هناك من تمشي خطاه على خطاي

الاثنين، 24 أبريل، 2017

مصطفى الشيمي: أنا والقارئ ظلان لجريمة واحدة - مجلة الثقافة الجديدة

لعبة الكتابة
شهادتي المنشورة في مجلة الثقافة الجديدة عدد إبريل ٢٠١٧
ضمن ملف المشهد الأدبي الراهن في مصر


ولدت في جنوب مصر، وعشت في الجهة الغربية من النيل، حيث يدفن الموتى عند قدماء المصريين، وحيث ولد المثل الشعبي "راح وراء الشمس"، كناية عن المعذبين والمعتقلين الذين اختفوا مثلما يدفن الموتى في الجهة الغربية، لكن - في هذه الأرض- لم يكن هناك ما يموت أو يختفي للأبد. فالحكايات تخلده، أيا كان. لم تكن اللغة صادقة، تمامًا، كالحكايات. كانت الحياة مراوغة، فلا تعرف الحقيقة، ولكن تلمس ظلالها. مرآة مكسرة إلى ألاف القطع، تجمعها، بشغف غير عادي، رغم أنك تعرف ذيفها. هكذا أتذكر الحياة هناك، وربما كانت الذاكرة، كعادتها، تخادعني. لم أعش في القرية، ولم أر عفاريت الحقول، انتقلت عائلة أبي إلى البندر- تلك مفردة مراوغة أيضًا، لأنني لم أسمعها هناك. ومع انتقالهم حملوا حكاياتهم، وحكايات قريتهم، الحنين إلى الأب الميت، الشيخ الأول، والحنين إلى شجر البرتقال. كنت أعيش في المدينة، المنبوذة، لأن ابناء المدينة بلا أصل، لابد أن ترجع أصلك إلى قرية لم تعش فيها، وإلى حكايات لم تشهدها، لكنها تربطك بالجدود. هذه الحياة التي عشتها قبل أن تختارني الكتابة، وتصطفيني، لأجلس عند النيل، أشاهد شروق الشمس وحدي، فيتهمني الأصدقاء بالخبل. حياة تركت في عقلي صورًا مبتورة، وحكايات مبعثرة هنا وهناك، فلم أكن قرويًا، بما يكفي، ولم أنتمِ إلى طين الأرض. سافرت إلى القاهرة لألتحق بكلية الإعلام، وهنا بدأت الكتابة تأخذ شكلها الجاد، لا أعرف متى، أو كيف، لكنني صرت إنطوائيًا. أنعزل للقراءة، للكتابة. وبدأت أرى الكتابة لعبة، محاولة فاشلة لاكتشاف العالم، والذات، وفوق ذلك اكتشاف اللغة. وهي محاولة فاشلة لأنها لا تطمح للوصول إلى أية إجابة، بل تطرح الأسئلة الصعبة على إمتداد الوقت. في هذه اللعبة رفضت الانضمام إلى قصر من قصور الثقافة، أو نادي من أندية الأدب، أو أية جماعة أدبية. كنت أخشى الذوبان مع الحشد، أية حشد. صرت إنطوائيًا، لا أجيد التواصل جيدًا مع الآخرين، وخسرت بهذه العزلة الكثير من العلاقات، والصداقات، والمصالح، ورأى البعض سر عزلتي هو الغرور، كان للعزلة مساوئها، لكنها كانت شرط اللعبة، لعبة الكتابة، وشرط للانفراد. هكذا بدأت الكتابة منذ عشر سنوات، على بعض المنتديات الأدبية، حيث كنا نقرأ قصص الغرباء، ويقرأون قصصنا. لم يكن هناك مجال للمجاملة، لأن لن تعود عليك بمصلحة شخصية. قابلت روائين وشعراء في عمري مثل، أحمد الصادق، صابرين مهران، عمرو عبد الحميد، أحمد الفياض. وآخرون لم ينشروا بعد، وآخرون لم يكملوا الطريق. البعض اختار الكتابة الجادة، والبعض اختار الكتابة الجماهيرية، المهم هو أن هذه المرحلة لم تدم، صارت موضة قديمة، وربما كانت قديمة الروح منذ بدايتها، بما تحمل من روح قصور الثقافة وأنديتها، حيث النقد القوي الشرس- وفقًا لحكايات أثق في راويها. شهد جيلنا عصرين، عصر قصور الثقافة وعصر السوشيال ميديا.
مع انتهاء عصر المنتديات الأدبية، بحثت عن بديل. اشتركت في المسابقات الأدبية، ولم أكن أعرف أنني محظوظ لهذه الدرجة، فرغم أنني لم أبلغ الثمانية والعشرين، فزت بأكثر من اثنى عشر جائزة أدبية، كجائزة أخبار الأدب، أخبار اليوم، دبي الثقافة، المجلس الأعلى للثقافة، والهيئة المركزية لقصور الثقافة. لم تكن الجوائز هي الغاية من ذلك، بل الكتابة لذاتها، البحث عن متنفس. لكنني لا أنكر أن الجوائز قدمت لي الكثير، إذ إنها جعلت البعض يتوقع، والبعض يترصد، وهذا حمل مفزع، أن هناك قارئ ينتظرك، ولو كان قارئًا واحدًا. في النهاية لا أكتب سوى ما يرضيني، بشكل شخصي، القاريء لا يسكن عقلي أثناء الكتابة، ثمة عالم يسجنني، صور تطاردني، وعلي أن أنقلها بصورتها التي تسكن روحي. بعد الانتهاء من العمل الأدبي أتذكر القاريء، ويفزعني؛ لأنني أقدره. أفكر في قرار النشر، هل يستحق هذا العمل الحياة؟ لا أمانع من تمزيق القصص والروايات الرديئة، فعلت ذلك في روايتين ومجموعتين قصصيتين. أنا والقارئ ظلان لجريمة واحدة؛ وهي أن نصنع عملا أدبيًا يستحق الخلود. لذا كان قرار النشر مفزعًا.
في عام 2014م، اتخذت هذا القرار، ونشرت روايتي "حي"، التي كتبتها في عشرة أشهر، عشرة أشهر لم أفارق فيها مقعدي، فعانيت من آلام الظهر والمعدة. كنت مهتمًا بكتابة لغة ممتعة، تحمل إسلوبًا مميزًا، وتحتضن خرافات عالمها. لغة بعيدة عن الجثث الجامدة؛ يعرفني بها القارئ.
وفي عام 2016م، نشرت مجموعتي الأولى "بنت حلوة وعود"، الفائزة بجائزة دبي الثقافية. كان فكرة اللعب أهم ما يميزها؛ لذا كتبت في مفتتحها عبارة لصلاح جاهين "أكتب لأنني أحبّ أن أقول تيرا را"، وهنا كنت ألعب بالبنية القصصية، كقطعة طين أو صلصال، كما أريد. أفرش القصص بقوانين الإدراك، الشكل، الأرض، الخطوط غير المكتملة، الدوائر. أمزج بين البنية القصصية والفكرية، أعيد صياغة العالم، بإدراك جديد، فالعالم وليد نظرتنا، وربما صار أفضل بنظرة أخرى.
وفي نهاية عام 2016م، فازت مجموعتي القصصية "مصيدة الفراشات" بجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة ونُشرت، وللمرة الأولى يحزنني الفوز، لأن هذه المجموعة كانت كتابتي الأولى، وكان مقدرًا لها أن تمزق.
الجوائز تقوم بدورها في إبراز الأفضل، من منظورها، لكن هذا المنظور يرجع إلى الذوق، لا ألوم لجان التحكيم أو النقاد -بالطبع- فالنقاد والجيل الأكبر من الأدباء لا يقرؤون كتابتنا دون هذا المنفذ: الجوائز الأدبية. وقد يكتب مبدعٌ عملا رائعًا، ولا يقرأ، بل يدفن أسفل أكوام الكتب الرديئة. رواية "ذكريات النوم القديم" لعمرو عبد الكريم خير مثال على ذلك، لأن صاحبها لا يملك علاقات في الوسط الثقافي، لا يعرف صحفيًا أو ناقدًا، فإن الرواية طارت مع الريح بعيدًا.
لعل مشكلة فقدان التواصل مع النقاد، أو الأدباء الأكبر عمرًا، هي مشكلة يعاني منها جيلي، وربما سيعاني منها الجيل الأصغر منا. وربما كانت صياغة المشكلة مشكلة في ذاتها. هل على المبدع أن يتواصل مع الناقد؟ أم على الناقد أن يتواصل مع الحركة الثقافية في مصر ليقوم بتغطيتها؟ الحركة النقدية في أزمة كبيرة، والصحافة الثقافية كذلك، وهناك من يسعى لسجن جيل كام في إطار الكتابة الرديئة، المراهقة، الجماهيرية، لأسباب تتعلق بحركة البيع والشراء في المكتبات، ولأسباب تتعلق بصناعة النجوم، رغم وجود العديد من المبدعين الذين قدموا أعمالاً جيدة -أو ينتظر منهم ذلك- فهناك من يحاربهم بالشائعات والدعاية القذرة. أستطيع أن أذكر أسماء لهؤلاء المبدعين، لكنني سأكون في حيرة حينها: هل هؤلاء من جيلي؟ أم الجيل الأكبر؟ أم الأصغر؟
تقسيم الأدباء إلى أجيال مشكلة أخرى، وربما تكون، هذه المشكلة، هي سر انعدام التواصل مع بعضهم البعض. فعلى أي أساس يتم هذا التقسيم، هل وفقًا لتاريخ نشر أول عمل أدبي؟ أم وفقًا لتاريخ ميلاد الكاتب؟ الأجيال هنا قد تبدو مرادفة للشلل، الأصدقاء الذين يبتدؤون الكتابة معًا، ويبتدؤون الحلم معًا، ويرفضون سيطرة الجيل الأقدم على صناعة الحركة الثقافية، واحتكارها، ولما يصلون يقومون بذات الدور. ثوار يتمردون على سلطة الكهنة، فيهزموهم، فيصيرون كهنة بدورهم. الدوائر مشكلة كبيرة، الدوائر المغلقة، غير مسموح لك بالاقتراب منها إلا إذا قدمت ما يكفي من القرابين والصلوات. والصحافة الثقافية مثلها مثل الحركة النقدية، قد تسقط الكثير من الكتابات الجيدة، ودون أن تشعر، تهتم بأسماء على حساب أعمال أفضل؛ لأن أصحاب هذه الأعمال لم يعرفوا بعد، وقد تمر سنوات كثيرات قبل أن يموتوا، حتى نذكرهم ونبكيهم.
هذه مشكلات قديمة، قام نجيب سرور برصدها، ونقدّها، وركد الزمن منذ ذلك الحين. لا نزال نعيش "بين السما والأرض" في قصة نجيب محفوظ، إننا نعيش ذات المشاكل، ونكتب عن ذات المشاكل، كأننا سقطنا في فجوة زمنية، لذا تفقد الكتابة قوتها بحكم التكرار، تصير كل كتابة مسخًا لأختها، والمبدع هو الذي يهرب من هذا الفخ. كثيرًا من أحاول نسيان هذه المشاكل بالكتابة أو القراءة، أستمتع بقراءة الأعمال الأدبية الجيدة التي تصنع عالمها، وأضع مسافة جيدة تفصل بيني والمبدع، فلا تعنيني الأقاويل، وما يدور في الكواليس. فلا يهمني إن كان الكاتب مغرورًا أم متواضعًا أم وضيعًا، بل إنني أتقبل غرور الكاتب ما كتب عملا جيدًا، في الكتابة كن نرجسيًا إذ لزم الأمر، كما يؤمن الكاتب محمد علي إبراهيم، وهو أحد الأدباء القلائل المهتمين بالتواصل، وكذلك فإن الخمايسي من هؤلاء الذين يهتمون بقراءة الجيل الجديد، دون وجود صداقة شخصية بالكاتب، وهناك آخرون من يفعلون ذلك، لكنهم قلائل جدًا في نظري. على أية حال، هكذا أحاول أن أفعل، أثور، فلا أصير كاهنًا ذات يوم. أحب الكتابة، والقراءة، ولا أريد أن أخسر هذه المتعة النقية؛ خلق جمال في هذا العالم. لذا أقرأ الكتابات الجيدة، أقرأ ولا أبالي بالأقاويل، فالزمن سيعبرنا ذات يوم، وقلة هي من ستنقش أسمائها على جسد الزمن.
أستمتع بقراءة محمد ربيع في عطارد، وأحمد مجدي همام في أوجاع ابن آوي، ودعاء إبراهيم في جنازة ثانية لرجل وحيد، وعمرو عاشور في رب الحكايات، ومحمد علي إبراهيم في أنت حر ما دمت عبدي، وأشرف الخمايسي في منافي الرب، وطارق إمام في هدوء القتلة، وإبراهيم عبد المجيد في لا أحد ينام في الإسكندرية. هناك العديد من الأعمال الرائعة، والملهمة، ولابد أنني نسيت أسماء كثيرة، وقد ذكرت ذلك بشكل عشوائي، لأنني لا أجيد تقسيم الأدباء إلى أجيال، حين أقرأ عملا فأنا أرتبط بالعمل الأدبي، لا الكاتب. البعض يسبقنا بخطوة، لكننا على الطريق، وهذا أهم ما في الأمر. وأعتقد أن على الحركة النقدية أن تقوم بدورها، وتجمع الأدباء في مدرسة ما، لا تقوم بتقسيمهم إلى أجيال. فالمدارسة الأدبية وليدة التجربة وظروف العصر، والتجريب حاضر في كتابات كثيرة، ينقصها فقط قرائتها بأدوات نقدية جديدة.
 أذكر كلمات د.صلاح فضل في مقدمة كتاب علم الإسلوب حين قال أن علم الأسلوب وريث شرعي لعلم البلاغة العجوز، البلاغة أنهكتها الفنون فلم تقدر على مواكبة العصر، بينما ولد علم الإسلوب كابن شرعي لعلم اللغة، وعلم الجمال، ولسوء الحظ فإن النقد العربي لم يسهم في هذا العلم بشيء، ولم يتم قراءة الأعمال الأدبية من خلال منهج جديد، إلا في حالات قليلة جدًا.
ثمة كتابة جديدة جادة لابد أن تقرأ ويحتفى بها. كتابة تشغلها التجريب وكسر القوالب النمطية، البعد عن اللغة الميتة المليئة والإكليشهات. نقل اللغة إلى منطقة أخرى، أكثر حياة، كما فعل بها الحلاج من قبل. على هذا الطريق أسير أنا أيضًا، تشغلني اللغة وتجديدها، هكذا كان حالي وأنا أكتب روايتي الثانية "سورة الأفعى"، التي تصدر خلال أيام. هذه الرواية التي قمت بكتابتها في عامين، تبدأ بمفتتح للرواية، هو صوت الرب في التوراة. "حرب هي حياة الإنسان على الأرض"، وتدور حول الإنسان بما يحمل من نقائض، الإنسان المنفي، المعزول، الباحث عن مدينة فاضلة؛ ليفسدها في أغلب الظن. في سورة الأفعى أردت أن أفسد روايتي الأولى "حي"، أردتُ أن ألوث طفولتي، وبرائتي، وأمنياتي بعالم أفضل. أتمنى لهذه الرواية حظها من القراءة، وأن تنال احترام القارئ، والنقاد، فالكتابة غايتنا، ومحاولة كتابة عمل أدبي جميل، في هذا العالم القبيح، يعد فعلا ثوريًا ساميًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق