هناك من تمشي خطاه على خطاي

الاثنين، 29 يونيو، 2015

مقهى سيليني - الحياة كما يجب أن تكون


مقهى سيليني 

الحياة كما يجب أن تكون

الرواية الفائزة بجائزة محترفي ورشة نجوى بركات 2014

قراءة: مصطفى الشيمي




 عندما تقرأ السطور الأولى في رواية مقهى سيليني لا تشعر أنك تقرأ رواية، لا أقول أنك تنفصل عن الزمان والمكان. لكن المكان والزمان هما الذان يتغيران. كأنك تبصر إسكندرية من خلال صندوق السينما السحري. تراها وهي تطل عليك بكامل سحرها، وبلونين فقط: الأبيض والأسود. تراقب فتاتين أحبتا السينما فبادلتهما الحبّ، فصارتا مثل أبطال الشاشة الكبيرة، فتاتين ساحرتين، إلهتين جليلتين. كانت أسماء الشيخ رقيقة بأبطالها، تشفق عليهما، تسرد بصوت هاديء، يدندن لهما، لعل أحزانهما تهدأ قليلاً. مثلما كانت "رقية" تقص الحكايات على أخيها عبد الله المريض ذهنيًا ليهدأ ويحلم بعالم أفضل. كانت أسماء الشيخ كالأم العظيمة التي تخشى على أبطالها من الهواء والتراب والحزن.
  فتاتان هما بطلتا الرواية. الأولى تدعى بيتا، ابنة الخواجة "ألبرتيني"، لها عينان زرقاوتان مثل البحر الذي أغرق أمها. تعدو بيتها في الشوارع لتبحث عن ذاتها، يتطاير فستانها، غير عابئة بالناسِ والقيود. وبرفقة ماركو – صديقها- الذي كان يرتدي البيجاما، بعدما ألقيا الماء من السطح على أحد العابرين، يصعد الرجل إليهما فيبادر الاثنان بالفرار في مشهد سينمائي، وهذه السينمائية لا تنفك عن الرواية ولا تتركها طوال مشاهدها. بلغة فنية لا تستسهل الكتابة، ولا تبحث عن التعقيد. لغة سلسة تأخذك بجمالها وتشدك، تخطفك تمامًا حتى آخر سطر. الفتاة الأخرى هي رقية، ابنة الحجام، لم تكن تملك حرية بيتا لكنها تشاركها ذات التوق، الرغبة في حياة كالحلم: الحياة التي كان يفترض أن تكون. تتسلل رقية خفية من المنزلِ لتذهب إلى السينما، وهناك تفاجأ بوجود السحر. الحياة التي تريدها، تعشقها، تعشق الشاشة الكبيرة وتغرم بها. لماذا لا تكون حياتنا فيلم جميلاً؟ كأن هذا السؤال يدور في ذهنها، لكن أسماء الشيخ تنتصر بالفعلِ للفن، وتجعل حياة بطلتيها أجمل من الأفلام. وربما من دون أن تشعر الفتاتين بذلك. 
  الرواية تدور في أربعينات الأسكندرية، حول مقهى سيليني الذي تحول إلى سينما، وبيت الحجام الذي صار امتداد لهذه السينما.  يبدو واضحًا الجهد المبذول في رسم تفاصيل المدينة، ليس فقط في مذاكرة تاريخ المدينة، ولكن في إعادة رسمها كأنها تطل علينا من السينما – رسم سينمائي، وبلغة تهتم بالمرئي.  لم تنشغل الرواية بصنع – او تصنع – عقد كبيرة. لكنها اهتم أكثر بالإنسان، والصراع الذي يدور بداخلنا. بلغة تأنس الجماد، وتجد العلاقة بين الأشياء: كالعلاقة بين بيتا والرسائل والبحر والحمام الشعبي والسينما والرقص، والعلاقة بين رقية والحكي وأخيها المريض ذهنيًا والبخور والأعشاب والسينما.
  هي رواية تخطف القاريء، بلغتها السلسة الجميلة، وبسردها الدافيء. بأبطالها الذين كانوا برقة الأحلام. رواية تشكل المدينة التي بناها الإسكندر كرقعة شطرنج، لا لتكون ميدانًا للحربِ ولكن لتكون قاعة للرقص. بلاطها بين الأبيض والأسود، مثل الأفلام لونها، لتكون هي الحياة التي يجب أن نعيشها فإن لم نجدها فلابد من خلقها. شكرًا أسماء الشيخ على الرواية التي تبشر بصوت سردي مميز وكاتبة سيكون لها شأنها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق