هناك من تمشي خطاه على خطاي

الثلاثاء، 30 يونيو، 2015

الفيس بوك – أشباح العالم الأزرق

الفيس بوك – أشباح العالم الأزرق

للرائع الرسام أمجد رسمي

بقلم مصطفى الشيمي

الفيس بوك – أشباح العالم الأزرق
  قليلاً ما أتأثر ببوست أحدهم لكنني وجدتُ ذلك، مع بوست لميسرة الهادي، وأردتُ أن أكتبَ تجربتي أيضًا مع العالم الافتراضي- لأنها محاولة لفهم أنفسها والعالم المولود حديثًا. أعتقدُ أن البدايات تحمل في أرحامها نهايتها، أقصد أن البدايات الجيدة تقود إليها. وأنا قليلاً ما أتأثر ببوست أحدهم لأن الفيس بوك ليس أكثر من نافذة، بالنسبة لي، للتلصص. مجرد التلصص لفهم الناس، أفكارهم ومشاعرهم ومعرفة أخبارهم، لا التواصل معهم: لأن ليس عند الناس ما يغريني للقربِ. ولهذا فنادرًا ما كتبتُ في هذا الواقع التخيلي عن مشاعري أو أفكاري أو تعليقي وموقفي من الأحداث الكونية الكبيرة التي تجري، سياسيا أو اجتماعيًا. لا أبالي. أكتفي بالكتابة والتلصص. الكتابة والغناء. أتجاهل الأخبار التي تملأ السطح وتصير بؤرة اهتمام الجميع. الجميع يكتبون موقفهم مما يحدث. لكنني سأقول لك سرًا، رأيك ليس هامًا، أنت خارج دائرة الفعل.
  في عام 2009 قال لي أحد الأصدقاء – الخونة- "هات الأكونت بتاعك"، فلم أفهم ماذا يقصد. لم يكن عندي أكونت للفيس بوك. سألت ما فائدة هذا الشيء أو هذا المكان؟ فقال لي "تواصل"، قلت "مثل الشات؟" فقال بالضبط. لم أكن أحبّ الشات، لم أكن أجيد الثرثرة مع شخص غريب. لكن صاحبي قال بأن المكان سيروق لي. وبعدما دلفت إلى هذا العالم، فوجأت بأن لا أحد يريد في هذا العالم التواصل حقًا. الناس هنا أشباح في عالم أزرق، منذ اليوم الأول، يسقط عنك جلدك. تكتشف قوانين العالم المحيط بك، بعضها تعرفها، أغلبها تشبه قوانين عالمك القديم، لأنها صورة أخرى منها. هنا تخلق صورتك التي تريد، التي تشبهك، والتي لا تشبهك، والتي ليست بالضرورة أنت. السجائر هي "نقود" السجن. وهنا "اللايك"، و"الشير" هو الذهب، وعدد الفولورز هو "الماس". وهكذا. تستطيع أن تصل إلى هذه الأشياء، وتملكها فتملكك بالضرورة، لكنني سألت، وظللت أسأل وأنا أتحول إلى شبحٍ "ما فائدتها؟". وبالرغم أن جلدي تساقط مني مثل الجميع لكنني وجدت كلا العالمين بائسين جدًا.
  في البداية كان زري المفضل هو البلوك، الزر السحري. لأنني كنت صداميّ، كثير الجدال. أقول ما أؤمن. "أنت أعور"، فيغضب الأعور. وتحدث المشاجرة الكبرى. والبلوك حل سحري بالفعل، ومرادف البلوك في الواقع هو الصفعة. إنها الطريقة التي تجعلك تصفع الآخر. ولهذا فإن في هذا الواقع التخيلي يسارع كلا الطرفين ويعدوان إلى هذا الزر لكي يسبقا بالصفعة الأولى والأخيرة. صفعة تنطق بـ "أنت غير موجود"، "أنت غير هام"، "أنت أقل من أن أراك". وفي الحقيقة أننا جميعًا لسنا موجودين ولسنا هامين. مع الأيام صرت أحتفظ برأيي أكثر وأهرب من الجدال. لهذا لم أعد استعمل هذا الزر كثيرًا. أستعمل الديليت فقط. بما يعني "أنت موجود لكنني لا أريد أن أكون صديقك". "لا أريد أن نتشاجر. دعنا نرحل في سلام". 
  في الجيش؛ كان هذا الواقع البديل ليس أكثر من مرحاض، هنا أبصق على العالم مواجعي، أكتبُ رسائلي السرية. وكان بديلاً عن الذاكرة، وعن المذكرة: النوتة الزرقاء التي لا تفارقني. لا أبالي إن كان هذا البوست يجلب لي المال، أو الذهب، أو الماس. أكتب فقط لأنني طوعت هذا العالم ليكون "مذكرات شخصية"، مذكرات سرية لن يفهمها سواي. هذه المذكرات التي، في العالم الحقيقي، أردتُ كثيرًا أن أكتبها وعجزت عن تحقيق هذا. الفيس يحقق لي هذه المعجزة. هنا سأعود بعد عشرة سنوات وأقرأ سنوات من عمري وأبتسم. ولهذا فإن كثيرًا ما أكتب بوستتات تتحدث عن أفكاري، أو مشاعري، لكنني أجعلها Only me لأنني لا أعرفك ولا أثق في الغرباء، أؤمن بأن علينا الفضفضة مع أصدقائنا الحقيقين وأحبابنا الحقيقين، لأن لمشاعرنا قيمة أكبر من عرضها مجانًا على غرباء لا يبالون ولا يستطيعون المساعدة.
  لا أحبُّ الشهرة، وأعرف كيف الطريق إليها، لكنني فقط لا أحبها. فكرة أن تملك جمهورًا كبيرًا سهلة التنفيذ، إذا أردت أن تحكم الناس مثل الخرفان فإن عليك أولًا أن تحولهم إلى خرفان. وأنا لن أكون أنا ببساطة. سأقول، بضريبة الشهرة، ما لا أؤمن وما لا أعتقد. سأكذب كثيرًا. الخالدون هم من ساروا دومًا عكس اعتقاد الجماهير وغيروها، لهذا لم ينصفهم زمنهم أبدًا. كانوا ضد التاريخ لذا صنعوا التاريخ. والمشهورون في حقيقة الأمر ينافقون جمهورهم، صورة كاملة منهم، لا أعلى. لا يسبقونهم وإن بدا عكس هذا. وأنا معنيٌّ أكثر بالتاريخ. 
  ولهذا فغالبا ما ستجدني هناك، في الركن، أكتب ما أريد. بعيدا عن الحمى العامة التي تغير أمزجة الناس كيفما شاء لها التيار. أنا أطوع البحر. أكتب ما يعنيني، أصير شبحًا أزرقا مثل الجميع، لا أنكر هذا، لكنني أهرب أيضًا إلى الخارج وأستمتع بحياتي مع قلة من أصدقائي – الأوفياء- وحين أعود إلى زنزانتي بصحبتكم، لا أفقد آدميتي، وسرها سهل وهو أن تكون أنتَ، وأن تظل أنتَ، وأن تحارب لتظل أنت.

.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق