هناك من تمشي خطاه على خطاي

الخميس، 7 مارس 2019

سورة الأفعى والواقعية الشبحية


سورة الأفعى والواقعية الشبحية




قراءة الناقد د. صلاح السروي


نحن بإزاء عمل على قدر كبير من الأهمية، أهمية تنبع من كونه يُنازل العالم بشكل مختلف إلى حد كبير، سورة الأفعى تنسب نفسها إلى الرواية، حيث إنها تتناول الواقع المصري، إلى اللحظة الراهنة، باعتبار اللحظة الراهنة هي بنت هذا التاريخ من خلال التكثيف الرؤيوي، وهي تمشي في خط الجديد من الروايات المعاصرة، حيث هناك واقع تعسٌ للغاية تغلب عليه صفة القِوادة، أحد أبطال الرواية قوَّاد، ولكن هذه الصفة ليست صفة هذا البطل وحده، بل هي حالة اجتماعية وسياسية عامة، ارتكزت على فكرة استخدام المرأة باعتبارها وسيلة لكسب الرزق، باعتبارها وسيلة للتعامل مع الخصوم والتعاطي مع السياسة، هنا لا تصبح الأفعى هي المرأة، باعتبار الأفعى صفة سلبية بما تحمل من خفة وغدر، ولكن لا تصبح المرأة هي الأفعى، المرأة هنا هي الضحية، المجتمع المنتهَك الضائع، الذي لا يجد مأوى، والمستخدم من قبل القوادين والسياسيين. الواقع المنتهَك، تبدأ الرواية بالقواد، الطالب الجامعي، الذي ينصدم بمجتمع آخر، أعلى طبقيًا، فتاة اسمها "ملكة" شديدة الجمال، باعتبار الجمال طبقيًا، بطريقة أو أخرى، فمن يملك المال أكثر يستطيع أن يصير أجمل، أن يرتدي أفضل، الجمال الطبقي هنا ليس مسموحًا للأحدب الاقتراب منه، نتيجةً للطبقية، فهو ليس من حقه، بإحالة لطيفة إلى أحدب نوتردام، ذلك الدميم المشوَّه، الإنسان، لكن فيكتور هوغو، كان رومانتيكيًا، في المرحلة الأولى المنتصرة المزهوة بالرومانتيكية، فانتصر للأحدب، ما المانع أن تعشق الفاتنة الجميلة الأحدب؟ لكن هنا في سورة الأفعى فالمصير مختلف، بمعايير اللحظة الزمنية، كيف يتجرأ ويقترب الأحدب من الملكة؟ فيتم تأديب الأحدب، وهنا لحظة الانعطافة الحقيقية في حياة الأحدب، فهو يتحول إلى قاتل، ومن مُحب وعاشق إلى قوَّاد، إلى شخص يرغب بالحصول على أي مكتسبات أو غنائم، فينتقم من الفتاة ويلقي بماء النار على وجهها، فيحرقها، وتصير الفتاة من فرط كراهيتها له إلى أسيرة له، إنها النفس البشرية، التي تقع أسيرة لسجّانها، أو لجلادها، الوقوع في هوى الغالب، تلك العلاقة النفسية المركبة والمعقدة جدًا التي تربط بين الطرفين. مع هذا المسار توجد مسارات أخرى، لا تقل في التركيز، التبئير، إذا جازت استخدمنا المصطلح هذا، من حيث إلقاء الضوء نذكر منها حكاية الشيخ نجم الدين، الطفل الذي تربى عند ورع، صوفي، يتمتع بخيرات لا نهاية لها، يغسل المريدون أقدامه. يتوفى الجد فيسافر نجم الدين ليعيش مع كاتي، والتي لها مسارات أخرى، وحكايتها مع عاشقها في الحرب العالمية الثانية بالإسكندرية، وهكذا، فهناك عشرات المسارات، مع كل بطل، مسارات تنفجر، خطوط متقاطعة ومتداخلة لكن مسار الرواية الأساسي هو أن هؤلاء جميعًا، هؤلاء الأبطال، يبحثون عن التحقُّق والحُكم، والوفرة المادية، سواء أخذ هذا أشكال القِوادة أو النصب باسم الدين أو الوطن. كل الأبطال هنا هدفهم امتلاك المرأة، ليس باعتبارها وسيلة لكسب الرزق، ولكن باعتبارها الحياة بكل ما فيها من لذّات ومُتع. إذا ما اعتبرنا أن هذا التتبُّع لمسارات الرواية هو تتبع نموذجي وحقيقي، سنحصل على مرمى محدد وهو هذا الواقع الآسن في مبدأه، تحول إلى واقع أكثر قبحًا وعفنًا في منتهى الرواية، وقد لا ننتظر أفضل من ذلك في القريب، فالجميع يسقطون.

الرواية مفتوحة على آفاق متعددة لشكل لا نهائي، والقول الفصل لا يمكن أن يكون قائمًا، فالرواية ليست رواية اعتيادية، لا تقوم على الحبكة التقليدية المعروفة، فهي لا تمشي على الخط الطولي، بل تمشي في عدد ضخم جدًّا من الخطوط المتقاطعة والمتداخلة والمبعثرة هنا وهناك، لكنها تلتقي في بؤرة واحدة، أو ما يقترب من البؤرة، التي تشتبك في نقطة "من الذي سيحكم؟ من الذي سيرث هذا الملكوت؟ من الذي سيمتلك المرأة؟" الأبطال في الرواية لا يملكون وجها واحدًا، بل بداخل كل منهم انقسامات، لا تجعلنا نُدين في النهاية أحدًا، ولا تجعلنا نشفق باطمئنان -في حقيقة الأمر- على أحد. لكي تصل الرواية إلى هذه الحالة المتداخلة، المشتبكة، المتعددة الخطوط، القابلة أن تُفهم على أكثر من وجه، إذا ما تتبعنا خطًّا واحدًا أو أكثر من خط أو الخطوط جميعًا، لكي تصل إلى هذه الحالة فقد اعتمد وسيلة، وهذا المصطلح أنا أتحمل مسؤوليته، فقد اتبع ما يمكن تسميته بالواقعية الشبحيَّة، وليست الواقعية السحرية، الواقعية لأنها مشتبكة بشكل مباشر مع الواقع، المُعطى الاجتماعي، التاريخي، باعتبار هذا المعطى هدفه تخليق النوع الإنساني، والحقيقة الإنسانية، فلا يوجد إنسان خارج المُعطى الاجتماعي التاريخي، فهو نتيجة لذلك. فهذه الرواية واقعية بهذا المقتضى، لأنها تناولت الإنسان في ظرفه الاجتماعي التاريخي المحدد، لكن هذه الواقعية ليست واقعية بلزاك، ليست واقعية نجيب محفوظ، نحن بإزاء واقعية مختلفة تمامًا، فنحن لا نعرف إذا كان الفعل حقيقيًّا أم غير حقيقي، يقبع في منطقة الممكن واللا ممكن، وهي المنطقة المُحددة لمفهوم العجائبي والغرائبي، مثل ألف ليلة وليلة، فهو واقع ينحو نحو الغرائبية، لكن ليست كل عجائبية هي واقعية سحرية، فالواقعية السحرية تتعامل مع الواقع باعتباره أسطورة، ومع الأسطورة باعتبارها واقع، فهي تمزج بين الاثنين، لكننا هنا بازاء واقعية – حقيقية- وأحداث تاريخية حقيقية، وليس واقعًا افتراضيًا، لكن هذه الواقعية هي واقعية شبحية، ثمة ضبابية متعمدة للواقع، إضفاء نوع من الطيفية على أحداث هذا الواقع، بحيث تقبع في منطقة أنها حدثت أم لم تحدث، خلال الأحداث التاريخية، فإن أفعال الأبطال جميعًا تقع في هذه المنطقة، نقل الرواية من منطقة الرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا إلى الشعر باعتباره جنسًا أدبيًا مغايرًا، حالة من التهجين بين النوعين، وبهذا فإنها تكسر الحدود بين الأنواع وتُذيب الفوارق بين الاثنين. الرواية تدمج وتخلط بين الواقع بأُطره المادية وبين عالم آخر يدخل معه باعتباره أيضًا شيئًا واقعيًا مُضبَّبًا. الكاتب يحوِّل الواقع إلى رؤية، إلى صورة ذهنية، مجردة، فالتجريد هنا، موجود، والفن معرفة بالتجريد، وهو القائم هنا.



صلاح السيد محمود السروي. ناقد وأكاديمي مصري، تخرج في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة سنة 1979، وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث والمقارن من أكاديمية العلوم المجرية، بودابست سنة 1990. يعمل حاليًا أستاذًا للأدب العربي الحديث والمقارن في جامعة حلوان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق