هناك من تمشي خطاه على خطاي

الثلاثاء، 6 يونيو 2017

في "بنت حلوة وعود" ألعاب الشيمي وحيله.

في "بنت حلوة وعود" ألعاب الشيمي وحيله.

قراءة: عمرو عاشور
تنحاز الجوائز للكتابة الحلوة، وللكتابة الحلوة عدة عوامل منها... وعي الكاتب بما يقدمه وقدرته على الإمساك باللغة وطريقة حكيه، والأهم.. التقنية التى يعول عليها في لعبته، فالكتابة الجيدة لعبة ممتعة في الأساس يتشاركها الكاتب والقارئ، لعبة يبرع فيها الكاتب الجيد الذي يعرف كيف يلاعب القارئ ويتلاعب به أحيانًا... ومصطفي الشيمي لاعب ماهر، لذا... فمن الطبيعي أن تنحاز له الجوائز، وهو الحاصل على جائزة مؤسسة أخبار اليوم عن مجموعة "فراشات ملونة" ضمن أفضل عشر مجموعات 2010م، وجائزة هيئة قصور الثقافة عن مجموعة "عاهرة القمر" 2012م، وجائزة دار جان للنشر الألمانية عن قصة "إنجيل يهوذا"، وأخيرًا مسابقة دبي الثقافية 2015 عن المجموعة التى نحن بصددها الآن "بنت حلوة وعود".
المجموعة تضم أثني عشر قصة، تُفتح المجموعة بقصة معنونة بـ"دودة تعشق الفودكا" وتحكي عن ميت استطاع أن يرشي عزارئيل كي يحصل على ليلة وحيدة وأخيرة، ليجد البطل/الجثة نفسه في شوارع القاهرة، جثة متأكلة تحلم بدخول السينما والبارات ودريم بارك، ولكن من أين المال وقد أخذ عزارئيل كل شئ؟ ويفكر البطل/الجثة في أن يعمل نصف الليلة من أجل الحصول على المتعة في النصف الأخير، فيلتحق بعمال يبنون جدرًا، وحين يحصل على أجره يبدأ في البحث عن فتاة بائسة توافق على مشاركة ليلة مع جثة. نحن أمام شخص منعدم تمامًا حتى من الحياة! يجد ضالته في فتاة المكتبة التى يكتشف أنها أيضًا ضمن الموتي، يذعر ويهرب في شوارع تزدحم بالزومبي، يستغيث البطل/الجثة بعزارئيل ليكتشف أن عزارئيل لمن يكن مرتشيًا! كان عزارئيل قادمًا هذه المرة ليقبض روحه.
أما في قصة "بنت حلوة وعود".. فلعزرائيل وجود قوي أيضًا... حين يدخل الموظف النموذج أحدي البارات متشوقًا لمضاجعة أميرة، فتاة الليل الشبقة والصريحة لدرجة الوقاحة. تندلع مشاجرة بين الفتاة التى تعري الموظف النموذجي  فتقتله، وهنا يتدخل عزارئيل كملاك لفرصة أخيرة فيصنع نهاية أخرى للقصة. فضل الشيمي أن تكون نهاية مفتوحة. للقصة نهاية حددها الكاتب ونهاية أخري تركها لخيال القارئ، إنه يشارك القارئ في اللعبة.
في مقهي العم صالح تدور قصة "توق الفراشة" كاتب يقرأ لصديق، وصديق منزعج وغارق في التفاصيل، تفاصيل تبدو تافهة عن البطلة، شكلها صفاتها ولون عينيها، وما إن يتنهي الكاتب من الرد على صديقه حتى يصعق الصديق فبطلة القصة تجلس خلفهما، تتشاجر مع القهوجي وتكتب، يرتبك الصديق ويفكر في الأمر، ثم يصاب بلهع هل هو أيضًا شخصية متخلية تتكتبها هذه الفتاة؟ وتطرأ عليه فكرة فيتوسل للكاتب أن يمحو تلك الشخصية.. ولكن الكاتب –في نصه- قرر أن يعاقب الزوج والصديق ويحذي بالبطلة، إنه نص يحتفي بالكتابة، وبقدرتها على الخلق وتحقيق الآمال.
نري كيف يصلب الآخر أحلام الفتيات في قصة "كأس مقدس" من خلال بطلة القصة التى تحلم بالتمثيل والشهرة، اليوم هي أمام الكاميرات، وقد قال لها المخرج (إنتِ المسيح) فتذكرت كيف كان صلبها –هي- فعليا! فالأب الذي يري في طفلته نموذج الفتاة المهذبة التى لا تتعامل مع الأولاد وليس لديها أحلام قد غرس مسمارًا في يديها اليمني. ويوسف الحبيب الذي رأت فيه رشدي أباظة معشوقها قد غرس مسمارًا في يدها اليسرى بعدما وشي بحلمها فسخر منها الجميع. أما عن القدم اليمني فهي عاداتها السرية بالتدخين والاستسلام لاحكام الآخر عليها. وتبقي القدم اليسري، وممارسة الحلم بالقراءة والتمني، وإن كانت في الخفاء.. الكأس المقدس هو الكأس الذي تتجرع منه كل فتاة عربية لديها حلم.
"إنجيل يهوذا" وقصة عشق بين عاهرة تعرف أن ليس للعاهرات حق في العشق وعابد يعرف أن من حق العاهرات أن يعشقن، مواجهة جديدة مع الآخر، ما يريده المجتمع وما يرغمنا عليه الآخر، يقررا الهرب سويًا والزواج ولكن (إلى أين؟ قلنا "إلى أي مكان! لا يوجد مكان يتسع لنا، فقد تساوت الأمكنة، كانت مملكتنا بعيدة جدا عن هذا العالم).
 الرواي في "الحياة من خارج التلفاز" شاهد على جريمة قتل.. يبدأ قصته بتساؤل (هل قتلت أم عماد امرأة الطابق الأول؟) هو يعرف الحكاية بتفاصيلها، يدرك جيدًا سر العداوة بين المرأتين، ورأي بعينه الجريمة وهي تقع، ورغم ذلك يظل يردد السؤال السابق كل حين. هو شخص يعرف كل شئ ولكنه منفصل عنه، منفصل عن هذا العالم الغارق في الوحل ومنشغل فقط برعاية وردة جديدة..
وفي "مؤخرة بيضاء" يداهمنا الشيمي بافتتاحية عجيبة (مرحبًا. أنا رجل عاجز جنسيًا. أقصد أن قضيبي طويل جدًا، وكنتُ أضاجع المرأة الواحدة في ساعة كاملة).. بتلك الجمل يدخلنا الشيمي في قصة هي أشبه بقصة يوسف.. الجارة تكتشف أن حمادة فحل جنسيًا فتدمنه حتى يكتشف الجيران سر العلاقة (تفتح الباب عارية، وتسب لهم الدين وتقول: حمادة جميل وفحل) فيثوروا عليها ويطردونها من الحارة. غير أن نساء الحارة يُضربن بحمادة، وحمادة يُضرب بالسجائر، والسجائر تقلب حياته جحيم فيصاب بمرض في المعدة يجعل رائحة فمه لا تطاق وتجعله يفقد قدرته على إمتاع النساء، وهنا يظهر الرابط بين الافتتاحية وما يقصده الراوي.
ثم يبدأ الشيمي في "صلاة أخيرة" بهدم نموذج الأم المثالية، يبدأ الراوي حكايته بـ(عندما كنتُ أراها تبكي بخشوع، وهي تصلي، أري الكعبة الشريفة وأشم نسيمها) الرواي كأي ابن يري أمه في مكانة عظيمة. غير أن الشيطان يدخل في اللعبة، الشيطان المثقف الذي يعرف توفيق الحكيم ويستشهد بجبران يوسوس للرواي حتى يسقط في غوايته ويظن بأمه السوء فيثق به ويقررا سويًا نصب شرك للأم، وتسقط الأم في الشرك مع عشيقها، يصعق البطل ويحثه الشيطان على قتلها، وهنا الجزء الأضعف في القصة، يستعيذ بالله ويقهر الشيطان!.
"بازل" هي القصة الأهم في المجموعة، وفيها استخدم الشيمي كامل تقنياته وإن كانت تشبه "توق الفراشة" غير أنها أنضج، فهي تحتفي بالكتابة وتراكيب الكلمات والتلاعب بواسطة الهوامش وتحتوي في متنها على الكثير، لذا فمن الأفضل أن تُترك للقارئ ليستمتع باللعبة وبالتلاعب به.
"مريمة والناي" هي القصة الأضعف من وجهة نظري، تحكي عن طبيب هائج متيم بمريمة ابنة الشيخ، جسد مريمة الفائر في خطر، يستدعي والدها الطبيب، والطبيب يعرف أن ما تمر به مريمة ناتج عن شهوتها المفرطة ورغبتها في المضاجعة، في الحقيقة الطبيب هو من كانت شهوته غالبة حين كشف عليها، ليس بعين الطبيب ولكن بعين الشهواني، ثم صنف مرضها بأنه فطريات ورحل، في الحقيقة كان جسد مريمة لدغة ثعبان، كانت مسمومة وكان جسدها يحتاج للعلاج غير أن شهوة الطبيب قتلتها! فقد (عجز الطب عن التفريق بين الشهوة والموت).
يتكأ الشيمي في "عمارة سواء" على تقنية جديدة في البناء، والتي دلل عليها بـ (مدخل العمارة/النص) فالعمارة هنا هي النص فعلا.. وتحكي عن عمارة من أربعة طوابق، يسكن مدخلها العناكب والموتي الأحياء، يتحاشاها الناس ويخافون منها. وفي مرة تُجبر الفتاة التى لا لون لها -أثر هربها من المجهول- على دخول العمار لتكتشف أن العمارة القبيحة والموحشة من الخارج ما هي إلا مبني مبهج ألوانها، وهكذا تكتشف الطوابق وتكتشف أيضًا لونًا جديدًا في كل طابق... الطابق/الأحمر، الطابق/الأزرق، الطابق/الأصفر إلى أن تصل للسماء. تستيقظ الفتاة لتجد نفسها قد أصبحت واحدة من الموتي الأحياء السعداء الذين يسكنون العمارة ويرهبون الناس ولا يتوقفون عن إرسال إشاراتهم لمن يستحق.
يمكننا أن نقول على قصة "ديناصور أزرق" وهي القصة الأخيرة بالمجموعة، أنها قصة تملك افتتاحية عظيمة تكفي لأن تكون قصة قصيرة مكثفة جدًا غير أن الاسترسال والمباشرة قد اسقطاها.. (الديناصور الذي ظهر فجأة في شوارع القاهرة أفسد كل شيئ، وأنا كنتُ أريد العودة إلى المنزل)... تلك الافتتاحية تذكرني بقصة ما (عندما استيقظت من نومي كان الديناصور لا يزال واقفًا) لا أعرف إذا كان هذا نص القصة أم حرفته ذاكرتي الضعيفة؟ حسنًا. لا يهم، المهم هنا أننا أمام افتتاحية تكفي لأن تكون – هي الأخري- قصة رائعة، ولكن ماذا حدث؟ تحكي القصة عن رجل يريد أن يذهب إلى منزله رغم أن الديناصور قابع عند المنزل (يصحون: "الديناصور وراء تلك العمارة العالية" وأصرخ أنا أيضًا: منزلي.. منزلي هناك).. لماذا يصر البطل على العودة لمنزله؟ لأن ابنته المصابة بالسرطان تنتظره هناك. لقد وقعت القصة في المباشرة وهو ما تحاشه مصطفي الشيمي ببراعة طوال القصص السابقة. في المجمل نحن بصدد عمل يستحق الاهتمام والتأمل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق