هناك من تمشي خطاه على خطاي

السبت، 14 مارس، 2015

رواية عطر/ والبحث عن روحٍ




رواية عطر/ والبحث عن روحٍ


عطر – باتريك زوسكيند
قراءة / مصطفى الشيمي

    للروحِ عطرٌ؛ هذه هي الفكرةُ المجردةُ التي كتبَهَا باتريك زوسكيند في رواية العطر. وهي قد تبدو لكَ فكرة عادية وليس فيها ما يدهش حتى تصير الرواية من أهم الروايات العالمية. حسنًا أنت مخطيء. وسأبرهن لك هذا. للروحِ عطرٌ؛ لطالما نقول هذا الأمر فما الجديد؟ الجديد هو أن باتريك زوسكيند كان يقصد هذا المعنى حرفيًا.
    للروحِ عطرٌ وهذه هي عقدة الرواية وعقدة بطلنا جرونوي، والذي لم يكن مقدرًا أن يعيشَ. بطلنا الذي لا يمتلكُ رائحة من دون الناسِ. وفي المقابلِ يمتلكُ أهم أنف في العالم، بل في التاريخِ. هي قصة رجل عاشَ في القرن الثامن عشر، وهو من أهم الأوغاد في العالم والذي لا يقل أهمية عن بونابرت على سبيل المثالِ. لكنك لم تسمع  بها من قبل؛ بالطبعِ. فمجالها .. هو مجال لا يدوم في التاريخ أو يترك أثرًا طويلاً : العطر.

   ليس من السهلِ أن تكتبَ رواية كما تخيلتها بالضبطِ. توجد دومًا الكثير من الصعوابات التي تعيقُ الأديب. على سبيل المثال: إن أردتَ لبطلك أن يصيرَ عطارًا فعليك أن تعرفَ كل شيءٍ عن العطور وصناعتها وأنواعها. وإذا أردت لبطلك أن يصيرَ أعظم العطارين فعليك أن تعرف أصغر التفاصيل وأدقها. وهنا باتريك زوسكيند لم يكن محض أديب بل كان عطارًا عظيمًا. فقد أرخ لصناعة العطر في القرنِ الثامن عشر بباريس وبأفضل شكل؛ بل بشكلٍ معجز. وكدت أؤمن، من فرطِ دهشتي، بتناسخ الأرواح كما يعتقدُ البوذيون والهندسيون. وأقسمُ أن الكاتب عاش كعطارٍ في الزمن الأول.

   الواقعية السحرية تجبرُكَ على تصديق أمور غريبة؛ طالما آمنت وسلمت منذ السطر الأول. هذا حقيقي. لكنني أشهد أن الأمر هنا لا يتم وفق لنظرية اخدعني – دعني أنخدع. فهنا الصدق موجودٌ بأعلى درجة. بل أنك لا تملكُ سوى التسليم والإيمان عن اقتناعٍ بالفعلِ؛ حتى لو حاولت أن تقاوم. حاول. حاول مرة أخرى. في النهايةِ ستخضع مثل جميع أبطال الرواية. هذا ليس بسببِ رائحة العطر، التي ستشمها بين الورق، ولكن بسبب أسلوب باتريك زوسكيند الرائع والذي لا ينسى أية شيء ولا يترك أية ثغرة دون أن يسدها. أسلوب باتريك زوسكيند هو الذي جعلك تشم روائح الأشياء كلها من خلالِ الكلمات؛ من خلال اللغة الفقيرة. كل لغة فقيرة. الرائحة/ العطر هو الأصدق والأبقى.

   للرواية ألف معنى؛ فهي روايةٌ تتسع لكل روحٍ، وهكذا أرادها صاحبها. لذا سأحتفظُ بتأويلي لنفسي؛ فهو مرآة روحي. لكنني في النهاية لا أملك إلا أن أندهش. فهذه الرواية هي الأولى للكاتب والتي خطها في عمر الخامسة والثلاثين. وهي ليست رواية جيدة فقط أو متكاملة بل رواية مدهشة وعالمية. فماذا يفعلُ المرء كي يكتب رواية تحتفظ بعطر / رائحة أبطالها الموتى .. وتخلدهم؟ أنا لا أعرف الإجابة بعد. عليّ أن أجد عطري.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق