هناك من تمشي خطاه على خطاي

السبت، 30 نوفمبر، 2013

ثورة الرعاع - The Dark Knight Rises


 ثورة الرعاع
The Dark Knight Rises

 
بئر اليأس في فيلم The dark knight rises

 قراءة مصطفى الشيمي

في المرةِ الأولى التي شاهدتُ فيها  The dark knight rises لم أكن منصفًا، كنتُ لا أزال سكير الجزء الأول، حيث الجوكر العظيم يمرحُ في شوارعِ مدينة جوثنام المظلمة ويزرعُ الفوضى فيها، لكنني بعد المشاهدة الثانية للفيلم وجدتني أتقابل مع فوضى جديدة، ليست بذات الشكل الأول، فوضى منظمة، على نقيض فوضى الجوكر التي لم يكن لها غاية سوى كشف زيف كذبتنا، إنسانيتنا، وحضارتنا، أخلاقنا، كأنها مرآة نتقابل فيها أمام حقيقتنا، فإن في هذا الجزء كان للفوضى وجهًا آخر، كانت منظمة، ومخططة، تعرفُ بالضبطِ ماذا تريد، ماذا تريد؟ تريدُ أن تحلَ محل النظام الرأسمالي الفاحش، الظالم للفقراء، والذي لم يكن سوى زيٍ جديد للإقطاعيين.
المدينة بأكملِها تخضعُ لسيطرة الرعاع، اللصوص، القوادين، المحاكمات تقام للأثرياء، بشكل مجحف، رغم أن الكثير منهم مدان بالفعلِ، البشرية لم تستطع الوصولَ بعد إلى نظامٍ عادل، لا يرتقي بنا، نحن الإنسان، ولكن فقط يليقُ بنا، يشبهنا، البشرية لم تصلْ إلى يوتبيا، وربما لن تصلَ، والنظام، الرأسمالي أو غيره، في كل حين هو المرض العضال، ولكن بطريقة ما- رغم إدانتنا- فهو يبدو أيضًا، والحديث عن النظام، الحل، ولا حل آخر.



إننا نتقابل مع باتمان بشكل جديد، مدهش، في هذا الفيلم، صحيح أن مدمني باتمان ، ربما ، لن يندهشوا، لأنهم رأوا الفكرة من قبل في فيلم الكارتون 1 The Dark Knight Returns, Part ، باتمان العجوز، لا المريض، أمام العملاق بين، غير أن المعالجة كانت مختلفة وجعلت الفيلم أكثر عمقًا. المشاهد الذي اعتاد أن يتفرج على بطل خارق، يقهر الأعداء، يراه للمرة الأولى في هذا الفيلم، ضعيفًا، عاجزًا، بطيئًا، ليس الأمر كما كان، مجرد هواجس في عقل بروس وين لكنني أتحدثُ عن مهارة باتمان في القتال، إنها نقلة نوعية لصورة باتمان في أذهاننا، يتحولُ فيها من البطل الخارق إلى الإنسان العادي، بل إننا ننسى باتمان تمامًا ولا نرى سوى بروس وين دون أي قناع على الإطلاقِ، مجرد بشري ضعيف، عاجز، سجين في بئر اليأسِ.
كانت الكاميرا تؤكد على ضعف باتمان، فهي لا تتحرك بسرعة، لا تجري، لا تعدو وراءه وهي تطارده على أملِ اللحاق ببطلنا الخارق السريع، ربما فعلت هذا مرة أو مرتين، لكن عندما وقفَ الخصمان أمام بعض، باتمان والعملاق بين، اختلف تكنيك التصوير، انتقلت الكاميرا إلى التصوير الواقعي، فهي تتحركُ كأن هناك من يحملُها، تهتزُ، ببطيء شديد، تراقب العراكَ، ربما لأن المخرج أراد أن يبدو التصوير واقعيًا، لأن الأمر لا يعود سوى عراك عادي بين رجلين في الشارعِ، حيث ينتهي النصر دومًا للعملاق ذي الكف الكبير والقبضة القوية.
كانت هناك رغبة كبيرة لإهانة
باتمان في العراك مع بين، حتى يدرك المشاهد حجم الأزمة التي وقع فيها، بئر اليأس، كان باتمان يقاتلُ وهو يصرخُ، ربما هذه المرة الأولى التي نراه يصرخُ فيها في القتالِ، أعرفُ جيدًا هذه الصرخة،سمعتُها من العديدِ من المنهزمين، سمعتها في فيلم Troy على لسان فيكتور، وفي فيلم إبراهيم الأبيض قبل أن يسقطَ أرضًا، الجميع يصرخون ويستغيثون بماضيهم المجيد، فهي صرخة البطل الخارق دومًا قبل الهزيمة. انظر إلى باتمان ، وهو يلكمُ مثل فتاةٍ، يلقي بالخدعِ والحيل، كطفل فيب عراك يلقي بالحجارةِ، يسخرُ بين قائلاً "مسرحي، وخدع بصرية لكننا لسنا مبدتئين، أليس كذلك"، ينهضُ باتمان ، ثم يسقطُ مرة أخرى، فمرة أخرى، ويضرب مرة أخرى، فمرة أخرى. ما كل هذا الذل؟ ليس هذا بالطبع ما عهدنا من باتمان من قبل وما شاهدناه في طفولتِنا عن بطلنا الخارق المفضل.


المعالجة في الفيلم كانت تهتم ببعدين، البعد الأول هو الصراع بين فكرة النظام والفوضى، والنقد العنيف للرأسمالية، لكنها بالرغمِ من نقدها لا تنقضها، تدافعُ عنها في النهاية باعتبارها أفضل من الشر المطلق، الظلم المطلق، اللافوضى، سيطرة الرعاع على مقاليد الحكم والقوة، كأنها تقول هذا ما وصلنا إليه، وهو ليس مثاليًا، لكننا نسعى إلى ما هو أفضل. البعد الثاني في الفيلم يرتبطُ بأعماق باتمان ، فكرة الخروج من بئر اليأس، هذا الصراع الداخلي الرائع، والذي تم تجسيده، بالمعنى الحرفي للتجسيد، في اسوأ سجون الأرض، السجن الذي في داخلنا، وربما هذا البعد يرتبطُ بالفكرة الأولى التي ترسخ إمكانية الوصولَ إلى مسافة أبعد في نظام أفضل.
على كل حال، أفضل ما في ثلاثية ، أنها نقلة كبيرة، نوعية، من حيث عمق الفكرة وفلسفة الفيلم، ليس فقط لأفلام Batman، ولكن لجميع أفلام الأبطال الخارقين في ظني، وأعتقدُ أن المخرج الذي أمسكَ بطرف الخيط من بعد Nolan هو مخرج رائعة (500) Days of Summer، والجزء الأول The Amazing Spider-Man من سلسلة Spider-Man الجديدة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق