الجمعة، 2 يونيو، 2017

أمطار صيفية والبحث عن خلاص الإنسان

 أمطار صيفية والبحث عن خلاص الإنسان

قراءة مصطفى الشيمي



رواية أمطار صيفية، أو وكالة الموصلي كما كان يجب أن تُسمى؛ فالوكالة هنا كعبة يطوف حولها أبطال العمل، ومنها يولد الصراع؛ بين أطراف عدة، الصوفيين والسلفيين، الشرق والغرب، الروح والمادة، لو كان لزامًا علينا أن نرى الأشياء في صورة متقابلات فإن هذا هو موضعها، في الرواية نرى أسئلة عن موقعنا من العالم؟ بثقافتنا وموروثنا الممتدة جذورها إلى الماضي السحيق، ربما لأننا ما زلنا نمشي وعلى ظهورنا هذا الماضي الثقيل، مثل سيزيف.
إننا نبدأ قراءة العمل، برتم هادئ، يشدنا ويغوينا للقراءة، كأننا ندخل مع بطل العمل يوسف إلى وكالة الموصلي للمرة الأولى، نتأمل تجاعيد المكان الأثري، خطوط الزمن التي تم خربشتها على الجدران، إن الأماكن شبيهة بالإنسان، تتجلى روحها كلما اقتربنا من موطن طفولتها أو شيخوختها.
هذا الرتم الهادئ يبدو مناسبًا للذكر الصوفي، على أنغام العود، يبدأ الرتم بالتصاعد –بإيقاع- ويلقي بنا في حيرة سوداء، أمام اختيار موقعنا، انتمائنا، إيماننا. يقع البطل يوسف في الغواية، في حيرة سوداء لا قرار لها، أمام زينة التي تجسد الآخر/ الغرب، عالم المادة، حيث لا مكان للإيمان أو للروح- وهي صورة متروك للقارئ الحكم على صوابها أو خطئها، ومع هذا فإن الرواية لا تدين الآخر بقدر ما تدين أفكارنا، إيماننا بالخرافات والأساطير التي لا وجود لها.
إن عالم الرواية بدا في عيني، كروح امرأة غاوية، زينة، تلك الشيطانة التي تحوم حولنا، حتى توقعنا في مصيدتها؛ أسئلتها، مطرقة من الشك ولا إجابة لدينا. ثوابتنا تصطدم بالحضارة الحديثة، نحاول الإمساك بمنتصف العصا، لكننا نفشل. إنها ليست شيطانة تمامًا، ربما هكذا تبدو، لأنها لا تخبرنا بشيء غير الحقيقة. "الموصلي ليس موجودًا، والوكالة ستنهار، على يد السلفيين أو الصوفيين، أو المنتفعين من خارج الدائرة، علينا أن نجد طريقًا آخرًا".
أجاد القرملاوي في خلق مكان أسطوري، وشخصية أسطورية، تركت ظلالها على عالم الرواية بالكامل، وهي شخصية عبادة الموصلي، أجاد للدرجة التي يخيل للقارئ فيها أن هذه الشخصية حقيقة في التاريخ الصوفي، وكذلك الوكالة، وعند البحثِ لا يجد المرء أثرًا لهما، وكل الحكايات التي رويت عن الموصلي، حكايات مختلقة، ومن فرط صدقها وجمالها يؤمن بها المرء.
لغة القرملاوي هربت من فخ الإكليشيهات، ووجدت في التراث ملاذها؛ ألفاظ رأى القرملاوي أنها خير معبر عن الحال، لكن التشبيهات أوقعت الكاتب في فخ المعتاد، غير المدهش، الصور المكررة المألوفة. أما لغة القرملاوي في الحوار، فكانت موفقة، الفصحى الدارجة، فلسفة نجيب محفوظ في الحوار، لولا بعض الهنات القليلة، هنا وهناك، والتي لم تراها العين في القراءة العابرة. ما الذي تراه العين في القراءة العابرة إذًا؟ آه، توجد بعض المشكلات، تبدأ من الأسماء، أسماء الأبطال الذي أجاد الكاتب في رسمهم شخصياتهم، والالتزام بهذا الوصف، لقد حدد كل شيء جيدًا، من هذا البطل؟ ماذا يفعل؟ وكيف يفكر؟ الجهد المبذول جليًا، لكن هذا الجهد كشف عن نظرة طفولية للأبطال، من اختيار الأسماء، التي تحمل ما تحمل من دلالات، فالبطل، يوسف هنا يسقط في الغواية، وهذا يذكرنا بدلالات اسم يوسف، وزينة هنا هي رمز الغواية، بما يحمل لفظة زينة من دلالات قرآنية تعبر عن الغواية والشيطنة، وذاكر هنا الشيخ التقي شديد الورع، لذا فهو يدعى ذاكر، وزايد الطماع الذي يريد المزيد دومًا، يدعى زياد. والحياة على خلاف هذا، لا نحمل قدرًا من أسمائنا سوى في الروايات، وقد أقبلها في بطل واحد، مثل رمية نرد، لا في جميع الأبطال. الفن قائم على الإيحاء، والمباشرة تقتل النص، وتكشف لنا الكاتب، فوق رؤوسنا، يمسك بخيوط الأبطال، كمن يمسك بدمى الماريونت؛ الكاتب الجيد يعمي القارئ عن خيوط الماريونيت التي يمسك من خلالها بالأبطال، كلما كانت هذه الخيوط واهية، رفيعة، غير مرئية للعين، صدق القارئ ما يجري أكثر وآمن بهذا العالم، كيف نصدق الأبطال ونحن نراهم محض دمى؟ الخيط الرفيع يتجلى لنا، نراه مثل جمل السفن، الحبل الغليظ المصنوع من الليف. الأبطال يمشون – بشكل قدري- في خط مستقيم، من النقطة أ إلى النقطة ب، من الممكن للقارئ أن يكمل الرواية ويصل بها إلى النهاية دون جهد، ما دام مشى وفقًا للمعطيات، وهذه عملية رياضية، ليست أدبًا. الإنسان لا يمشي في خط مستقيم، الإنسان يتذبذب، يحتار، يشك، في دوائر تبدو عشوائية للعين، يقفز من نقطة إلى أخرى، هذا يكسر المتوقع ويحطم الشكل، خالقًا وجوده. الإنسان هكذا، يدور حول نقائض الأشياء، أما خلق شكل جامد للإنسان، خلق شكل جامد للبنية للرواية، فهذا لم يكن جيدًا. الأحداث مشت – كما خطط لها- في خط مستقيم، كل الأبطال ذهبوا إلى أقدارهم المحددة مسبقًت بدء من أسمائهم، هذه القدرية التي فُرضت على الأبطال المساكين، قتلتهم. لم يكونوا أحياء، فالكاتب لم يترك لهم بعض الهواء ليتنفسوا، لم يترك لهم براحًا ليخرجوا عن الخطة، ليفرضوا وجودهم، لا، لم يكن لديهم فرصة لفعل ذلك، وهم مقيدون من رقابهم لقد سبق وجودهم ماهيتهم.
مشى كل شيء في مساره، لم يكن هناك ما يكسر المتوقع، سوى تدخل راو آخر، ليأخذ مساحة صغيرة من الراوي الغائب – الذي يبدو واحدًا منا- لنرى من عين أخرى، وفمٍ يلقي لنا بمعلومات تكسر الرتم، وتزيد من التشويق، لكن هذا الراوي يتدخل بحجة لم تكن قوية، باعتبارها ناشرة العمل، ولها الحق في إجراء المداخلات وفقًا لشروط العقد، هذا لا يحدث في عالم الكتابة، لا يبدو صادقًا، يعيدنا مرة أخرى إلى أزمة التعمد، المباشرة. على أية حال، النص جيد، ومبذول في كتابته جهد، ويطرح أسئلة تمس واقعنا، وموقعنا من العالم، وبرغم تلك المشاكل – الصغيرة أو الكبيرة- فإن أمطار صيفية، أو وكالة الموصلي، تجد في قلوبنا مكانًا لها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق