هناك من تمشي خطاه على خطاي

الجمعة، 29 نوفمبر، 2013

الوفاة المؤلمة لريسكي.. محاولة لقتل فئران المدينة



"الوفاة المؤلمة لريسكي"

محاولة لقتل فئران المدينة


مجموعة قصصية لهيثم الوزيري

 

قراءة مصطفى الشيمي


الشيطان يمكن في التفاصيل الصغيرة، هذه حقيقة، لا يستطيع الجميعُ الوقوفَ عليها، أو تأملها، لذا قام هيثم الوزيري في المجموعة القصصية الأولى "الوفاة المؤلمة لريسكي"، بإيقاف الزمن، ورصد لنا مجموعة من القصص القصيرة التي تتميزُ بالتكثيف الشديد، والوصف الدقيق، والنهاية المدهشة، المومضة، المباغتة، القائمة على الإيحاء، والتي تتركُ أثرها المباغت في عقلِ القاريء فلا تنسى.
ليس من السهلِ أن تشاهد الحياة من عينين مبدع، فكل ما يراه يصير مدهشًا، ويصلح لأن يكون قصة قصيرة، لكن بالنسبة للقاريء العادي، والذي لم يعتد على التأملِ، فإن هذا ليس صحيحًا، هناك أحداث كبيرة، وأحداث صغيرة، وأحداث لا تستحق الذكر أو الوقوف عليها، والتحدي هنا، بالنسبة للكاتبِ، هو أن يجعل من الأشياء الصغيرة والتافهة قصصًا تستحق أن يتم تأملها، لأن كما يقال "مقتل فراشة في اليابان قد يسبب إعصارًا في أميركا".
تنوعت قصص المجموعة القصصية، لكنها جائت وليدة هم الكاتب الشاغل، العفن الذي يغرقُ المجتمع، والذي تجسد أكثر من مرة على شكلِ رائحة كريهة أو مياه مجاري مقززة، أو على شكل فأر، أو مطر مليء بالقيء، كل شيءٍ كان يذكرُ الكاتب بالحقيقة التي تطارده، العفن يطولُ الجميعَ، ويغرقُ الجميع، ولا مفر من الهربِّ. وهذا بدا في قصصٍ مثل "رائحة"، عتبة الغرق"، و"عتبة النجاة" والتي تعد من أفضل قصص المجموعة.

من سوءِ حظ الكتاب أنهم يهربون بالمواجهةِ، وبالكتابةِ، ولهذا فإن جميع قصص المجموعة، من أبسطِها شكلًا إلى أعقدِها رمزًا، جائت لتعبر عن هذا المجتمع، المليء بالعفن، والذي يجعلنا نبدو كالحمقى ونحن نطارد جنيهًا في الميكروباص او امرأة تسير بجوارنا في الطريق.
الكاتب لا يخشى تابوهات المجتمع، حتى عندما قام اقتربَ من التابوهات الدينية، رجال الدين، كان مباشرًا ولم يهربْ إلى الرمزِ، بل كان يصرخ على أملِ أن تكون الصرخة واضحة ومفهومة، وعندما أراد أن يتحدث عن البائع الغامض في "دكان قديم"، كان أكثر حرصًا واستخدم الرمز، ليس خوفًا، ولكن لأن المعنى المستتر كان أكبر من اللفظ الصريح. وكيف يخاف الكاتب وهو يعرف أن "الجومار الأعظم"، ليس مخيفًا، ليس قادرًا، ليس سوى صورة ما في نفوس الناس من خوف.

غير أن اليأس كان يبدو جليًا على قصص المجموعة، بالرغمِ من كونها قائمة على الإيحاء، واقتراب بعضها من الواقعية السحرية، لكنها كانت وثيقة الصلة بالواقع، فالكاتب يعرفُ جيدًا حجم هذا العفن الذي نحياه، ويعرفُ أننا ضحية "لعب العيال" الذي يفسدون علينا حياتنا ويلهون بنا، وأننا مهما حاولنا الصياح لن يكون مصيرنا، في الغالب، سوى مصير "ديك العشة" المسكين. أننا مهما حاولنا الثورة على أوضاعنا فإننا لا نعدو سوى "طبق اليوم" على المائدة، وأن الجميع بلا استثناء لن يجنوا شيئًا سوى الخيبة ما لم يقرروا سويا النهوض، العوم، الخروج من فخِ هذا الواقع.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق