هناك من تمشي خطاه على خطاي

الاثنين، 17 يوليو، 2017

جين الحافي - صرخة من مدينة الموت


قراءة مصطفى الشيمي


  للمرة الأولى، أقرأ رواية مصورة يابانية (مانغا). حرصت على اقتناء (جين الحافي) ظنًا أن هذا العمل يندرج في أدب الأطفال، اليافعين (Young adult)، رغم أن موضوع العمل يدور حول كارثة هيروشيما، لأنني أعرف أن أدب الطفل -في الخارج- اهتم بمواضيع كانت محظورة في وقت آخر، مثل الحروب، أو العوالم الديستوبية كـ darkness overcomes you، بل أن هذا الأدب سعى إلى هدم التابوهات القديمة، وقدم رواية "صبي يعشق صبيًا"، كمدينة فاضلة للمثليين جنسيًا. لكنني عرفت بعد ذلك أن هذا العمل يخاطب الكبار، وبعد قراءة الجزء الأول من الرواية، ومشاهدة فيلم الآنمي فهو صعب على اليافعين و صعب على الكبار أيضًا.

رواية (جين الحافي) تُصنف في اليابان ضمن أدب القنبلة النووية، الأدب الذي يتمركز حول انفجار القنبلة النووية في هيروشيما، باعتباره حدث مأساوي، ترك جروحًا في ذاكرة الإنسانية لن تُنسى. سلاح واحد؛ استطاع أن يقضي على 140،000 شخصًا في هيروشيما مرة واحدة، وبضغطة زر. لم تستهدف هذه القنبلة إلا المدنيين، فمدينة هيروشيما لم تكن عسكرية، لقد استهدفت القيادة الأمريكية المدنيين باعتبارهم فئران للتجارب، أرادت أن ترى أثر هذا السلاح القوي، وأرادت كذلك أن ترسل رسالة إلى العالم أكمل، برسم نفسها على رأس خريطة القوى. 
  القيادة الأمريكية لا ترى الأمر باعتباره جريمة حرب، أخلاقية، بل على خلاف ذلك، ترى أن الضرورة الأخلاقية هي التي استدعت هذه الضربة، فهي الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب، بأقل ضرر، وأسرع وقت. تقارير كثيرة وإحصائيات يتم إعدادها، لعدد الضحايا المتوقع في حال استمرار الحرب، تقارير تؤكد أن العدد كان سيتجاوز ذلك بمرات كثيرة، مع وضع في الاعتبار إشارتهم إلى أن اليابانيين في ذلك الوقت، لم يكونوا طيبين مثل يومنا هذا، بل كانوا شياطين، وعن طريق شيطنة الآخر، يتم تبرير جميع الجرائم، طوال الوقت، وفي جميع أنحاء عالمنا المتحضر.




  الكاتب ناكوزاوا كيجي، يبدو لي كقارئ عربي، لغزًا صعبًا. فهو يدين القيادة اليابانية قبل أي أحد آخر، وإدانة الحروب بهذا الشكل، صعب بالنسبة للمثقف أو القارئ العربي. إننا لا نستطيع أن نتبنى موقف زوربا من الحروب، باعتبارها فعل بدائي، موقف كهذا قد يدين وطنيتنا ويجعلنا موسومين بوشم الخيانة. عندما نقرأ عملًا يتخذ موقفًا كهذا، نشعر -بلا وعي- بالشك والتوجس من الكاتب، فهل كان يرى بالفعل- في ذلك الوقت الذي عاصره- أن حرب كهذه بلا جدوى، أم أن هذه النتيجة قد توصل إليها بعد الهزيمة؟ أي أنها من تداعيات الانكسار لا أكثر. فالعمل نُشر عام 1973، أي بعد الحادثة المأساوية بـ 28 عامًا، وبعد سقوط الإمبراطورية اليابانية.
قارئ مثلي، لا يستطيع الوصول إلى تخيل واضح، فالمصادر العربية فقيرة، والمترجم أ.د ماهر الشربيني لم يهتم بكتابة مقدمة أدبية حول العمل، بقدر ما اهتم بكتابة مقدمة تاريخية حول اليابان ونهضتها. وتبقى هذه الأسئلة غامضة بالنسبة لي، لكنها مهمة، تكشف بعض صدق العمل الأدبي؛ فأبطال عائلة جين الحافي، كانت ضد الحرب، وبدت داخل العمل العائلة الوحيدة التي تستطيع الخروج من جلد القطيع، هذا الخروج الذي أدى إلى اضطهادها واتهامها بالخيانة والعمالة وانعدام الوطنية، وهي ذات التهم الجاهزة التي سيقذف بها أو المواطن العربي، في حال الاعتراض على مشاركة الوطن في حرب ما، وهي تهمٌ لها سندها القانوني.
هذا هو الجزء الأول، للرواية التي قُدمت في فيلم أنمى، وهو جزء ثري، يكشف لي  معلومات كنت أجهلها؛ مثل الطيارات الإنتحارية، التي كان يقودها طلاب جامعيون أُجبروا على الموت في سبيل الوطن، عن طريق افراغ الطائرة من الوقود، إلا ما يكفي للوصول إلى الهدف، ووضع القنابل فيها، لم يكن اختيارًا حرًا، شجاعًا، كما كنت أظن، بل كانت استعباد مفزع. كما أنني لم أكن أعلم أن إيناشتين كان على رأس فريق القنبلة النووية، القنبلة التي أعطتها القيادة الأمريكية كود "الطفل الصغير"، الاسم البريء الذي يعكس رغبة -لا شعورية- في انكار  بشاعة الجرم المرتكب في حق الإنسانية. وهناك الكثير من المعلومات الأخرى التي تنكشف طوال القراءة، في قصة ممتعة، ورسوم رائعة، وبعد الانتهاء من العمل أجد نفسي راغبًا في البحث، مجبرًا، برغم الوجع والحزن على معرفة المزيد.
في انتظار ترجمة الجزء الثاني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق