هناك من تمشي خطاه على خطاي

السبت، 10 يونيو، 2017

سورة الأفعى - ظل يهوذا على الأرض


سورة الأفعى - ظل يهوذا على الأرض





إذا ما قرأت عملًا أدبيًا، أعجبك، وأردت أن تنكره، وترده عن ذوقك، إذ لا يعقل أن هناك كتابة أعجزتك وأبهرتك بجمالها، فإن أفضل طريقة لأن تفعل ذلك، هو الإدعاء بعدم صدق العمل الأدبي. قل "الكاتب لم يكن صادقًا في كتابة هذا النص، الكاتب كان مدعيًا"، فلا سبيل واحد لإثبات صدق هذه الدعوى، إنها عبارة فضفاضة، لا قيمة لها، لكنها قاتلة. كيف يمكن - نقديًا- إثبات صدق التجربة الشعورية للكاتب عند كتابة هذا العمل الأدبي؟ لم أقرأ في كتبِ النقد مقياسًا واحدًا لفعل ذلك، إنها عبارة أقرب ما تكون إلى فخ أو رصاصة غادرة. فإذا ما صادفك مثل هذا القول، فاعرف إنها طريقة الحاقدين لهدم عملك الأدبي، أو محاربتك، غيرة منك أو خشية، فالكتابة الجيدة تهدد عروشهم وتفضحهم.

إذا ما كانت هذه التهمة هي أفضل رصاصة لقتل عمل أدبي جيد، لأنها لا يمكن الامساك بها، ولا يمكن ردها في ظنهم، فإننا لا نستطيع الرد بالقول: "إن رواية سورة الأفعى رواية عظيمة"، فهذا أمر متروك للتاريخ كي ينتصر لها، وسينتصر لها . يمكننا فقط أن نتحدث عن تجربة كتابة سورة الأفعى، عن التجربة الشعورية التي ولدت هذا النص.
كان العام هو ٢٠١٣م، في تلك الفترة التي كتبت فيها مجموعتي بنت حلوة وعود، وكنت في انتظار قضاء خدمتي العسكرية التي بدأت عام ٢٠١٤م، وكان القلب مصابًا بجرح نتيجة خسارة أحد الأصدقاء، بل أقربهم في ذلك الوقت، وهي خسارة ممزوجة بالخيانة، فصديقي؛ باع عشرة سنوات كاملة من العيش والملح، واشترى بها امرأة مجدلية. لم أفهم وقتها كيف يمكن للمرء، أن يرتدي الأقنعة، أن يكون أخًا لك، وخنجرًا في ظهرك. أحلامنا في الكتابة، والمجد، وإيماننا بالشعراء والأدباء وشيوخ الطرق تتبدد فجأة، وعرفت أن هذا الصديق، واحدًا من كثيرين في الوسط الأدبي، يشترون بكتابتهم القليل من الزاد، أو الشهرة، دون إيمان حقيقي بجدوى الكتابة. عرفت هذه الخيانة في أيامي الأولى في معسكر التدريب، داخل الجيش، وفي أول أجازة كتبت هذه القصيدة "المسيح لا يلعب الشطرنج".
ولما عدت إلى مركز التدريب، بدأت أراقب العالم بشك كبير، عشرة أعوام من عمري وقعت مني بسبب براءتي، ومن قبلها ستة عشر عامًا وقعت من عمر أمي النبية بسبب براءتها- ولأجل هذا أهديت سورة الأفعى إليهاـ كان علي أن أنظر للعالم بنظرة أخرى، أن أحذر هؤلاء الغرباء من حولي، وقد جمعنا القدر، نأكل من صحن واحد، عيش وملح، لكن هذا لا يعني أي شيء.
بطريقة ما كنت أفكر في يهوذا، نقيض النبي، الحواري الذي باع المسيح مقابل ثلاثين قطعة فضة، تخيل بمثل هذا الرقم الضئيل يمكن للمرء أن يبيع نبيًا، أو نصف نبي، أو إلهًا، إو نصف إلهٍ. 
لم تكن مجرد فكرة؛ كانت هاجسًا. كنت أرى يهوذا في كل مكان، من حولي، وفي كل الوجوه، والأحمق في الصحراء من يأمن لها. كم أفزعتني الصحراء، لا أزال أذكر، كنت طفلًا، لم أردْ أن أخوض مثل هذه التجربة، كيف أترك كتبي الكثيرة، وأوراقي، وأقلامي، وبدلا عنها أمسك سلاحًا. لم أؤمن بالحربِ أبدًا، ولم أتخيل نفسي بيدقًا في يد أحدهم. تجلت بعض شذرات تجربة الجيش في نثيرة "ضفيرة سوداء":


فقدتُ أصبعًا في الحربِّ
من يأمن الصحراء
على الذكرى؟
بحثتُ .. لم أبحثْ
صرختُ ..
لم أسمع صدى
كان لابد من سيجارةٍ
لتحل ..فراغ هذا البتر

وفي نثيرة "إنشودة الحرب والخلود":

في الحرب

لابد من طفل صغير
يعدو متأخرا دوما
على أمل الوصول
-قبل خيول العدو-
إلى بوابة المدينة
هذا الطفل لا يصل
ولا يضل الطريق
بين أشجار الغابة
لا يرشده دخان الحريق
وهو يعرج للأعلى
بالإشارات وبالرموز
يسقط هناك صريعا
بجوار شجر الموز
لأن نصل السيف
أسرع من الأحلام


وكانت تاريخ كتابة هذه القصائد أثناء تجربة الجيش، أو بعدها، فهذه التجربة تركت أثرها عليّ، بل إنها غيرتني تمامًا، لم أخرج منها مثلما دخلت، صرت شخصًا آخرًا. أدمنت لعبة الشطرنج، داخل الجيش، مع الجميع. كانت الحياة أقرب ما تكون إلى لعبة، حرب باردة، خطة يضعها المرء من أجل الحصول على أية غنائم، مثل بصلة واحدة أو ثمرة طماطم جيدة. لم أكن فقط محاصرًا بيهوذا، بل بدأت اللعنة تتسلق جسدي، صرت يهوذا أيضًا.
ولم يكن من المفترض أن تخرج سورة الأفعى على هيئة رواية، أذكر أنني في ذلك الوقت كنت أكتب ديوانًا نثريًا، يدور حول يهوذا، في محاورات مع الشعراء الذين أحبهم، كانت عنوان القصيدة الأولى هي "لزوم ما لا يلزم للخيانة"، في محاورة مع نجيب سرور، ولازلت أملك تلك القصيدة، لكنني لن أنشرها كاملة، فالتجربة الشعورية اختارت شكلها لتخرج في هيئة رواية، يهوذا أراد ذلك، يهوذا خلق هذا العالم، وما كان لي على الأمر من سلطان.



أنتَ قلتَ يا مولاي أن اللعبة غش
وأن الثائر عصفور
محاصرٌ في العشِ
والعشُ مملوءٌ بالأفاعي
فلا داعي
لأن نبادر
بالهروب أو العراك
دعنا نموتُ في هدوءٍ مصطنع
"يسوع لم يتسع للموتِ صدره"
صاحَ إلهي إلهي لم شبقتني؟
وأنا يا مولاي لستُ حوريًا حقيقيًا
وإنما محض حاوي
يعشقُ الكلمات
والنغمات والورق
والورق أس الخداع والحيل


لكن الخطة تغيرت بالكامل، لأن الكتابة تقع في منزلة بين المنزلتين، الوعي واللاوعي، فقد اختارت سورة الأفعى جسدها، وإن حافظت على روحها التي كانت تحاصرني بها في كل مكان. ففي أحد الأيام استيقظت من النوم مفزعًا، وظللت للحظات واقفًا مبهوتًا، أمام ذلك الحلم الذي زارني؛ خيط من الدم يربط ضرسي، خيط رفيع ووجع. أصحو لأرى صور الرواية بأكملها تضرب عيني، الغريب، الشيخ، الأحدب، البابلي، الكهنة، كل أبطال الرواية أراهم حين أصحو وأسمعهم يتحدثون مع بعضهم البعض. وعرفت أن هذه الرواية ليست رواية عادية، إنها معجزة، جائت لتجعلني أعيد النظر في مفهومي عن الكتابة، كانت وحيًا خالصًا، وكنت أعرف كل حرفٍ، كل كلمةٍ،  في الرواية. أنا لم أكتب رواية، بقدر ما حفظت الوحي، بقدر ما شكلت روح يهوذا من جديد.الآن، يمكن لمن يشاء القول أن هذه الرواية لم تكن صادقة، إنها عظيمة لكنها لم تلد من تجربة شعورية عميقة، يمكنهم أن يقولوا هذا أو أكثر، لكننا نعرف أنهم كاذبون، ونعرف أنهم عاجزون. هذه الرواية من الصعب إعادة كتابتها أو كتابة مثلها، وهذا هو التحدي، بالنسبة لي، كتابة الأفضل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق