هناك من تمشي خطاه على خطاي

السبت، 14 مارس، 2015

الأمل.. حي


الأمل.. حي

قراءة| أحمد الملواني 

الرواية: حي
الكاتب: مصطفى الشيمي
الناشر: دار العين
في روايته الأولى "حي" الصادرة عن دار العين، لا يختلف الكاتب الشاب مصطفى الشيمي ـ ضمنيًا ـ عن المنجز الروائي لعدد كبير من الأدباء الشبان مؤخرًا، في الاتكاء على الثورة واستلهامها، وإن اختلف عنهم الشيمي ـ وتميز ـ باتخاذ مسار واسع حول الثورة، يسمح له برؤية أكثر شمولية، تعزلنا عن أية أحداث عاصرناها أو عرفناها، أو عن أية كتابة تسجيلية منفعلة، ليقدم لنا ـ بخيال محلق  فوق تراث الغرائبية ـ نصًا أدبيًا متميزًا عن الثورة كفكرة أو كحلم. ويكتفي الشيمي بوضعنا ـ ربما عن قصد ـ في خانة الاضطرار لربط أحداثه بما جرى في الواقع القريب، باختياره لتذييل الرواية بتاريخ كتابتها وهو 8/10/2012.
يستدعي مصطفى الشيمي من التاريخ الديني والشعبي حكايات من أثر الأنبياء، وتراث الثائرين، والمقاومين، بدء من الحلاج، الذي يضع الشيمي على لسانه تصديرًا لروايته "على دين الصليب يكون موتي"، انتهاءً بالمسيح، الذي قد تكون نهايته مثال لثائر اختار الموت لتحيا الفكرة؛ مرورًا بموسى الذي تربى في بيت عدوه، وإبراهيم الذي حطم الأصنام، والحسين، وطومان باي، وسعد زغلول، والسبع بنات القبطيات اللاتي قاتلن في صفوف جيش العرب ضد الرومان متنكرات كرجال. كل تلك الشذرات من القصص القديم يمزجها الشيمي بخرافات الريف، بحكايات الأولياء والسحرة والجان، صانعًا الهيكل الذي كساه بخياله الخاص ورؤاه، لتتشكل روايته التي قسمها لقسمين، الأول بعنوان "الشيخ"، والثاني بعنوان "الطريقة"، ووضع تحت كل قسم منهما أربعة فصول، اختار تصدير كل فصل منها ببيت من شعر الحلاج؛ وهو ما رأيته مرهقًا للقارئ.
وبلغة خاصة امتزج فيها المجاز الصوفي بالحكي الشعبي، يحكي لنا في القسم الأول قصة "نعيم" الذي يحيا في قريته ممزقا بين واقعه كراع للغنم ينتمي لعرق منبوذ، وبين أحلامه الكبرى بعشق ليلى، زوجة العمدة القتيل الذي تربى في بيته، وأم العمدة الشاب، والأمانة التي حملها له شيخه براعية الأطفال/المستقبل، وسط أهالي قرية أعياهم التصوف في عشق الجلاد "لسعة السوط لا تقتل" ص68، وسكنهم التناقض وغياب الرؤية والوعي "يسبون الدين نصرة لله وللرسول" ص134، ليعيش بينهم نعيم مثل: "الحي القادم إليها من وسط الموتى" ص70.
في القسم الثاني، نخرج مع نصر الدين ـ الشاب المرفه ـ من بيته في الغورية، في رحلة هروبه من الأشباح التي تناديه لإنقاذها. نجوب معه الصحراء، مرتحلين بين خرافات وحكايات قدسية، حتى تتقاطع المصائر، وتلتحم الحكايتان، وكما أقدار الأنبياء يجد نصر الدين في نهاية رحلته، جواب حيرته مع الأشباح، ليجد هناك الرسالة التي عليه حملها كأمل/شيخ جديد، يتبعه الأطفال. ليبقى الشيخ حي، ومعه الأمل/الثورة، ومحاولات عبثية لإنهاء الحكاية التي تركها شيخه مفتوحة، لحين العثور على جواب لسؤال: كيف هرب الأرنب من كلاب الصيد؟!
المكان في الرواية ينتقل من القرية، التي تركها الشيمي مجهلة، وإن شابهت آلاف القرى في ريف مصر، بطقوسها، وخرافاتها؛ إلى القاهرة، وحي الغورية تحديدًا، حيث عبق الزمن المفتقد؛ إلى الصحراء وصولاً إلى بلدة بهنسا، التي يأخذنا قلم الشيمي في جولة بين آثارها، ومقدساتها الروحية، وخرافاتها التي لا تنتهي. بينما زمن الأحداث؛ وإن قرر الشيمي إبعادنا عن الزمن الراهن، تجنبا للإشارة لثورة 2011 كما يبدو، فإنه يضع أحداثه في زمن آخر للثورة، وهي ثور 1919. وإن غاب الزمن بوجوده المنطقي، نظرًا لإغراق الأحداث في الغرائبية والأسطورة، عدا بعض إشارات متناثرة للإنجليز وسعد زغلول. ولو حرر الشيمي روايته من الزمن ـ في رأيي ـ لما تأثرت بالسلب.
يبقى ذكاء "الشيمي" في اختيار عنوان روايته محلا للإشادة، فتلك الكلمة البسيطة المكونة من حرفين "حي" محملة بالكثير من المعاني والرؤى، فقد تكون حول الأمل الذي لم يزل حيًا، حتى وإن بدا حلم الخلاص مستعصيًا، وقد تكون إشارة لكل من اختار البقاء حيًا ـ مثل عبدالنعيم ـ وسط الأموات، وقد تحمل تحريضًا متروك فهمه للقارئ، إذا ما قرئت كاسم فعل، يدعو لممارسة محذوفة، ربما كانت الثورة.
مصطفى الشيمي الذي يبدو ـ من خلال متابعة كتاباته ـ متشبعًا بالأثر الشعبي والحكاية الدينية، يبدو وكأنه استخدم الكثير من مخزون معارفه في هذه الرواية، وبرغم هذا لم تترهل منه، أو تأخذنا لمنطقة استعراضية؛ فبين التماس مع الكثير من القصص الديني والتاريخي، وبين عدد من الاقتباسات ـ بلغ خمسة عشر اقتباسًا ـ من أشعار وأناشيد الصوفية، والأغنيات التراثية للريف. لم يفقد الشيمي سيطرته على أحداثه وشخصياته وخصوصية خياله، ليقدم نصًا روائيًا فائق التميز والإمتاع، يجعلنا نرفع القبعات احترامًا لقلم شاب يبشر بالكثير.
 
قراءة ـــ أحمد الملواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق