هناك من تمشي خطاه على خطاي

الخميس، 22 يونيو، 2017

عين واحدة


عين واحدة


مصطفى الشيمي


عين
أغرس فيها الإبر الصينية
ألعب فيها بإبر الكروشيه
وأغمس فيها أعواد الأكل،
بيد خبيرةٍ
دون أن أصدر ضجةً
حتى لا أزعج جاري الميت.
وحتى لا أزعج الحمامة التي تسكن نافذتي
أؤجل فكرة القفز من الطابق العاشر
رغم توقي للطيران
أنا مصابٌ بفيروس خطير
لا يجعلني أغضب 
عندما يسرق لصوص المسجد حذائي
ويتركون لي قدمين حافيتين للعودة إلى المنزل
قدمان مهترئتان
يتسربُ الزيت منهما
وتتركان بقعة كبيرة في منتصف الطريق.
عين واحدة
تتهمها امرأتي بالخبلانِ
عين ترى البحر، والأخرى تطارد النورس.


الاثنين، 12 يونيو، 2017

على ظهر سلحفاة


على ظهر سلحفاة

مصطفى الشيمي



لوحة The thing has a hook للرسام Bernard Simunovic



العالم سلحفاة عجوز
وأنا على ظهرِها
أدخنُ تبغًا رخيصًا
وأبصقُ كوابيس طفولتي
أضع عيني على الطريق
مثل قرصان
لا أريد نهايتي الآن
أبصرُ بقايا خطوتي
والريح دود
يأكل كل شيء
شجرةٌ تقوم من مرقدِها
وترقصُ رغم جذعها الآسن
أنا لستُ أدري
العين تجري في الهواء
في السماوات البعيدة
في انفجارات النجوم
في الفراغ الأسود المجنون
أنا لا أراني.
أفكر في اقتلاعِ عيني الأخرى
أعلقها،
كطعم في سنارتي
أسمع
أنين العالم الجائع
الموت يأتي
يلتهم عيني
من فريسة من؟
وكأنني أرى العالم الآن.


السبت، 10 يونيو، 2017

سورة الأفعى - ظل يهوذا على الأرض


سورة الأفعى - ظل يهوذا على الأرض





إذا ما قرأت عملًا أدبيًا، أعجبك، وأردت أن تنكره، وترده عن ذوقك، إذ لا يعقل أن هناك كتابة أعجزتك وأبهرتك بجمالها، فإن أفضل طريقة لأن تفعل ذلك، هو الإدعاء بعدم صدق العمل الأدبي. قل "الكاتب لم يكن صادقًا في كتابة هذا النص، الكاتب كان مدعيًا"، فلا سبيل واحد لإثبات صدق هذه الدعوى، إنها عبارة فضفاضة، لا قيمة لها، لكنها قاتلة. كيف يمكن - نقديًا- إثبات صدق التجربة الشعورية للكاتب عند كتابة هذا العمل الأدبي؟ لم أقرأ في كتبِ النقد مقياسًا واحدًا لفعل ذلك، إنها عبارة أقرب ما تكون إلى فخ أو رصاصة غادرة. فإذا ما صادفك مثل هذا القول، فاعرف إنها طريقة الحاقدين لهدم عملك الأدبي، أو محاربتك، غيرة منك أو خشية، فالكتابة الجيدة تهدد عروشهم وتفضحهم.

إذا ما كانت هذه التهمة هي أفضل رصاصة لقتل عمل أدبي جيد، لأنها لا يمكن الامساك بها، ولا يمكن ردها في ظنهم، فإننا لا نستطيع الرد بالقول: "إن رواية سورة الأفعى رواية عظيمة"، فهذا أمر متروك للتاريخ كي ينتصر لها، وسينتصر لها . يمكننا فقط أن نتحدث عن تجربة كتابة سورة الأفعى، عن التجربة الشعورية التي ولدت هذا النص.
كان العام هو ٢٠١٣م، في تلك الفترة التي كتبت فيها مجموعتي بنت حلوة وعود، وكنت في انتظار قضاء خدمتي العسكرية التي بدأت عام ٢٠١٤م، وكان القلب مصابًا بجرح نتيجة خسارة أحد الأصدقاء، بل أقربهم في ذلك الوقت، وهي خسارة ممزوجة بالخيانة، فصديقي؛ باع عشرة سنوات كاملة من العيش والملح، واشترى بها امرأة مجدلية. لم أفهم وقتها كيف يمكن للمرء، أن يرتدي الأقنعة، أن يكون أخًا لك، وخنجرًا في ظهرك. أحلامنا في الكتابة، والمجد، وإيماننا بالشعراء والأدباء وشيوخ الطرق تتبدد فجأة، وعرفت أن هذا الصديق، واحدًا من كثيرين في الوسط الأدبي، يشترون بكتابتهم القليل من الزاد، أو الشهرة، دون إيمان حقيقي بجدوى الكتابة. عرفت هذه الخيانة في أيامي الأولى في معسكر التدريب، داخل الجيش، وفي أول أجازة كتبت هذه القصيدة "المسيح لا يلعب الشطرنج".
ولما عدت إلى مركز التدريب، بدأت أراقب العالم بشك كبير، عشرة أعوام من عمري وقعت مني بسبب براءتي، ومن قبلها ستة عشر عامًا وقعت من عمر أمي النبية بسبب براءتها- ولأجل هذا أهديت سورة الأفعى إليهاـ كان علي أن أنظر للعالم بنظرة أخرى، أن أحذر هؤلاء الغرباء من حولي، وقد جمعنا القدر، نأكل من صحن واحد، عيش وملح، لكن هذا لا يعني أي شيء.
بطريقة ما كنت أفكر في يهوذا، نقيض النبي، الحواري الذي باع المسيح مقابل ثلاثين قطعة فضة، تخيل بمثل هذا الرقم الضئيل يمكن للمرء أن يبيع نبيًا، أو نصف نبي، أو إلهًا، إو نصف إلهٍ. 
لم تكن مجرد فكرة؛ كانت هاجسًا. كنت أرى يهوذا في كل مكان، من حولي، وفي كل الوجوه، والأحمق في الصحراء من يأمن لها. كم أفزعتني الصحراء، لا أزال أذكر، كنت طفلًا، لم أردْ أن أخوض مثل هذه التجربة، كيف أترك كتبي الكثيرة، وأوراقي، وأقلامي، وبدلا عنها أمسك سلاحًا. لم أؤمن بالحربِ أبدًا، ولم أتخيل نفسي بيدقًا في يد أحدهم. تجلت بعض شذرات تجربة الجيش في نثيرة "ضفيرة سوداء":


فقدتُ أصبعًا في الحربِّ
من يأمن الصحراء
على الذكرى؟
بحثتُ .. لم أبحثْ
صرختُ ..
لم أسمع صدى
كان لابد من سيجارةٍ
لتحل ..فراغ هذا البتر

وفي نثيرة "إنشودة الحرب والخلود":

في الحرب

لابد من طفل صغير
يعدو متأخرا دوما
على أمل الوصول
-قبل خيول العدو-
إلى بوابة المدينة
هذا الطفل لا يصل
ولا يضل الطريق
بين أشجار الغابة
لا يرشده دخان الحريق
وهو يعرج للأعلى
بالإشارات وبالرموز
يسقط هناك صريعا
بجوار شجر الموز
لأن نصل السيف
أسرع من الأحلام


وكانت تاريخ كتابة هذه القصائد أثناء تجربة الجيش، أو بعدها، فهذه التجربة تركت أثرها عليّ، بل إنها غيرتني تمامًا، لم أخرج منها مثلما دخلت، صرت شخصًا آخرًا. أدمنت لعبة الشطرنج، داخل الجيش، مع الجميع. كانت الحياة أقرب ما تكون إلى لعبة، حرب باردة، خطة يضعها المرء من أجل الحصول على أية غنائم، مثل بصلة واحدة أو ثمرة طماطم جيدة. لم أكن فقط محاصرًا بيهوذا، بل بدأت اللعنة تتسلق جسدي، صرت يهوذا أيضًا.
ولم يكن من المفترض أن تخرج سورة الأفعى على هيئة رواية، أذكر أنني في ذلك الوقت كنت أكتب ديوانًا نثريًا، يدور حول يهوذا، في محاورات مع الشعراء الذين أحبهم، كانت عنوان القصيدة الأولى هي "لزوم ما لا يلزم للخيانة"، في محاورة مع نجيب سرور، ولازلت أملك تلك القصيدة، لكنني لن أنشرها كاملة، فالتجربة الشعورية اختارت شكلها لتخرج في هيئة رواية، يهوذا أراد ذلك، يهوذا خلق هذا العالم، وما كان لي على الأمر من سلطان.



أنتَ قلتَ يا مولاي أن اللعبة غش
وأن الثائر عصفور
محاصرٌ في العشِ
والعشُ مملوءٌ بالأفاعي
فلا داعي
لأن نبادر
بالهروب أو العراك
دعنا نموتُ في هدوءٍ مصطنع
"يسوع لم يتسع للموتِ صدره"
صاحَ إلهي إلهي لم شبقتني؟
وأنا يا مولاي لستُ حوريًا حقيقيًا
وإنما محض حاوي
يعشقُ الكلمات
والنغمات والورق
والورق أس الخداع والحيل


لكن الخطة تغيرت بالكامل، لأن الكتابة تقع في منزلة بين المنزلتين، الوعي واللاوعي، فقد اختارت سورة الأفعى جسدها، وإن حافظت على روحها التي كانت تحاصرني بها في كل مكان. ففي أحد الأيام استيقظت من النوم مفزعًا، وظللت للحظات واقفًا مبهوتًا، أمام ذلك الحلم الذي زارني؛ خيط من الدم يربط ضرسي، خيط رفيع ووجع. أصحو لأرى صور الرواية بأكملها تضرب عيني، الغريب، الشيخ، الأحدب، البابلي، الكهنة، كل أبطال الرواية أراهم حين أصحو وأسمعهم يتحدثون مع بعضهم البعض. وعرفت أن هذه الرواية ليست رواية عادية، إنها معجزة، جائت لتجعلني أعيد النظر في مفهومي عن الكتابة، كانت وحيًا خالصًا، وكنت أعرف كل حرفٍ، كل كلمةٍ،  في الرواية. أنا لم أكتب رواية، بقدر ما حفظت الوحي، بقدر ما شكلت روح يهوذا من جديد.الآن، يمكن لمن يشاء القول أن هذه الرواية لم تكن صادقة، إنها عظيمة لكنها لم تلد من تجربة شعورية عميقة، يمكنهم أن يقولوا هذا أو أكثر، لكننا نعرف أنهم كاذبون، ونعرف أنهم عاجزون. هذه الرواية من الصعب إعادة كتابتها أو كتابة مثلها، وهذا هو التحدي، بالنسبة لي، كتابة الأفضل.

الثلاثاء، 6 يونيو، 2017

في "بنت حلوة وعود" ألعاب الشيمي وحيله.

في "بنت حلوة وعود" ألعاب الشيمي وحيله.

قراءة: عمرو عاشور
تنحاز الجوائز للكتابة الحلوة، وللكتابة الحلوة عدة عوامل منها... وعي الكاتب بما يقدمه وقدرته على الإمساك باللغة وطريقة حكيه، والأهم.. التقنية التى يعول عليها في لعبته، فالكتابة الجيدة لعبة ممتعة في الأساس يتشاركها الكاتب والقارئ، لعبة يبرع فيها الكاتب الجيد الذي يعرف كيف يلاعب القارئ ويتلاعب به أحيانًا... ومصطفي الشيمي لاعب ماهر، لذا... فمن الطبيعي أن تنحاز له الجوائز، وهو الحاصل على جائزة مؤسسة أخبار اليوم عن مجموعة "فراشات ملونة" ضمن أفضل عشر مجموعات 2010م، وجائزة هيئة قصور الثقافة عن مجموعة "عاهرة القمر" 2012م، وجائزة دار جان للنشر الألمانية عن قصة "إنجيل يهوذا"، وأخيرًا مسابقة دبي الثقافية 2015 عن المجموعة التى نحن بصددها الآن "بنت حلوة وعود".
المجموعة تضم أثني عشر قصة، تُفتح المجموعة بقصة معنونة بـ"دودة تعشق الفودكا" وتحكي عن ميت استطاع أن يرشي عزارئيل كي يحصل على ليلة وحيدة وأخيرة، ليجد البطل/الجثة نفسه في شوارع القاهرة، جثة متأكلة تحلم بدخول السينما والبارات ودريم بارك، ولكن من أين المال وقد أخذ عزارئيل كل شئ؟ ويفكر البطل/الجثة في أن يعمل نصف الليلة من أجل الحصول على المتعة في النصف الأخير، فيلتحق بعمال يبنون جدرًا، وحين يحصل على أجره يبدأ في البحث عن فتاة بائسة توافق على مشاركة ليلة مع جثة. نحن أمام شخص منعدم تمامًا حتى من الحياة! يجد ضالته في فتاة المكتبة التى يكتشف أنها أيضًا ضمن الموتي، يذعر ويهرب في شوارع تزدحم بالزومبي، يستغيث البطل/الجثة بعزارئيل ليكتشف أن عزارئيل لمن يكن مرتشيًا! كان عزارئيل قادمًا هذه المرة ليقبض روحه.
أما في قصة "بنت حلوة وعود".. فلعزرائيل وجود قوي أيضًا... حين يدخل الموظف النموذج أحدي البارات متشوقًا لمضاجعة أميرة، فتاة الليل الشبقة والصريحة لدرجة الوقاحة. تندلع مشاجرة بين الفتاة التى تعري الموظف النموذجي  فتقتله، وهنا يتدخل عزارئيل كملاك لفرصة أخيرة فيصنع نهاية أخرى للقصة. فضل الشيمي أن تكون نهاية مفتوحة. للقصة نهاية حددها الكاتب ونهاية أخري تركها لخيال القارئ، إنه يشارك القارئ في اللعبة.
في مقهي العم صالح تدور قصة "توق الفراشة" كاتب يقرأ لصديق، وصديق منزعج وغارق في التفاصيل، تفاصيل تبدو تافهة عن البطلة، شكلها صفاتها ولون عينيها، وما إن يتنهي الكاتب من الرد على صديقه حتى يصعق الصديق فبطلة القصة تجلس خلفهما، تتشاجر مع القهوجي وتكتب، يرتبك الصديق ويفكر في الأمر، ثم يصاب بلهع هل هو أيضًا شخصية متخلية تتكتبها هذه الفتاة؟ وتطرأ عليه فكرة فيتوسل للكاتب أن يمحو تلك الشخصية.. ولكن الكاتب –في نصه- قرر أن يعاقب الزوج والصديق ويحذي بالبطلة، إنه نص يحتفي بالكتابة، وبقدرتها على الخلق وتحقيق الآمال.
نري كيف يصلب الآخر أحلام الفتيات في قصة "كأس مقدس" من خلال بطلة القصة التى تحلم بالتمثيل والشهرة، اليوم هي أمام الكاميرات، وقد قال لها المخرج (إنتِ المسيح) فتذكرت كيف كان صلبها –هي- فعليا! فالأب الذي يري في طفلته نموذج الفتاة المهذبة التى لا تتعامل مع الأولاد وليس لديها أحلام قد غرس مسمارًا في يديها اليمني. ويوسف الحبيب الذي رأت فيه رشدي أباظة معشوقها قد غرس مسمارًا في يدها اليسرى بعدما وشي بحلمها فسخر منها الجميع. أما عن القدم اليمني فهي عاداتها السرية بالتدخين والاستسلام لاحكام الآخر عليها. وتبقي القدم اليسري، وممارسة الحلم بالقراءة والتمني، وإن كانت في الخفاء.. الكأس المقدس هو الكأس الذي تتجرع منه كل فتاة عربية لديها حلم.
"إنجيل يهوذا" وقصة عشق بين عاهرة تعرف أن ليس للعاهرات حق في العشق وعابد يعرف أن من حق العاهرات أن يعشقن، مواجهة جديدة مع الآخر، ما يريده المجتمع وما يرغمنا عليه الآخر، يقررا الهرب سويًا والزواج ولكن (إلى أين؟ قلنا "إلى أي مكان! لا يوجد مكان يتسع لنا، فقد تساوت الأمكنة، كانت مملكتنا بعيدة جدا عن هذا العالم).
 الرواي في "الحياة من خارج التلفاز" شاهد على جريمة قتل.. يبدأ قصته بتساؤل (هل قتلت أم عماد امرأة الطابق الأول؟) هو يعرف الحكاية بتفاصيلها، يدرك جيدًا سر العداوة بين المرأتين، ورأي بعينه الجريمة وهي تقع، ورغم ذلك يظل يردد السؤال السابق كل حين. هو شخص يعرف كل شئ ولكنه منفصل عنه، منفصل عن هذا العالم الغارق في الوحل ومنشغل فقط برعاية وردة جديدة..
وفي "مؤخرة بيضاء" يداهمنا الشيمي بافتتاحية عجيبة (مرحبًا. أنا رجل عاجز جنسيًا. أقصد أن قضيبي طويل جدًا، وكنتُ أضاجع المرأة الواحدة في ساعة كاملة).. بتلك الجمل يدخلنا الشيمي في قصة هي أشبه بقصة يوسف.. الجارة تكتشف أن حمادة فحل جنسيًا فتدمنه حتى يكتشف الجيران سر العلاقة (تفتح الباب عارية، وتسب لهم الدين وتقول: حمادة جميل وفحل) فيثوروا عليها ويطردونها من الحارة. غير أن نساء الحارة يُضربن بحمادة، وحمادة يُضرب بالسجائر، والسجائر تقلب حياته جحيم فيصاب بمرض في المعدة يجعل رائحة فمه لا تطاق وتجعله يفقد قدرته على إمتاع النساء، وهنا يظهر الرابط بين الافتتاحية وما يقصده الراوي.
ثم يبدأ الشيمي في "صلاة أخيرة" بهدم نموذج الأم المثالية، يبدأ الراوي حكايته بـ(عندما كنتُ أراها تبكي بخشوع، وهي تصلي، أري الكعبة الشريفة وأشم نسيمها) الرواي كأي ابن يري أمه في مكانة عظيمة. غير أن الشيطان يدخل في اللعبة، الشيطان المثقف الذي يعرف توفيق الحكيم ويستشهد بجبران يوسوس للرواي حتى يسقط في غوايته ويظن بأمه السوء فيثق به ويقررا سويًا نصب شرك للأم، وتسقط الأم في الشرك مع عشيقها، يصعق البطل ويحثه الشيطان على قتلها، وهنا الجزء الأضعف في القصة، يستعيذ بالله ويقهر الشيطان!.
"بازل" هي القصة الأهم في المجموعة، وفيها استخدم الشيمي كامل تقنياته وإن كانت تشبه "توق الفراشة" غير أنها أنضج، فهي تحتفي بالكتابة وتراكيب الكلمات والتلاعب بواسطة الهوامش وتحتوي في متنها على الكثير، لذا فمن الأفضل أن تُترك للقارئ ليستمتع باللعبة وبالتلاعب به.
"مريمة والناي" هي القصة الأضعف من وجهة نظري، تحكي عن طبيب هائج متيم بمريمة ابنة الشيخ، جسد مريمة الفائر في خطر، يستدعي والدها الطبيب، والطبيب يعرف أن ما تمر به مريمة ناتج عن شهوتها المفرطة ورغبتها في المضاجعة، في الحقيقة الطبيب هو من كانت شهوته غالبة حين كشف عليها، ليس بعين الطبيب ولكن بعين الشهواني، ثم صنف مرضها بأنه فطريات ورحل، في الحقيقة كان جسد مريمة لدغة ثعبان، كانت مسمومة وكان جسدها يحتاج للعلاج غير أن شهوة الطبيب قتلتها! فقد (عجز الطب عن التفريق بين الشهوة والموت).
يتكأ الشيمي في "عمارة سواء" على تقنية جديدة في البناء، والتي دلل عليها بـ (مدخل العمارة/النص) فالعمارة هنا هي النص فعلا.. وتحكي عن عمارة من أربعة طوابق، يسكن مدخلها العناكب والموتي الأحياء، يتحاشاها الناس ويخافون منها. وفي مرة تُجبر الفتاة التى لا لون لها -أثر هربها من المجهول- على دخول العمار لتكتشف أن العمارة القبيحة والموحشة من الخارج ما هي إلا مبني مبهج ألوانها، وهكذا تكتشف الطوابق وتكتشف أيضًا لونًا جديدًا في كل طابق... الطابق/الأحمر، الطابق/الأزرق، الطابق/الأصفر إلى أن تصل للسماء. تستيقظ الفتاة لتجد نفسها قد أصبحت واحدة من الموتي الأحياء السعداء الذين يسكنون العمارة ويرهبون الناس ولا يتوقفون عن إرسال إشاراتهم لمن يستحق.
يمكننا أن نقول على قصة "ديناصور أزرق" وهي القصة الأخيرة بالمجموعة، أنها قصة تملك افتتاحية عظيمة تكفي لأن تكون قصة قصيرة مكثفة جدًا غير أن الاسترسال والمباشرة قد اسقطاها.. (الديناصور الذي ظهر فجأة في شوارع القاهرة أفسد كل شيئ، وأنا كنتُ أريد العودة إلى المنزل)... تلك الافتتاحية تذكرني بقصة ما (عندما استيقظت من نومي كان الديناصور لا يزال واقفًا) لا أعرف إذا كان هذا نص القصة أم حرفته ذاكرتي الضعيفة؟ حسنًا. لا يهم، المهم هنا أننا أمام افتتاحية تكفي لأن تكون – هي الأخري- قصة رائعة، ولكن ماذا حدث؟ تحكي القصة عن رجل يريد أن يذهب إلى منزله رغم أن الديناصور قابع عند المنزل (يصحون: "الديناصور وراء تلك العمارة العالية" وأصرخ أنا أيضًا: منزلي.. منزلي هناك).. لماذا يصر البطل على العودة لمنزله؟ لأن ابنته المصابة بالسرطان تنتظره هناك. لقد وقعت القصة في المباشرة وهو ما تحاشه مصطفي الشيمي ببراعة طوال القصص السابقة. في المجمل نحن بصدد عمل يستحق الاهتمام والتأمل.


الجمعة، 2 يونيو، 2017

أمطار صيفية والبحث عن خلاص الإنسان

 أمطار صيفية والبحث عن خلاص الإنسان

قراءة مصطفى الشيمي



رواية أمطار صيفية، أو وكالة الموصلي كما كان يجب أن تُسمى؛ فالوكالة هنا كعبة يطوف حولها أبطال العمل، ومنها يولد الصراع؛ بين أطراف عدة، الصوفيين والسلفيين، الشرق والغرب، الروح والمادة، لو كان لزامًا علينا أن نرى الأشياء في صورة متقابلات فإن هذا هو موضعها، في الرواية نرى أسئلة عن موقعنا من العالم؟ بثقافتنا وموروثنا الممتدة جذورها إلى الماضي السحيق، ربما لأننا ما زلنا نمشي وعلى ظهورنا هذا الماضي الثقيل، مثل سيزيف.
إننا نبدأ قراءة العمل، برتم هادئ، يشدنا ويغوينا للقراءة، كأننا ندخل مع بطل العمل يوسف إلى وكالة الموصلي للمرة الأولى، نتأمل تجاعيد المكان الأثري، خطوط الزمن التي تم خربشتها على الجدران، إن الأماكن شبيهة بالإنسان، تتجلى روحها كلما اقتربنا من موطن طفولتها أو شيخوختها.
هذا الرتم الهادئ يبدو مناسبًا للذكر الصوفي، على أنغام العود، يبدأ الرتم بالتصاعد –بإيقاع- ويلقي بنا في حيرة سوداء، أمام اختيار موقعنا، انتمائنا، إيماننا. يقع البطل يوسف في الغواية، في حيرة سوداء لا قرار لها، أمام زينة التي تجسد الآخر/ الغرب، عالم المادة، حيث لا مكان للإيمان أو للروح- وهي صورة متروك للقارئ الحكم على صوابها أو خطئها، ومع هذا فإن الرواية لا تدين الآخر بقدر ما تدين أفكارنا، إيماننا بالخرافات والأساطير التي لا وجود لها.
إن عالم الرواية بدا في عيني، كروح امرأة غاوية، زينة، تلك الشيطانة التي تحوم حولنا، حتى توقعنا في مصيدتها؛ أسئلتها، مطرقة من الشك ولا إجابة لدينا. ثوابتنا تصطدم بالحضارة الحديثة، نحاول الإمساك بمنتصف العصا، لكننا نفشل. إنها ليست شيطانة تمامًا، ربما هكذا تبدو، لأنها لا تخبرنا بشيء غير الحقيقة. "الموصلي ليس موجودًا، والوكالة ستنهار، على يد السلفيين أو الصوفيين، أو المنتفعين من خارج الدائرة، علينا أن نجد طريقًا آخرًا".
أجاد القرملاوي في خلق مكان أسطوري، وشخصية أسطورية، تركت ظلالها على عالم الرواية بالكامل، وهي شخصية عبادة الموصلي، أجاد للدرجة التي يخيل للقارئ فيها أن هذه الشخصية حقيقة في التاريخ الصوفي، وكذلك الوكالة، وعند البحثِ لا يجد المرء أثرًا لهما، وكل الحكايات التي رويت عن الموصلي، حكايات مختلقة، ومن فرط صدقها وجمالها يؤمن بها المرء.
لغة القرملاوي هربت من فخ الإكليشيهات، ووجدت في التراث ملاذها؛ ألفاظ رأى القرملاوي أنها خير معبر عن الحال، لكن التشبيهات أوقعت الكاتب في فخ المعتاد، غير المدهش، الصور المكررة المألوفة. أما لغة القرملاوي في الحوار، فكانت موفقة، الفصحى الدارجة، فلسفة نجيب محفوظ في الحوار، لولا بعض الهنات القليلة، هنا وهناك، والتي لم تراها العين في القراءة العابرة. ما الذي تراه العين في القراءة العابرة إذًا؟ آه، توجد بعض المشكلات، تبدأ من الأسماء، أسماء الأبطال الذي أجاد الكاتب في رسمهم شخصياتهم، والالتزام بهذا الوصف، لقد حدد كل شيء جيدًا، من هذا البطل؟ ماذا يفعل؟ وكيف يفكر؟ الجهد المبذول جليًا، لكن هذا الجهد كشف عن نظرة طفولية للأبطال، من اختيار الأسماء، التي تحمل ما تحمل من دلالات، فالبطل، يوسف هنا يسقط في الغواية، وهذا يذكرنا بدلالات اسم يوسف، وزينة هنا هي رمز الغواية، بما يحمل لفظة زينة من دلالات قرآنية تعبر عن الغواية والشيطنة، وذاكر هنا الشيخ التقي شديد الورع، لذا فهو يدعى ذاكر، وزايد الطماع الذي يريد المزيد دومًا، يدعى زياد. والحياة على خلاف هذا، لا نحمل قدرًا من أسمائنا سوى في الروايات، وقد أقبلها في بطل واحد، مثل رمية نرد، لا في جميع الأبطال. الفن قائم على الإيحاء، والمباشرة تقتل النص، وتكشف لنا الكاتب، فوق رؤوسنا، يمسك بخيوط الأبطال، كمن يمسك بدمى الماريونت؛ الكاتب الجيد يعمي القارئ عن خيوط الماريونيت التي يمسك من خلالها بالأبطال، كلما كانت هذه الخيوط واهية، رفيعة، غير مرئية للعين، صدق القارئ ما يجري أكثر وآمن بهذا العالم، كيف نصدق الأبطال ونحن نراهم محض دمى؟ الخيط الرفيع يتجلى لنا، نراه مثل جمل السفن، الحبل الغليظ المصنوع من الليف. الأبطال يمشون – بشكل قدري- في خط مستقيم، من النقطة أ إلى النقطة ب، من الممكن للقارئ أن يكمل الرواية ويصل بها إلى النهاية دون جهد، ما دام مشى وفقًا للمعطيات، وهذه عملية رياضية، ليست أدبًا. الإنسان لا يمشي في خط مستقيم، الإنسان يتذبذب، يحتار، يشك، في دوائر تبدو عشوائية للعين، يقفز من نقطة إلى أخرى، هذا يكسر المتوقع ويحطم الشكل، خالقًا وجوده. الإنسان هكذا، يدور حول نقائض الأشياء، أما خلق شكل جامد للإنسان، خلق شكل جامد للبنية للرواية، فهذا لم يكن جيدًا. الأحداث مشت – كما خطط لها- في خط مستقيم، كل الأبطال ذهبوا إلى أقدارهم المحددة مسبقًت بدء من أسمائهم، هذه القدرية التي فُرضت على الأبطال المساكين، قتلتهم. لم يكونوا أحياء، فالكاتب لم يترك لهم بعض الهواء ليتنفسوا، لم يترك لهم براحًا ليخرجوا عن الخطة، ليفرضوا وجودهم، لا، لم يكن لديهم فرصة لفعل ذلك، وهم مقيدون من رقابهم لقد سبق وجودهم ماهيتهم.
مشى كل شيء في مساره، لم يكن هناك ما يكسر المتوقع، سوى تدخل راو آخر، ليأخذ مساحة صغيرة من الراوي الغائب – الذي يبدو واحدًا منا- لنرى من عين أخرى، وفمٍ يلقي لنا بمعلومات تكسر الرتم، وتزيد من التشويق، لكن هذا الراوي يتدخل بحجة لم تكن قوية، باعتبارها ناشرة العمل، ولها الحق في إجراء المداخلات وفقًا لشروط العقد، هذا لا يحدث في عالم الكتابة، لا يبدو صادقًا، يعيدنا مرة أخرى إلى أزمة التعمد، المباشرة. على أية حال، النص جيد، ومبذول في كتابته جهد، ويطرح أسئلة تمس واقعنا، وموقعنا من العالم، وبرغم تلك المشاكل – الصغيرة أو الكبيرة- فإن أمطار صيفية، أو وكالة الموصلي، تجد في قلوبنا مكانًا لها.