.

ينظر الكتاب الشباب إلى القدماء بعين التلاميذ الذين من الواجب عليهم الاستقاء من المدارس القديمة للأدب المصري، إلا أن ذلك لا يمنع إحساسهم بالظلم والاتهام الباطل بأنهم متسرعون يسعون إلى تحقيق الشهرة والجماهيرية والقرائية العالية في مدة وجيزة، في حين يعتقد الكثير منهم أن الإبداع والشهرة لا يتعلقان بالعمر، بل يرتبطان في أيامنا هذه بوسائل الكاتب وأدواته الإبداعية، فضلا عن وسائل التواصل الحديثة التي صارت أول المنابر التي تقدم الكاتب لقرائه، والتي يستخدمها الكتاب الكبار أنفسهم هذه الأيام، مؤكدين أن الكاتب الكبير المحترف يجب أن يأخذ بيد الكاتب الصاعد ويمنحه فرصته التي يستحقها، بعيدا عن التهميش الذي لا ينتهي في الأوساط الثقافية.


أزمة تواصل


يعتقد الكاتب مصطفى الشيمي صاحب رواية «سورة الأفعى» أن الأزمة الحقيقية بين الكتاب الشباب والقدماء هي التواصل، ويعيد ذلك إلى سوق النشر المفتوح وغياب دور المؤسسات الثقافية في صنع حالة التواتر بين الجيلين، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من النتاج الأدبي صدر من دور نشر خاصة تداخل فيه الجيد والرديء، ما أدى لحالة ارتباك لدى الجيل القديم المتمرس، وهنا لا يلام هذا الجيل – الذي تعود على التعب قبل صدور كتبه – على نظرته الشاكة في ما ينتج من أدب حالي، إلا أن ذلك لا يمنع لوم من يختار الحكم القاسي قبل قراءة الأدب الشاب. ويشير الشيمي إلى أن الصراع بين القديم والجديد موجود حتما، مؤكدا أن الأعمال المميزة تصبح مع مرور الزمن قاعدة انطلاق للكتاب الجدد، أما الأعمال الجديدة فهي محاولات مستمرة لكسر القواعد والتابوهات، كل ذلك يراه الشيمي إثراء للمناخ الثقافي، ما يحدث منافسة عادلة في ملعب الكتابة وتبقى كذلك إلى أن تستخدم حروب غير شريفة ضد الأعمال الجديدة، كالتجاهل مثلا الذي يستخدمه بعض من الجيل القديم خشية على عرشه الأدبي الذي وصل إليه.

ويعتقد الشيمي أن نيل الجائزة يعد فرصة للأديب الشاب من أجل التعرف على النقاد والكتاب الكبار، وتحسين النظرة إليه بوصفه مبدعا، لكنها رغم ذلك فهي طريق مفروش بالشوك والعداوات مع أبناء الصنعة، الذين يرون أنفسهم أحق بنيل الجائزة من الرابح.


التسرع تهمة باطلة

يوضح الكاتب محمود العشري أن التسرع تهمة باطلة تلاحق العمل الأدبي الشاب، حيث يرى الجيل السابق من الكتاب أن الكتاب الشباب متسرعون دوما في طرح أعمالهم، معتقدا أن هذه التهمة تلاحق كل شيء جديد قبل أن يثبت نفسه في السوق الأدبي.

ولا يرى العشري أي مشكلة في التنافس مع الجيل القديم، معتقدا أن الأمر يجعل الكتابة أكثر إبداعا، مشيرا إلى أن الكثير من الكتاب الشباب يرتكزون على القدماء كمدارس إبداعية يتعلمون ويستفيدون منها ويقلدونها أحيانا قبل أن يرسموا الطريق الخاص بهم، وهذا ليس عيبا، إلا أن ذلك ربما يشكل بعض التوجس لدى بعض الكتاب الكبار الذين يجدون الكاتب الشاب أكثر قربا لعصر، وأفضل قدرة على محاكاته والتواصل مع تفاصيله بكل ما فيها من حداثة ومرونة قد لا يستطيعون مجاراتها.

ورغم كل الصعوبات التي يواجهها الأديب الشاب حاليا، إلا أن العشري يرى أن التهميش أصبح أمرا صعبا، فوسائل التواصل الاجتماعية والدعاية أصبحت أكثر سهولة من السابق، وصار بإمكان الكاتب الشاب أن يشق طريقه إلى الجمهور الذي يقصده، ويبقى فقط الدعم المعنوي والمساندة من الكتاب الكبار للجيل الجديد، وهو ما يعتقده العشري أكثر صعوبة من الوصول إلى القارئ بسبب تعنت الجهات الثقافية الرسمية، والأسماء الكبيرة ضد الأسماء الجديدة في أروقة الأدب المصري.


العمر لا يحكم الإبداع


لا يرى الكاتب حازم عزت بوجود عمر محدد للإبداع، مشيرا إلى أن الكتابة ترتبط دوما بمعايير أخرى وأساليب نجاح قد لا ترتبط بالضرورة مع مقدار الجودة والحرفية لدى الكاتب، وإنما بكتابة ما يرضي القارئ، سواء كان الكاتب صغيرا أو كبيرا في السن، حيث لا يتعلق كسب السوق بهوية الكاتب أو مدى خبرته، بل بأدوات أخرى يمتلكها الكاتب نفسه.

ويرى عزت أن صغر السن يرتبط دوما بالتهور معتقدا أن الكتاب الكبار أنفسهم لم يعودوا راضين عن بواكير أعمالهم التي أصدروها، إلا أن الحتمي هنا هو قرار النشر الجريء الذي يقدم الكاتب للقراء، ما يساهم في تطوره وجذب الانتباه إليه، فضلا عن جذب انتباه الكاتب شخصيا إلى ضرورة التطور وتحسين بعض الجوانب القاصرة لديه.

وبالنسبة لحازم فإن من لا يتقبل الآخر «صغيرا كان أم كبيرا» لديه مشكلة في تكوين صورة ذاتية عن نفسه، مشيرا إلى أن الكتابة بالعادة فعل نرجسي، تجعل الكاتب معتدا بآرائه وأفكاره إلا أن ذلك لا يعني غرورا قاتلا وتمنعا عن الاعتراف بقدرات الآخرين.


التهميش ليس جديدا


يؤكد حسام يحيى أن مسألة إقصاء الكتاب الشباب في مصر ظاهرة ليست بالجديدة، لكن اتساع دائرة التهميش لهم فى الآونة الأخيرة، هو ما شكل علامات استفهام كثيرة، مشيرا إلى أن التهميش له أسبابه الاجتماعية والسياسية المتعلقة بحجب الفكر، مؤكدا أن التهميش للكتاب الشباب أيضا يترتب عن أسباب ثقافية، مثل تقصير الجهات الداعمة للثقافة الشبابية في مصر، وقد يكون نتيجة مبدأ الشللية التي تسيطر على قصور الثقافة التي يمارسها الكبار، أو الجهات الراعية للأنشطة الثقافية في مصر ، فضلا عن عدم اهتمام قصور الثقافة وغيرها بالمواهب الشابة الجيدة وتجاهلها، مشيرا إلى أنه لابد من كاتب كبير داعم للكاتب حتى يطفو فوق مستنقع النبذ، أو دعم كلي من دار نشر لموهبة ما، وقتها قد يكون ذلك وافيا بالغرض، إلا أنه قليلا ما تجد تلك الدار التى تهتم بالمواهب الحقيقية التي لا تلتفت لها وزارة الثقافة أو الجهات المعنية.

الاثنين، 17 يوليو، 2017

جين الحافي - صرخة من مدينة الموت


قراءة مصطفى الشيمي


  للمرة الأولى، أقرأ رواية مصورة يابانية (مانغا). حرصت على اقتناء (جين الحافي) ظنًا أن هذا العمل يندرج في أدب الأطفال، اليافعين (Young adult)، رغم أن موضوع العمل يدور حول كارثة هيروشيما، لأنني أعرف أن أدب الطفل -في الخارج- اهتم بمواضيع كانت محظورة في وقت آخر، مثل الحروب، أو العوالم الديستوبية كـ darkness overcomes you، بل أن هذا الأدب سعى إلى هدم التابوهات القديمة، وقدم رواية "صبي يعشق صبيًا"، كمدينة فاضلة للمثليين جنسيًا. لكنني عرفت بعد ذلك أن هذا العمل يخاطب الكبار، وبعد قراءة الجزء الأول من الرواية، ومشاهدة فيلم الآنمي فهو صعب على اليافعين و صعب على الكبار أيضًا.

رواية (جين الحافي) تُصنف في اليابان ضمن أدب القنبلة النووية، الأدب الذي يتمركز حول انفجار القنبلة النووية في هيروشيما، باعتباره حدث مأساوي، ترك جروحًا في ذاكرة الإنسانية لن تُنسى. سلاح واحد؛ استطاع أن يقضي على 140،000 شخصًا في هيروشيما مرة واحدة، وبضغطة زر. لم تستهدف هذه القنبلة إلا المدنيين، فمدينة هيروشيما لم تكن عسكرية، لقد استهدفت القيادة الأمريكية المدنيين باعتبارهم فئران للتجارب، أرادت أن ترى أثر هذا السلاح القوي، وأرادت كذلك أن ترسل رسالة إلى العالم أكمل، برسم نفسها على رأس خريطة القوى. 
  القيادة الأمريكية لا ترى الأمر باعتباره جريمة حرب، أخلاقية، بل على خلاف ذلك، ترى أن الضرورة الأخلاقية هي التي استدعت هذه الضربة، فهي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب، بأقل ضرر، وأسرع وقت. تقارير كثيرة وإحصائيات يتم إعدادها، لعدد الضحايا المتوقع في حال استمرار الحرب، تقارير تؤكد أن العدد كان سيتجاوز ذلك بمرات كثيرة، مع وضع في الاعتبار إشارتهم إلى أن اليابانيين في ذلك الوقت، لم يكونوا طيبين مثل يومنا هذا، بل كانوا شياطين، وعن طريق شيطنة الآخر، يتم تبرير جميع الجرائم، طوال الوقت، وفي جميع أنحاء عالمنا المتحضر.




  الكاتب ناكوزاوا كيجي، يبدو لي كقارئ عربي، لغزًا صعبًا. فهو يدين القيادة اليابانية قبل أي أحد آخر، وإدانة الحروب بهذا الشكل، صعب بالنسبة للمثقف أو القارئ العربي. إننا لا نستطيع أن نتبنى موقف زوربا من الحروب، باعتبارها فعل بدائي، موقف كهذا قد يدين وطنيتنا ويجعلنا موسومين بوشم الخيانة. عندما نقرأ عملًا يتخذ موقفًا كهذا، نشعر -بلا وعي- بالشك والتوجس من الكاتب، فهل كان يرى بالفعل- في ذلك الوقت الذي عاصره- أن حرب كهذه بلا جدوى، أم أن هذه النتيجة قد توصل إليها بعد الهزيمة؟ أي أنها من تداعيات الانكسار لا أكثر. فالعمل نُشر عام 1973، أي بعد الحادثة المأساوية بـ 28 عامًا، وبعد سقوط الإمبراطورية اليابانية.
قارئ مثلي، لا يستطيع الوصول إلى تخيل واضح، فالمصادر العربية فقيرة، والمترجم أ.د ماهر الشربيني لم يهتم بكتابة مقدمة أدبية حول العمل، بقدر ما اهتم بكتابة مقدمة تاريخية حول اليابان ونهضتها. وتبقى هذه الأسئلة غامضة بالنسبة لي، لكنها مهمة، تكشف بعض صدق العمل الأدبي؛ فأبطال عائلة جين الحافي، كانت ضد الحرب، وبدت داخل العمل العائلة الوحيدة التي تستطيع الخروج من جلد القطيع، هذا الخروج الذي أدى إلى اضطهادها واتهامها بالخيانة والعمالة وانعدام الوطنية، وهي ذات التهم الجاهزة التي سيقذف بها أو المواطن العربي، في حال الاعتراض على مشاركة الوطن في حرب ما، وهي تهمٌ لها سندها القانوني.
هذا هو الجزء الأول، للرواية التي قُدمت في فيلم أنمى، وهو جزء ثري، يكشف لي  معلومات كنت أجهلها؛ مثل الطيارات الإنتحارية، التي كان يقودها طلاب جامعيون أُجبروا على الموت في سبيل الوطن، عن طريق افراغ الطائرة من الوقود، إلا ما يكفي للوصول إلى الهدف، ووضع القنابل فيها، لم يكن اختيارًا حرًا، شجاعًا، كما كنت أظن، بل كانت استعباد مفزع. كما أنني لم أكن أعلم أن إيناشتين كان على رأس فريق القنبلة النووية، القنبلة التي أعطتها القيادة الأمريكية كود "الطفل الصغير"، الاسم البريء الذي يعكس رغبة -لا شعورية- في انكار  بشاعة الجرم المرتكب في حق الإنسانية. وهناك الكثير من المعلومات الأخرى التي تنكشف طوال القراءة، في قصة ممتعة، ورسوم رائعة، وبعد الانتهاء من العمل أجد نفسي راغبًا في البحث، مجبرًا، برغم الوجع والحزن على معرفة المزيد.
في انتظار ترجمة الجزء الثاني.

الثلاثاء، 4 يوليو، 2017

مصطفى الشيمى: لا أهتم بالتاريخ وأنتصر للمهمشين فى "سورة الأفعى" - اليوم السابع


مصطفى الشيمى: لا أهتم بالتاريخ وأنتصر للمهمشين فى "سورة الأفعى"


الروائي مصطفى الشيمي
كتب: أحمد إبراهيم الشريف

انتهيت من قراءة رواية "سورة الأفعى" لـ مصطفى الشيمى وقد أعجبتنى طريقته فى رسم الشخصيات ومراهنته على اللغة والصورة المشهدية، وفى الوقت نفسه كان لدى عدد كبير من الأسئلة التى استقرت فى داخلى منها ما يتعلق بحكاية الرواية ومنها ما يدور حول الأسلوب الذى اتبعه "الشيمى" فى بناء روايته.

ومصطفى الشيمى كاتب شاب صدر له رواية (حى) عن دار العين، ومجموعة (بنت حلوة وعود) عن دار الربيع العربى، ومجموعة (مصيدة الفراشات) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ورواية (سورة الأفعى) عن دار الربيع العربى.


الشخصيات جميعها فى "سورة الأفعى" مصابة بـ"خلل ما" أو ينقصها شىء ما.. هل للأمر دلالة معينة؟


انتماء الأبطال إلى الأرض جعلهم كذلك، الأرض المبتورة، المجروحة، البعيدة عن السماء. حلم الفردوس المفقود؛ الحب، السلام، السعادة، هى الأشياء التى تحركنا جميعًا فى حياتنا، وهذا النقص كان بمثابة الدافع لفعل الحركة، محاولة الاكتمال، فى أى طريق، خير أو شر. فى اللحظة الراهنة، نحن مبتورون من سياق التاريخ، الحضارة. ربما أكثر ما ينقصهم هو المدينة؛ قاهرة أخرى لا تسقط مآذنها، إسكندرية أخرى غير مبتورة الأكتاف، أسوان أخرى غير المنسية هناك، أرض يستطيع المرء أن ينتمى إليها، ويشيدها، أرض يمكن الإيمان بها.


رواية سورة الأفعى


فى شخصياتك لا أحد مقدس تماما ولا أحد مدنس للنهاية.. هل هذه طريقتك فى فهم الإنسان أم أن ذلك كى تضفى على الشخصيات بعدا دراميا؟

أبطال سورة الأفعى هم أبناء عالمهم، الأرض التى وضعها الله عليهم، أرض الغرائز والشهوات، فى هذه الأرض يدور الإنسان حول النقائض، لا أحد مقدس تمامًا، ولا أحد مدنس تمامًا، ربما فى مدينة فاضلة قد نجد ذلك، شرًا كاملا، أو خيرًا كاملا، لكن فكرة الكمال بعيدة بعد الفردوس. من يستطيع فهم الإنسان حقًا؟ هل هو الكائن الدموى الذى يقتل الملايين فى حرب لا معنى لها؟ أم هو الأب الذى يحاول النجاة بصغاره بعيدا عن الموت؟ وماذا لو أبدلنا الأدوار؟ ووضعنا هذا مكان ذاك؟ لا أصدر حكمًا علينا بالشر المطلق، نحن لسنا شياطين، لكننا نتاج حروب خضناها منذ بداءة التاريخ، من أجل البقاء، وحروب وثورات معاصرة تركت ندوبا على وجوهنا، حولتنا إلى وحوش، أو إلى صورة من هذا التاريخ.




رغم الإشارة إلى ثورة 25 يناير وأزمنة أخرى.. لكنك تضفى على الزمن طابعا أسطوريا.. هل قصدت ذلك؟ 


اهتممتُ بروح عالمى الروائى، الغرائبية التى تجعل الغربان تتابع الحكاية، حتى أن أحدها يجلس على كتف ملاك الموت بينما يقتلع أسنان الناس أو يأكلهم. الزمان لم يكن منفصلا عن هذه الروح، لكنها لم تكن غرائبية تمامًا، الغرائبية التصقت بالأبطال الذين عاشوا فى هذه الأزمنة، وهذه الأماكن. المرور على الحرب العالمية الثانية، وثورة ٥٢، وثورة ٢٥ يناير، جاءت لأن أبطالى عاشوا فى هذا الوقت، لم أكن معنيا بالتاريخ، بل بتاريخ الأبطال المنسيين، والمهمشين، بالجروح والندوب التى نسيها التاريخ على وجوههم وأرواحهم.




فى الرواية احتفاء واضح بالمشهدية وأسلوبك السردى ساعدك على ذلك.. هل ترى أن هذه الرواية تصلح لعمل درامى؟


أعتقدُ ذلك. سورة الأفعى تصلح أن تكون عملا دراميًا أو سينمائيًا، لكنها من نوعية أثقل من اهتمامات السينما فى الوقت الحالى، التى تبحث عن الأعمال الخفيفة، أما إذا كنا نتحدث عن سينما تهتم بأعمال مثل "عرق البلح" لرضوان الكاشف، أو "العطر" لباتريك زوسكيند، فإن سورة الأفعى تكشف عن عالم خصب، متعدد التأويلات، وأبطال غريبون لطالما شغفت السينما بتقديمهم مثل بطل روايتى القواد الأحدب.


الروائي مصطفى الشيمي


أنت تراهن على اللغة وشعريتها.. هل أنت من أنصار اللغة أولا فى الرواية؟ 

اللغة هى الرؤية، من دونها فأننا أمام عمل عادى، قد يندرج فى خانة القول. اللغة هى التى تفرق بين النصوص الأدبية وغير الأدبية، من خلال قدرتها على استيعاب الثقافة؛ منظومة متكاملة من الرموز المحملة بالدلالات الميثيولوجية والشعبية والملحمية، القارئ أمام مثل هذا الخطاب، يملك أدوات للتحليل، للقراءة والتذوق. كانت اللغة الشعرية هنا هى طريقتي، أردت لغة تبرز خصوصية عالمي، لغة لا تقف أمام المعتاد، بل تكسره وتتجاوزه.

ما مفهوم الرواية عند مصطفى الشيمى؟ 

سؤال صعب، كتبتُ عدة روايات، مزقت ثلاثة، ونشرت روايتين فقط. أؤمن بالتجريب، وأخطو فى طريقى لإيجاد عوالم مختلفة، وأراضٍ لم تطأها قدم من قبل. المؤكد بالنسبة لى هو عدم وجود قواعد، القواعد تُبنى من خلال عمل فارق، إلى أن يأتى عمل آخر، فيحطمها، ويؤسس قواعده.



الخميس، 22 يونيو، 2017

عين واحدة


عين واحدة


مصطفى الشيمي


عين
أغرس فيها الإبر الصينية
ألعب فيها بإبر الكروشيه
وأغمس فيها أعواد الأكل،
بيد خبيرةٍ
دون أن أصدر ضجةً
حتى لا أزعج جاري الميت.
وحتى لا أزعج الحمامة التي تسكن نافذتي
أؤجل فكرة القفز من الطابق العاشر
رغم توقي للطيران
أنا مصابٌ بفيروس خطير
لا يجعلني أغضب 
عندما يسرق لصوص المسجد حذائي
ويتركون لي قدمين حافيتين للعودة إلى المنزل
قدمان مهترئتان
يتسربُ الزيت منهما
وتتركان بقعة كبيرة في منتصف الطريق.
عين واحدة
تتهمها امرأتي بالخبلانِ
عين ترى البحر، والأخرى تطارد النورس.


الاثنين، 12 يونيو، 2017

على ظهر سلحفاة


على ظهر سلحفاة

مصطفى الشيمي



لوحة The thing has a hook للرسام Bernard Simunovic



العالم سلحفاة عجوز
وأنا على ظهرِها
أدخنُ تبغًا رخيصًا
وأبصقُ كوابيس طفولتي
أضع عيني على الطريق
مثل قرصان
لا أريد نهايتي الآن
أبصرُ بقايا خطوتي
والريح دود
يأكل كل شيء
شجرةٌ تقوم من مرقدِها
وترقصُ رغم جذعها الآسن
أنا لستُ أدري
العين تجري في الهواء
في السماوات البعيدة
في انفجارات النجوم
في الفراغ الأسود المجنون
أنا لا أراني.
أفكر في اقتلاعِ عيني الأخرى
أعلقها،
كطعم في سنارتي
أسمع
أنين العالم الجائع
الموت يأتي
يلتهم عيني
من فريسة من؟
وكأنني أرى العالم الآن.


السبت، 10 يونيو، 2017

سورة الأفعى - ظل يهوذا على الأرض


سورة الأفعى - ظل يهوذا على الأرض





إذا ما قرأت عملًا أدبيًا، أعجبك، وأردت أن تنكره، وترده عن ذوقك، إذ لا يعقل أن هناك كتابة أعجزتك وأبهرتك بجمالها، فإن أفضل طريقة لأن تفعل ذلك، هو الإدعاء بعدم صدق العمل الأدبي. قل "الكاتب لم يكن صادقًا في كتابة هذا النص، الكاتب كان مدعيًا"، فلا سبيل واحد لإثبات صدق هذه الدعوى، إنها عبارة فضفاضة، لا قيمة لها، لكنها قاتلة. كيف يمكن - نقديًا- إثبات صدق التجربة الشعورية للكاتب عند كتابة هذا العمل الأدبي؟ لم أقرأ في كتبِ النقد مقياسًا واحدًا لفعل ذلك، إنها عبارة أقرب ما تكون إلى فخ أو رصاصة غادرة. فإذا ما صادفك مثل هذا القول، فاعرف إنها طريقة الحاقدين لهدم عملك الأدبي، أو محاربتك، غيرة منك أو خشية، فالكتابة الجيدة تهدد عروشهم وتفضحهم.

إذا ما كانت هذه التهمة هي أفضل رصاصة لقتل عمل أدبي جيد، لأنها لا يمكن الامساك بها، ولا يمكن ردها في ظنهم، فإننا لا نستطيع الرد بالقول: "إن رواية سورة الأفعى رواية عظيمة"، فهذا أمر متروك للتاريخ كي ينتصر لها، وسينتصر لها . يمكننا فقط أن نتحدث عن تجربة كتابة سورة الأفعى، عن التجربة الشعورية التي ولدت هذا النص.
كان العام هو ٢٠١٣م، في تلك الفترة التي كتبت فيها مجموعتي بنت حلوة وعود، وكنت في انتظار قضاء خدمتي العسكرية التي بدأت عام ٢٠١٤م، وكان القلب مصابًا بجرح نتيجة خسارة أحد الأصدقاء، بل أقربهم في ذلك الوقت، وهي خسارة ممزوجة بالخيانة، فصديقي؛ باع عشرة سنوات كاملة من العيش والملح، واشترى بها امرأة مجدلية. لم أفهم وقتها كيف يمكن للمرء، أن يرتدي الأقنعة، أن يكون أخًا لك، وخنجرًا في ظهرك. أحلامنا في الكتابة، والمجد، وإيماننا بالشعراء والأدباء وشيوخ الطرق تتبدد فجأة، وعرفت أن هذا الصديق، واحدًا من كثيرين في الوسط الأدبي، يشترون بكتابتهم القليل من الزاد، أو الشهرة، دون إيمان حقيقي بجدوى الكتابة. عرفت هذه الخيانة في أيامي الأولى في معسكر التدريب، داخل الجيش، وفي أول أجازة كتبت هذه القصيدة "المسيح لا يلعب الشطرنج".
ولما عدت إلى مركز التدريب، بدأت أراقب العالم بشك كبير، عشرة أعوام من عمري وقعت مني بسبب براءتي، ومن قبلها ستة عشر عامًا وقعت من عمر أمي النبية بسبب براءتها- ولأجل هذا أهديت سورة الأفعى إليهاـ كان علي أن أنظر للعالم بنظرة أخرى، أن أحذر هؤلاء الغرباء من حولي، وقد جمعنا القدر، نأكل من صحن واحد، عيش وملح، لكن هذا لا يعني أي شيء.
بطريقة ما كنت أفكر في يهوذا، نقيض النبي، الحواري الذي باع المسيح مقابل ثلاثين قطعة فضة، تخيل بمثل هذا الرقم الضئيل يمكن للمرء أن يبيع نبيًا، أو نصف نبي، أو إلهًا، إو نصف إلهٍ. 
لم تكن مجرد فكرة؛ كانت هاجسًا. كنت أرى يهوذا في كل مكان، من حولي، وفي كل الوجوه، والأحمق في الصحراء من يأمن لها. كم أفزعتني الصحراء، لا أزال أذكر، كنت طفلًا، لم أردْ أن أخوض مثل هذه التجربة، كيف أترك كتبي الكثيرة، وأوراقي، وأقلامي، وبدلا عنها أمسك سلاحًا. لم أؤمن بالحربِ أبدًا، ولم أتخيل نفسي بيدقًا في يد أحدهم. تجلت بعض شذرات تجربة الجيش في نثيرة "ضفيرة سوداء":


فقدتُ أصبعًا في الحربِّ
من يأمن الصحراء
على الذكرى؟
بحثتُ .. لم أبحثْ
صرختُ ..
لم أسمع صدى
كان لابد من سيجارةٍ
لتحل ..فراغ هذا البتر

وفي نثيرة "إنشودة الحرب والخلود":

في الحرب

لابد من طفل صغير
يعدو متأخرا دوما
على أمل الوصول
-قبل خيول العدو-
إلى بوابة المدينة
هذا الطفل لا يصل
ولا يضل الطريق
بين أشجار الغابة
لا يرشده دخان الحريق
وهو يعرج للأعلى
بالإشارات وبالرموز
يسقط هناك صريعا
بجوار شجر الموز
لأن نصل السيف
أسرع من الأحلام


وكانت تاريخ كتابة هذه القصائد أثناء تجربة الجيش، أو بعدها، فهذه التجربة تركت أثرها عليّ، بل إنها غيرتني تمامًا، لم أخرج منها مثلما دخلت، صرت شخصًا آخرًا. أدمنت لعبة الشطرنج، داخل الجيش، مع الجميع. كانت الحياة أقرب ما تكون إلى لعبة، حرب باردة، خطة يضعها المرء من أجل الحصول على أية غنائم، مثل بصلة واحدة أو ثمرة طماطم جيدة. لم أكن فقط محاصرًا بيهوذا، بل بدأت اللعنة تتسلق جسدي، صرت يهوذا أيضًا.
ولم يكن من المفترض أن تخرج سورة الأفعى على هيئة رواية، أذكر أنني في ذلك الوقت كنت أكتب ديوانًا نثريًا، يدور حول يهوذا، في محاورات مع الشعراء الذين أحبهم، كانت عنوان القصيدة الأولى هي "لزوم ما لا يلزم للخيانة"، في محاورة مع نجيب سرور، ولازلت أملك تلك القصيدة، لكنني لن أنشرها كاملة، فالتجربة الشعورية اختارت شكلها لتخرج في هيئة رواية، يهوذا أراد ذلك، يهوذا خلق هذا العالم، وما كان لي على الأمر من سلطان.



أنتَ قلتَ يا مولاي أن اللعبة غش
وأن الثائر عصفور
محاصرٌ في العشِ
والعشُ مملوءٌ بالأفاعي
فلا داعي
لأن نبادر
بالهروب أو العراك
دعنا نموتُ في هدوءٍ مصطنع
"يسوع لم يتسع للموتِ صدره"
صاحَ إلهي إلهي لم شبقتني؟
وأنا يا مولاي لستُ حوريًا حقيقيًا
وإنما محض حاوي
يعشقُ الكلمات
والنغمات والورق
والورق أس الخداع والحيل


لكن الخطة تغيرت بالكامل، لأن الكتابة تقع في منزلة بين المنزلتين، الوعي واللاوعي، فقد اختارت سورة الأفعى جسدها، وإن حافظت على روحها التي كانت تحاصرني بها في كل مكان. ففي أحد الأيام استيقظت من النوم مفزعًا، وظللت للحظات واقفًا مبهوتًا، أمام ذلك الحلم الذي زارني؛ خيط من الدم يربط ضرسي، خيط رفيع ووجع. أصحو لأرى صور الرواية بأكملها تضرب عيني، الغريب، الشيخ، الأحدب، البابلي، الكهنة، كل أبطال الرواية أراهم حين أصحو وأسمعهم يتحدثون مع بعضهم البعض. وعرفت أن هذه الرواية ليست رواية عادية، إنها معجزة، جائت لتجعلني أعيد النظر في مفهومي عن الكتابة، كانت وحيًا خالصًا، وكنت أعرف كل حرفٍ، كل كلمةٍ،  في الرواية. أنا لم أكتب رواية، بقدر ما حفظت الوحي، بقدر ما شكلت روح يهوذا من جديد.الآن، يمكن لمن يشاء القول أن هذه الرواية لم تكن صادقة، إنها عظيمة لكنها لم تلد من تجربة شعورية عميقة، يمكنهم أن يقولوا هذا أو أكثر، لكننا نعرف أنهم كاذبون، ونعرف أنهم عاجزون. هذه الرواية من الصعب إعادة كتابتها أو كتابة مثلها، وهذا هو التحدي، بالنسبة لي، كتابة الأفضل.

الثلاثاء، 6 يونيو، 2017

في "بنت حلوة وعود" ألعاب الشيمي وحيله.

في "بنت حلوة وعود" ألعاب الشيمي وحيله.

قراءة: عمرو عاشور
تنحاز الجوائز للكتابة الحلوة، وللكتابة الحلوة عدة عوامل منها... وعي الكاتب بما يقدمه وقدرته على الإمساك باللغة وطريقة حكيه، والأهم.. التقنية التى يعول عليها في لعبته، فالكتابة الجيدة لعبة ممتعة في الأساس يتشاركها الكاتب والقارئ، لعبة يبرع فيها الكاتب الجيد الذي يعرف كيف يلاعب القارئ ويتلاعب به أحيانًا... ومصطفي الشيمي لاعب ماهر، لذا... فمن الطبيعي أن تنحاز له الجوائز، وهو الحاصل على جائزة مؤسسة أخبار اليوم عن مجموعة "فراشات ملونة" ضمن أفضل عشر مجموعات 2010م، وجائزة هيئة قصور الثقافة عن مجموعة "عاهرة القمر" 2012م، وجائزة دار جان للنشر الألمانية عن قصة "إنجيل يهوذا"، وأخيرًا مسابقة دبي الثقافية 2015 عن المجموعة التى نحن بصددها الآن "بنت حلوة وعود".
المجموعة تضم أثني عشر قصة، تُفتح المجموعة بقصة معنونة بـ"دودة تعشق الفودكا" وتحكي عن ميت استطاع أن يرشي عزارئيل كي يحصل على ليلة وحيدة وأخيرة، ليجد البطل/الجثة نفسه في شوارع القاهرة، جثة متأكلة تحلم بدخول السينما والبارات ودريم بارك، ولكن من أين المال وقد أخذ عزارئيل كل شئ؟ ويفكر البطل/الجثة في أن يعمل نصف الليلة من أجل الحصول على المتعة في النصف الأخير، فيلتحق بعمال يبنون جدرًا، وحين يحصل على أجره يبدأ في البحث عن فتاة بائسة توافق على مشاركة ليلة مع جثة. نحن أمام شخص منعدم تمامًا حتى من الحياة! يجد ضالته في فتاة المكتبة التى يكتشف أنها أيضًا ضمن الموتي، يذعر ويهرب في شوارع تزدحم بالزومبي، يستغيث البطل/الجثة بعزارئيل ليكتشف أن عزارئيل لمن يكن مرتشيًا! كان عزارئيل قادمًا هذه المرة ليقبض روحه.
أما في قصة "بنت حلوة وعود".. فلعزرائيل وجود قوي أيضًا... حين يدخل الموظف النموذج أحدي البارات متشوقًا لمضاجعة أميرة، فتاة الليل الشبقة والصريحة لدرجة الوقاحة. تندلع مشاجرة بين الفتاة التى تعري الموظف النموذجي  فتقتله، وهنا يتدخل عزارئيل كملاك لفرصة أخيرة فيصنع نهاية أخرى للقصة. فضل الشيمي أن تكون نهاية مفتوحة. للقصة نهاية حددها الكاتب ونهاية أخري تركها لخيال القارئ، إنه يشارك القارئ في اللعبة.
في مقهي العم صالح تدور قصة "توق الفراشة" كاتب يقرأ لصديق، وصديق منزعج وغارق في التفاصيل، تفاصيل تبدو تافهة عن البطلة، شكلها صفاتها ولون عينيها، وما إن يتنهي الكاتب من الرد على صديقه حتى يصعق الصديق فبطلة القصة تجلس خلفهما، تتشاجر مع القهوجي وتكتب، يرتبك الصديق ويفكر في الأمر، ثم يصاب بلهع هل هو أيضًا شخصية متخلية تتكتبها هذه الفتاة؟ وتطرأ عليه فكرة فيتوسل للكاتب أن يمحو تلك الشخصية.. ولكن الكاتب –في نصه- قرر أن يعاقب الزوج والصديق ويحذي بالبطلة، إنه نص يحتفي بالكتابة، وبقدرتها على الخلق وتحقيق الآمال.
نري كيف يصلب الآخر أحلام الفتيات في قصة "كأس مقدس" من خلال بطلة القصة التى تحلم بالتمثيل والشهرة، اليوم هي أمام الكاميرات، وقد قال لها المخرج (إنتِ المسيح) فتذكرت كيف كان صلبها –هي- فعليا! فالأب الذي يري في طفلته نموذج الفتاة المهذبة التى لا تتعامل مع الأولاد وليس لديها أحلام قد غرس مسمارًا في يديها اليمني. ويوسف الحبيب الذي رأت فيه رشدي أباظة معشوقها قد غرس مسمارًا في يدها اليسرى بعدما وشي بحلمها فسخر منها الجميع. أما عن القدم اليمني فهي عاداتها السرية بالتدخين والاستسلام لاحكام الآخر عليها. وتبقي القدم اليسري، وممارسة الحلم بالقراءة والتمني، وإن كانت في الخفاء.. الكأس المقدس هو الكأس الذي تتجرع منه كل فتاة عربية لديها حلم.
"إنجيل يهوذا" وقصة عشق بين عاهرة تعرف أن ليس للعاهرات حق في العشق وعابد يعرف أن من حق العاهرات أن يعشقن، مواجهة جديدة مع الآخر، ما يريده المجتمع وما يرغمنا عليه الآخر، يقررا الهرب سويًا والزواج ولكن (إلى أين؟ قلنا "إلى أي مكان! لا يوجد مكان يتسع لنا، فقد تساوت الأمكنة، كانت مملكتنا بعيدة جدا عن هذا العالم).
 الرواي في "الحياة من خارج التلفاز" شاهد على جريمة قتل.. يبدأ قصته بتساؤل (هل قتلت أم عماد امرأة الطابق الأول؟) هو يعرف الحكاية بتفاصيلها، يدرك جيدًا سر العداوة بين المرأتين، ورأي بعينه الجريمة وهي تقع، ورغم ذلك يظل يردد السؤال السابق كل حين. هو شخص يعرف كل شئ ولكنه منفصل عنه، منفصل عن هذا العالم الغارق في الوحل ومنشغل فقط برعاية وردة جديدة..
وفي "مؤخرة بيضاء" يداهمنا الشيمي بافتتاحية عجيبة (مرحبًا. أنا رجل عاجز جنسيًا. أقصد أن قضيبي طويل جدًا، وكنتُ أضاجع المرأة الواحدة في ساعة كاملة).. بتلك الجمل يدخلنا الشيمي في قصة هي أشبه بقصة يوسف.. الجارة تكتشف أن حمادة فحل جنسيًا فتدمنه حتى يكتشف الجيران سر العلاقة (تفتح الباب عارية، وتسب لهم الدين وتقول: حمادة جميل وفحل) فيثوروا عليها ويطردونها من الحارة. غير أن نساء الحارة يُضربن بحمادة، وحمادة يُضرب بالسجائر، والسجائر تقلب حياته جحيم فيصاب بمرض في المعدة يجعل رائحة فمه لا تطاق وتجعله يفقد قدرته على إمتاع النساء، وهنا يظهر الرابط بين الافتتاحية وما يقصده الراوي.
ثم يبدأ الشيمي في "صلاة أخيرة" بهدم نموذج الأم المثالية، يبدأ الراوي حكايته بـ(عندما كنتُ أراها تبكي بخشوع، وهي تصلي، أري الكعبة الشريفة وأشم نسيمها) الرواي كأي ابن يري أمه في مكانة عظيمة. غير أن الشيطان يدخل في اللعبة، الشيطان المثقف الذي يعرف توفيق الحكيم ويستشهد بجبران يوسوس للرواي حتى يسقط في غوايته ويظن بأمه السوء فيثق به ويقررا سويًا نصب شرك للأم، وتسقط الأم في الشرك مع عشيقها، يصعق البطل ويحثه الشيطان على قتلها، وهنا الجزء الأضعف في القصة، يستعيذ بالله ويقهر الشيطان!.
"بازل" هي القصة الأهم في المجموعة، وفيها استخدم الشيمي كامل تقنياته وإن كانت تشبه "توق الفراشة" غير أنها أنضج، فهي تحتفي بالكتابة وتراكيب الكلمات والتلاعب بواسطة الهوامش وتحتوي في متنها على الكثير، لذا فمن الأفضل أن تُترك للقارئ ليستمتع باللعبة وبالتلاعب به.
"مريمة والناي" هي القصة الأضعف من وجهة نظري، تحكي عن طبيب هائج متيم بمريمة ابنة الشيخ، جسد مريمة الفائر في خطر، يستدعي والدها الطبيب، والطبيب يعرف أن ما تمر به مريمة ناتج عن شهوتها المفرطة ورغبتها في المضاجعة، في الحقيقة الطبيب هو من كانت شهوته غالبة حين كشف عليها، ليس بعين الطبيب ولكن بعين الشهواني، ثم صنف مرضها بأنه فطريات ورحل، في الحقيقة كان جسد مريمة لدغة ثعبان، كانت مسمومة وكان جسدها يحتاج للعلاج غير أن شهوة الطبيب قتلتها! فقد (عجز الطب عن التفريق بين الشهوة والموت).
يتكأ الشيمي في "عمارة سواء" على تقنية جديدة في البناء، والتي دلل عليها بـ (مدخل العمارة/النص) فالعمارة هنا هي النص فعلا.. وتحكي عن عمارة من أربعة طوابق، يسكن مدخلها العناكب والموتي الأحياء، يتحاشاها الناس ويخافون منها. وفي مرة تُجبر الفتاة التى لا لون لها -أثر هربها من المجهول- على دخول العمار لتكتشف أن العمارة القبيحة والموحشة من الخارج ما هي إلا مبني مبهج ألوانها، وهكذا تكتشف الطوابق وتكتشف أيضًا لونًا جديدًا في كل طابق... الطابق/الأحمر، الطابق/الأزرق، الطابق/الأصفر إلى أن تصل للسماء. تستيقظ الفتاة لتجد نفسها قد أصبحت واحدة من الموتي الأحياء السعداء الذين يسكنون العمارة ويرهبون الناس ولا يتوقفون عن إرسال إشاراتهم لمن يستحق.
يمكننا أن نقول على قصة "ديناصور أزرق" وهي القصة الأخيرة بالمجموعة، أنها قصة تملك افتتاحية عظيمة تكفي لأن تكون قصة قصيرة مكثفة جدًا غير أن الاسترسال والمباشرة قد اسقطاها.. (الديناصور الذي ظهر فجأة في شوارع القاهرة أفسد كل شيئ، وأنا كنتُ أريد العودة إلى المنزل)... تلك الافتتاحية تذكرني بقصة ما (عندما استيقظت من نومي كان الديناصور لا يزال واقفًا) لا أعرف إذا كان هذا نص القصة أم حرفته ذاكرتي الضعيفة؟ حسنًا. لا يهم، المهم هنا أننا أمام افتتاحية تكفي لأن تكون – هي الأخري- قصة رائعة، ولكن ماذا حدث؟ تحكي القصة عن رجل يريد أن يذهب إلى منزله رغم أن الديناصور قابع عند المنزل (يصحون: "الديناصور وراء تلك العمارة العالية" وأصرخ أنا أيضًا: منزلي.. منزلي هناك).. لماذا يصر البطل على العودة لمنزله؟ لأن ابنته المصابة بالسرطان تنتظره هناك. لقد وقعت القصة في المباشرة وهو ما تحاشه مصطفي الشيمي ببراعة طوال القصص السابقة. في المجمل نحن بصدد عمل يستحق الاهتمام والتأمل.