هناك من تمشي خطاه على خطاي

الاثنين، 22 مايو، 2017

شهرازاد .. ربة الحكايات


شهرازاد .. ربة الحكايات

Scheherazade by Sir Arthur Streeton

  لا يكمن سحر "ألف ليلة وليلة" في قوة لغتها أو عالمها السحري، فلغتها عادية ومبتذلة والأساطير موجودة، بأشكالٍ مختلفة، في كل الثقافات. الأدب تجاوز عالمها وحلق إلى أفاق أكثر إتساعًا، لكن بنيتها كانت مميزة جدًا، بنية الصندوق السحري. كلما فتحنا هذا الصندوق الكبير وجدنا صندوقًا أصغر، وهكذا دواليك. يأخذنا صوت شهرزاد من حكاية إلى أخرى، تمتزج الحكايات وتتداخل فنتورط - دون ادراك كامل- بتتبع الحكاية، ونصير نحن شهريار ويصير هو إيانا.
  وربما سر عظمتها لا يخرج عن شخصية شهرزاد؛ ذلك الصوت الأنثوي الناعم الذي ينتصر بالخيالِ والحكايات على الملكِ. شهرزاد التي جعلت من الحكايات طريقة للثورة، وجعلت السياف- سيف الملك- في هامش النص، ولا نراه. يصير الديكتاتور طفلاً، وحيدًا، ومعقدًا. ليس المقصود هو أن نتعاطف مع ذلك الطفل، لكن الكتابة تكسره وتنزع تلك الهالة التي تخيفنا.
  ولا أريد أن أحكي عن "ألف ليلة وليلة"، لكنني أريد الحكي عن الكتابة وسحرها. وشهرزاد - بالنسبة لي - هي ربة الحكايات. المعادل الموضوعي لربات الشعر التي كان يناجيها شعراء الأغريق مثل "هوميروس" وغيره، وهي جنية وادي عبقر التي مست شعراء العرب. شهرزاد هي الفتاة التي أحبها، وأصلي لها، فتهبني الحكايات والحلوى.
  في شوارعِ القاهرةِ، أمشي، وراء طيف شهرزاد. أسأل نفسي "كيف سأرى القاهرة من دونكِ؟"، شهرزاد؛ همست لنجيب محفوظ بالحكاياتِ، فخلد قاهرة الأربعينيات، ورسم شخصية الرجل المصري في "سي السيد"، والتي تعيش إلى عصرنا هذا بكل تناقضاتها، وخلد "أمينة" التي لا تزال يطارد شبحها فتيات القرن الواحد والعشرين. لولا شهرزاد ما كتب إبراهيم عبد المجيد رواية لا أحد ينام في الأسكندرية، وما رأيت المدينة التي بنيت - منذ قديم العصور- كرقعة الشطرنج. أشياء كثيرة ستتلاشى من ذاكرة الشعوب لو لم تكن الكتابة. الفن هو ذاكرة التاريخ، والسينما هي ذاكرة الشعوب، والفنان -كما قال يونج يمثل الإنسان الجمعي.  لا أعرف ماذا كان يقصد بالإنسان الجمعي، لكنني فهمت الأمر بطريقتي، وبشكل خرافي جدًا، لا أنكر هذا. طين الأرض يختارنا، لنسرد حكايات الذين عاشوا هنا من قبل، قبل أن يأكلهم الدود، فنشم رائحة الغبار، ونلمس جدران البيوت، لا يهم إن كان أبطال هذا العالم مهمشين، ما دام الحكاية وجدت، فإن قوانين العالم التي نعرفها تتغير، يصير هؤلاء المهملين، الذين عبرتهم الحياة ونستيهم، في مركز الضوء، يصيرون أبطالا، رغم أننا إذا ما رأيناهم في الطرقاتِ، وعلى الأرصفةِ، فإننا سننكرهم أيضًا؛ كلنا عبيد للضوء. لذا فإن المثاليون لا يصنعون أدبًا، بينما الهامش يصلح لأن يكون متنًا، ومثلما فعلت شهرزاد مع السياف، نفعل مع حياتنا، نضعها في الهامش، ونقف في مهبِ الريح.
  ما الجدوى من الكتابة؟ التلصص على حيوات الآخرين، الجلوس لساعات طويلة أمام الورق، والكتابة عن إناس لم يخلقهم الله، نسيهم، بينما نحن نذكرهم، ونهبهم بعضًا من أرواحنا. وبدلا من أن نعيش الحياة، ونتمتع بعمرنا القصير، فإننا نجري وراء طيف امرأة، لم يخلقها أحد، وإنما أوجدت نفسها بنفسها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق