الأربعاء، 24 مايو، 2017

الرسامة اليابانية نوريكو ساساكي 佐々木 憲子 ترسم أبطال رواية سورة الأفعى

الرسامة اليابانية نوريكو ساساكي 佐々木 憲子  
ترسم أبطال رواية سورة الأفعى

شخصيات رواية سورة الأفعى كارتون

رسوم نوريكو ساساكي




الشيخ





الغريب




الأحدب





البابلي





ملكة






سالي






أم علاء










ماري







قارئة الودع









كاتي






علي








أبو جبل








شمس الدين








الكهنة

الاثنين، 22 مايو، 2017

شهرازاد .. ربة الحكايات


شهرازاد .. ربة الحكايات

Scheherazade by Sir Arthur Streeton

  لا يكمن سحر "ألف ليلة وليلة" في قوة لغتها أو عالمها السحري، فلغتها عادية ومبتذلة والأساطير موجودة، بأشكالٍ مختلفة، في كل الثقافات. الأدب تجاوز عالمها وحلق إلى أفاق أكثر إتساعًا، لكن بنيتها كانت مميزة جدًا، بنية الصندوق السحري. كلما فتحنا هذا الصندوق الكبير وجدنا صندوقًا أصغر، وهكذا دواليك. يأخذنا صوت شهرزاد من حكاية إلى أخرى، تمتزج الحكايات وتتداخل فنتورط - دون ادراك كامل- بتتبع الحكاية، ونصير نحن شهريار ويصير هو إيانا.
  وربما سر عظمتها لا يخرج عن شخصية شهرزاد؛ ذلك الصوت الأنثوي الناعم الذي ينتصر بالخيالِ والحكايات على الملكِ. شهرزاد التي جعلت من الحكايات طريقة للثورة، وجعلت السياف- سيف الملك- في هامش النص، ولا نراه. يصير الديكتاتور طفلاً، وحيدًا، ومعقدًا. ليس المقصود هو أن نتعاطف مع ذلك الطفل، لكن الكتابة تكسره وتنزع تلك الهالة التي تخيفنا.
  ولا أريد أن أحكي عن "ألف ليلة وليلة"، لكنني أريد الحكي عن الكتابة وسحرها. وشهرزاد - بالنسبة لي - هي ربة الحكايات. المعادل الموضوعي لربات الشعر التي كان يناجيها شعراء الأغريق مثل "هوميروس" وغيره، وهي جنية وادي عبقر التي مست شعراء العرب. شهرزاد هي الفتاة التي أحبها، وأصلي لها، فتهبني الحكايات والحلوى.
  في شوارعِ القاهرةِ، أمشي، وراء طيف شهرزاد. أسأل نفسي "كيف سأرى القاهرة من دونكِ؟"، شهرزاد؛ همست لنجيب محفوظ بالحكاياتِ، فخلد قاهرة الأربعينيات، ورسم شخصية الرجل المصري في "سي السيد"، والتي تعيش إلى عصرنا هذا بكل تناقضاتها، وخلد "أمينة" التي لا تزال يطارد شبحها فتيات القرن الواحد والعشرين. لولا شهرزاد ما كتب إبراهيم عبد المجيد رواية لا أحد ينام في الأسكندرية، وما رأيت المدينة التي بنيت - منذ قديم العصور- كرقعة الشطرنج. أشياء كثيرة ستتلاشى من ذاكرة الشعوب لو لم تكن الكتابة. الفن هو ذاكرة التاريخ، والسينما هي ذاكرة الشعوب، والفنان -كما قال يونج يمثل الإنسان الجمعي.  لا أعرف ماذا كان يقصد بالإنسان الجمعي، لكنني فهمت الأمر بطريقتي، وبشكل خرافي جدًا، لا أنكر هذا. طين الأرض يختارنا، لنسرد حكايات الذين عاشوا هنا من قبل، قبل أن يأكلهم الدود، فنشم رائحة الغبار، ونلمس جدران البيوت، لا يهم إن كان أبطال هذا العالم مهمشين، ما دام الحكاية وجدت، فإن قوانين العالم التي نعرفها تتغير، يصير هؤلاء المهملين، الذين عبرتهم الحياة ونستيهم، في مركز الضوء، يصيرون أبطالا، رغم أننا إذا ما رأيناهم في الطرقاتِ، وعلى الأرصفةِ، فإننا سننكرهم أيضًا؛ كلنا عبيد للضوء. لذا فإن المثاليون لا يصنعون أدبًا، بينما الهامش يصلح لأن يكون متنًا، ومثلما فعلت شهرزاد مع السياف، نفعل مع حياتنا، نضعها في الهامش، ونقف في مهبِ الريح.
  ما الجدوى من الكتابة؟ التلصص على حيوات الآخرين، الجلوس لساعات طويلة أمام الورق، والكتابة عن إناس لم يخلقهم الله، نسيهم، بينما نحن نذكرهم، ونهبهم بعضًا من أرواحنا. وبدلا من أن نعيش الحياة، ونتمتع بعمرنا القصير، فإننا نجري وراء طيف امرأة، لم يخلقها أحد، وإنما أوجدت نفسها بنفسها.


في الكتابةِ آلهة عظام؛ سأهدمها

في الكتابةِ آلهة عظام؛ سأهدمها
لوحة مشاهير العالم .. للرسامين: داي دودو - لي تيزي وزانج آن
مصطفى الشيمي

  في الكتابةِ آلهة عظام، من شدة ولعي بها سأهدمها. لا أحمل فأسًا بل مجرد قلم؛ هذه هي طريقتي في اقتحام المعبد. توجد طرق أخرى لا تليق بي، التودد إلى الحراسِ، العبيد، الكهنة، أو تسلق الجدران. في الكتابةِ كن نرجسيًا؛ إذا لزم الأمر.(1) والغرور تهمتي المحببة منذ طفولتي. وكأني أراني من أعينهم طفلا غريبًا، يعيش بينهم في جنوب مصر، يسكن أمام النيل، يراقب الشمس كل نهار، تقول؛ راقبني كيف أعلو وتعلم. لو أخطأت تأويلي سأصير عابرًا، والعابرون موتى. لم أحكِ يومًا طفولتي، سخرية الأصدقاء من الشعر والأدب؛ ماذا ستكون؟ كاتبًا! آلهًا! لكن الآلهة تسكن السماء، والميادين، ونحن نراك تمشي على الأرض، تأكل الطعام، وتتبول. أنتَ من لحم ودم، كن مثلنا. أرفضُ، سأعلو، فيذعرون. من السهل أن أنسى، وأصير غيري، لكنني ابن لغتي، وابن طين الأرض. الحكايات التي أسمعها، ولا أعرف مصدرها، لا أستطيع تجاهلها. ربما تلعنني. من المفزع أن تكون مختلفًا، من المفزع أن تكون على حقيقتك. لأنك لا تشبههم سيرونك مغرورًا، لا ترضى بطينتهم، وربما كل ما في الأمر أنك من طينة أخرى.
  اعرف نفسك(2)، هذه الحكمة الأولى، وأنا أعرفني. أحبُّ الكتبَ، الموسيقى، السينما. لا أصادق الجميع، لأنني أحذر يهوذا. يكفي أن أكون في غارٍ؛ فينفجر الوحي فيّ. الوحدة، لا الله، هي حظ النبي.(3) هذه الوحدة تجلب الأعداء، لأنك خارج الدائرة، والخارج عن الدائرة منبوذ أو مكروه.

  آلهة مثل كافكا، وزوسكيند، ميلان كونديرا، سالينجر، كانوا يحبون العزلة، وأنا مثلهم، أو أقل قليلا. (4) لا مشكلة مع أحد تجاه هؤلاء، بل إن عزلتهم محببة إلينا، لكن من أنت لتشارك  الآلهة في مزاجها الإجتماعي؟ أنت لم تصر إلهًا بعد، لم يعطك أحدٌ صكًا مختومًا، وكأن الآلهة تنتظر مثل هذا الصك.
  ثمة دورة لا يعرفها القراء، كيف يتم تنصيب الآلهة الجديدة في المعبد، لعبة قائمة على مبدأ الغش، إن عرفت اللعبة فالعب بها. (5) إثنى عشر جائزة أدبية لا تجلب لك المجد، بقدر ما تجلب لك الأعداء. لا الجوائز الأدبية تكفي، لا الأعمال الجيدة. إنها لعبة أخرى تتعلق بالسوق، الأرض، والأغصان المتشابكة، وأنا معنيٌ أكثر بلعبة الكتابة، لا أبال بشيء آخر. الجوائز الأدبية لا تجعلك إلهًا، بل تجعلك محط الأنظار، الأعداء يرونك، يهاجمونك، وهذا سيء لمن يحبّ العزلة. البعض قد يكرهك لأنك لا تلعب بقواعدهم، أو لا تجالسهم، والبعض قد يكرهك فقط لأنك أفضل منهم. (6)

  نغني دومًا بأن الزمن سينتصر للأعمال الجيدة، اليوم لا أصدق هذا كثيرًا. الزمن ليس عادلاً، والحياة كذلك. الليث كان أعلم من مالك؛ لكن أهل مصر خذلوه. (7) كثيرًا ما ترن في رأسي هذه الحقيقة، هذا زمن الحق الضائع.(8) وصلنا جميعًا، اليوم، إلى نقطة اسوأ مما كنا عليها، ويخيل إليّ أنني أرى رجلا، يمشي حافيًا في الشوارع، يبصق علينا، لأننا خائفون من الاعتراف بحقيقتنا. (9)


______________________________________________

   (1)   وكُنْ نرجسيّاً إذا لزم الأمرُ - " محمود درويش"
   (2)   اعرف نفسك  - "سقراط"
   (3)   الله حظُّ النبيّ  - " محمود درويش"
   (4)   أَنا لاعب النَرْدِ، أَربح حيناً وأَخسر حيناً أَنا مثلكمْ أَو أَقلُّ قليلاً.  -   " محمود درويش"
  (5)   أنت فهمت اللعبة فالعب إن اللعبة غش   -  "نجيب سرور"
  (6)   إنهم يكرهونني لأنني أفضل منهم - جون سنو/ صراع العروش "جورج آر. آر مارتن"
  (7)   الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به   - "الشافعي"
  (8)   هذا زمن الحق الضائع لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله ورؤوس الناس على جثث الحيوانات ورؤوس الحيوانات على جثث الناس فتحسس رأسك  - "صلاح عبد الصبور".
  (9) “! الخوف قواد .. فحاذر أن تخاف قل ما تريد لمن تريد كما تريد متى تريد .. : لو بعدها الطوفان قلها فى الوجوه بلا وجل الملك عريان .. ومن يفتى بما ليس الحقيقة ! فليلقنى خلف الجبل .. انى هنالك منتظر – "نجيب سرور"

الأربعاء، 17 مايو، 2017

مصطفى الشيمي: «سورة الأفعى» رواية رمادية تشبه ملامحنا - جريدة القدس العربي

تعمدت عنوانا يحث القارئ على البحث بين المقدس والمدنس:

المصري مصطفى الشيمي: «سورة الأفعى» رواية رمادية تشبه ملامحنا



May 17, 2017 القاهرة ـ «القدس العربي» عبد السلام الشبلي: يجتاز الروائي مصطفى الشيمي شكه بالوحي الملهم للكاتب، فيستيقظ على حلم مفزع يمنحه رواية يقول أنها نص «مقدس»، لأنها ولدت من الغريب الذي قص عليه حكايتها فرسم شخوصها حوله، ومنحه مفتاح كتابتها، لتكون «سورة الأفعى» العمل الروائي الثاني للشيمي، بعد رواية «حي» ومجموعات قصصية عدة كان أبرزها «بنت حلوة وعود» الفائزة بجائزة دبي الثقافية 2015. يعتقد الشيمي أنه حطم تابوهات الكتابة وتخلص من سلطة الموروث الديني على اللغة والأدب، بدءا من عنوانه الأدبي الخالص، إلى نصه الروائي الذي حاول أن يمنح القارئ هامشا للبحث والتفكر بما يقرأ، ليكون أساس ذلك التناقضات التي كانت الجزء الأهم من «سورة الأفعى».

المزيد في الحوار التالي..

■ كتبت في مدونتك الخاصة عن حلم مفزع حمل لك خيوط الرواية، ما قصة حلمك؟
 □ على امتداد التاريخ، كان الشعراء العرب، واليونانيون، يتعاملون مع نصوصهم باعتبار أنها وحي من وادي عبقر، أو ربات الشعر، كان هذا يضفي قدسية لنصوصهم، وأنا لا أؤمن بالوحي، أرى الكتابة ميل، شغف طفولي لاكتشاف العالم. لكن سورة الأفعى جاءت لتهدم اعتقادي، فقد رأيت في حلمٍ أن يدا تمتد لانتزاع ضرسي، تشد هذا الضرس المربوط بخيط رفيع من الدم. استيقظ من النومِ وأشعر بألم في ضرسي، أردد: أن آلام سكرة الموت تضاهي انتزاع ضرس تالف، بعدها أرى أحداث كل الرواية، وأبطالها، ومحاوراتهم تنفجر أمام عيني. لم يكن هذا الحلم حلمي، كان هو حلم الغريب في «سورة الأفعى»، بطريقة ما وحدنا الحلم، كان وحيًا، وعرفت أن هذا نص مقدس.


■ »سورة الأفعى» عنوان ربما يكون جدليا للقارئ، ما هي الغاية من اختيار مثل هذا العنوان؟
□ ثمة سلطة للموروث الديني على الأدب واللغة؛ المفردات تستسلم لسلطة النص الديني، فتفقد دلالتها وتظل في زنزانة مظلــــــمة، الكتابة ثورة على القوالبِ، على اللغةِ الميتة، كان المقصود تحرير اللغة والقارئ، القارئ يقف أمام نص مغاير، نص رافض للسلطة، ابتداء من العنوان؛ باعتباره عتبة النص. عنوان يحث القارئ على البحثِ. عنوان يحمل النقيضين: المقدس والمدنس. والصراع لا يبدأ إلا بضدين، فهو عنوان يليق بعالم رواية الذي يبدأ بمفتتح هو، صوت الرب في التوراة، حرب هي حياة الإنسان على الأرض.


■ قلت في أحد حواراتك أن الكاتب غير معني بوصول معنى محدد لما يكتبه، ألا تجد أن تعدد المعاني للنص الراوئي يربك المتلقي وينفره من العمل ربما؟
□ في رأيي أن النص الذي لا يحتمل سوى معنى واحد، هو نص ميت، أو سيموت بعد أيام. ليس المقصود هنا هو الإغراق في الغموض والألغاز، ولكن المقصود هو خلق أكثر من نافذة، كل قارئ يتلصص على العالم من نافذة غير الآخر، من منظور غير الآخر، هناك من سيرى العالم من عين الشيخ، أو الأحدب، أو الغريب، أو البابلي، أو عاهرة من عاهرات هذا العالم. تعدد المعاني يولد مع تعدد القراء، أو من تعدد القراءات للقارئ الواحد، وهذه اللعبة تتيح للنص أن يعيش أكثر، ويقرأ مرة بعد أخرى.


■ العمل يرصد صراعات إنسانية متخيلة مرتبطة بحروب حقيقية، ما هو الشيء الذي أردت قوله من خلال هذا الربط؟ □ الواقعية الطيفية؛ كان هو المصطلح النقدي الذي اختاره الناقد صلاح السروي لوصفِ «سورة الأفعى»، وقال إنها تؤسس لمدرسة جديدة، وهذا حال الكتابة الجيدة. فالرواية تهتم بالواقع الإجتماعي والتاريخي للإنسان، ولهذا فهي واقعية، وطيفية لإنك لا تكون على يقين مما يحدث، ثمة ضبابية متعمدة، لون رمادي حاضر. في ظل عالم مليء بالدخان، الرماد، الجثث، نعيش في وطننا العربي، فكيف ستكون ملامحنا؟ وما أثر هذه الحروب علينا؟ وما مغانم حروبنا اليومية الصغيرة؟ في دائرة هذه الأسئلة يطوف أبطال العمل.


■ علاقة الإنسان مع الله كانت جزءا غامضا من «سورة الأفعى» ما القصد من هذا الغموض الذي تعمدت رسمه؟
 □ علاقة الإنسان السيء، المؤمن، بالله دومًا غامضة، الشيطان على سبيل المثال يعرف بوجوده حق اليقين، ومع هذا اختار طريق الهلاك، وشيطان هذه الرواية ليس سوى الإنسان. يهوذا كان من حواري المسيح، ومقابل ثلاثين قطعة فضة فقط، باع النبي. والذين قتلوا أحفاد النبي، كانوا مؤمنين رغم ذلك. مشكلة الشر مشكلة معقدة؛ حروب مقدسة تسفك فيها الدماء باسم الرب، ولا استغفار، ولا توبة. الله هو الخير المطلق، البعيد، عن الإنسان المنفي في الأرضِ، فلا عجب أن تكون العلاقة غامضة.


■ تقول في أحد تصريحاتك إنك تحب الكتابات الخالدة التي تقرأ مرات عدة، هل تعتقد أن «سورة الأفعى» ستنال من هذا الخلود؟
□ أتمنى، وربما لن أكون موجودًا لأشهد هذا. في عالمنا العربي يتم الاحتفاء بالأعمال الجيدة بعد موت أصحابها، لكن هناك من ينجو. على أي حال، الأعمال الجيدة لابد أن تقرأ، وأن تخلد، بمثل هذه الأفكار نؤمن، وحكم كهذا على العمل الأدبي متروك للقراء والنقاد، وقبل ذلك للزمن، فالأعمال العظيمة تسبق عصرها، لا أشهد لنفسي، الزمن يشهد لي، أو عليّ، أنا ميت، مت بعد الانتهاء من الكتابة و«سورة الأفعى» ملكٌ لقارئها.


■ يقول الناقد يسري عبد الغني أنك أجدت في رصد المتناقضات التي كانت واضحة، خصوصا في حوارات الرواية، ما الهدف من تلك التناقضات؟
 □ كثير من القراء والنقاد لاحظوا أنني مولع بالمتناقضات، في «سورة الأفعى»، و«بنت حلوة وعود» أيضًا، لكن هذه المتناقضات كان وجودها ضروريًا في «سورة الأفعى»، لأن الحروب تقوم بضدين، في رقعة الشطرنج لابد من الأبيض والأسود، واللون الرمادي كان حاضرًا في المحاورات، ترى منطق كل شخصية في الحربِ، لا أحد يمثل ضدًا، ولكن كل منهم يقف في منطقة مقابلة للآخر في مأزق أخلاقي، أو من أجل الفوز بغنيمة ما، وربما يتبنى الواحد منطق الآخر المرفوض إن كان يقف في الجبهةِ الأخرى.


■ هل يمكن القول إن «سورة الأفعى» هي صورة مصر المتخيلة في عقلك؟
□ للأسفِ، حاولت أن أهرب من هذه الصورة، بحثت عن شعاع ضوء في بلدانها، القاهرة، أسوان، والإسكندرية ـ التي بدت للوهلة الأولى وكأنها كأس ماء، والعالم من حولها صحراء، لكنها في النهاية لم تكن أكثر من سراب؛ مدينة يلجأ إليها الموتى، لتصير ملاذهم. نحن أبناء هذه اللحظة، التي بدورها ابنة لتاريخ سيء، ثورات وحروب وهزائم، لم تكن أغنيات العندليب صادقة، ولم تقودنا قصائد صلاح جاهين إلى مستقبل أفضل، نحن من المستقبل نحدثهم، ونصرخ في آذانهم: لقد كذبتم علينا.


■ لماذا رسمت شخصيات روايتك بكل هذه الانهزامية؟
□ لم أرسم أحدًا، هم أبناء عالمهم، همس لي الغريب بحكايتهم، وحكايتنا، هذا كل ما في الأمرِ. نحن منهزمون، ننتظر من ينتزع ضرسنا التالف، أعمارنا تضيع من أيدينا، تتبدد أحلامنا، ولا نصل إلى شيء مما نريد. في الرواية غربان سوداء، تقف على الشجر، أعمدة الإنارة، سطوح البيوت، ظلت تراقب الأحداث، كنت هناك، محض غراب أسود، أشاهد ضياعنا، أنعقُ، وكان معي غربان أخرى، من القراء؛ كلنا أبصرنا حقيقتنا.


■ الرواية ستترجم للتركية، هل تعتقد أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك لتصبح رواية عالمية؟
 □ آمل ذلك، وأعتقد أن المسابقات الكبيرة تعطي هذه الفرصة للأعمال الجيدة، ولهذا فإن وجودها ضرورة، أتمنى أن يكون للرواية حظها من ذلك، وأن تتم ترجمتها، وأن تقرأ بما يليق بها.

---------------------------------------

 المصري مصطفى الشيمي: «سورة الأفعى» رواية رمادية تشبه ملامحنا-جريدة القدس العربي  

الاثنين، 24 أبريل، 2017

مصطفى الشيمي: أنا والقارئ ظلان لجريمة واحدة - مجلة الثقافة الجديدة

لعبة الكتابة
شهادتي المنشورة في مجلة الثقافة الجديدة عدد إبريل ٢٠١٧
ضمن ملف المشهد الأدبي الراهن في مصر


ولدت في جنوب مصر، وعشت في الجهة الغربية من النيل، حيث يدفن الموتى عند قدماء المصريين، وحيث ولد المثل الشعبي "راح وراء الشمس"، كناية عن المعذبين والمعتقلين الذين اختفوا مثلما يدفن الموتى في الجهة الغربية، لكن - في هذه الأرض- لم يكن هناك ما يموت أو يختفي للأبد. فالحكايات تخلده، أيا كان. لم تكن اللغة صادقة، تمامًا، كالحكايات. كانت الحياة مراوغة، فلا تعرف الحقيقة، ولكن تلمس ظلالها. مرآة مكسرة إلى ألاف القطع، تجمعها، بشغف غير عادي، رغم أنك تعرف ذيفها. هكذا أتذكر الحياة هناك، وربما كانت الذاكرة، كعادتها، تخادعني. لم أعش في القرية، ولم أر عفاريت الحقول، انتقلت عائلة أبي إلى البندر- تلك مفردة مراوغة أيضًا، لأنني لم أسمعها هناك. ومع انتقالهم حملوا حكاياتهم، وحكايات قريتهم، الحنين إلى الأب الميت، الشيخ الأول، والحنين إلى شجر البرتقال. كنت أعيش في المدينة، المنبوذة، لأن ابناء المدينة بلا أصل، لابد أن ترجع أصلك إلى قرية لم تعش فيها، وإلى حكايات لم تشهدها، لكنها تربطك بالجدود. هذه الحياة التي عشتها قبل أن تختارني الكتابة، وتصطفيني، لأجلس عند النيل، أشاهد شروق الشمس وحدي، فيتهمني الأصدقاء بالخبل. حياة تركت في عقلي صورًا مبتورة، وحكايات مبعثرة هنا وهناك، فلم أكن قرويًا، بما يكفي، ولم أنتمِ إلى طين الأرض. سافرت إلى القاهرة لألتحق بكلية الإعلام، وهنا بدأت الكتابة تأخذ شكلها الجاد، لا أعرف متى، أو كيف، لكنني صرت إنطوائيًا. أنعزل للقراءة، للكتابة. وبدأت أرى الكتابة لعبة، محاولة فاشلة لاكتشاف العالم، والذات، وفوق ذلك اكتشاف اللغة. وهي محاولة فاشلة لأنها لا تطمح للوصول إلى أية إجابة، بل تطرح الأسئلة الصعبة على إمتداد الوقت. في هذه اللعبة رفضت الانضمام إلى قصر من قصور الثقافة، أو نادي من أندية الأدب، أو أية جماعة أدبية. كنت أخشى الذوبان مع الحشد، أية حشد. صرت إنطوائيًا، لا أجيد التواصل جيدًا مع الآخرين، وخسرت بهذه العزلة الكثير من العلاقات، والصداقات، والمصالح، ورأى البعض سر عزلتي هو الغرور، كان للعزلة مساوئها، لكنها كانت شرط اللعبة، لعبة الكتابة، وشرط للانفراد. هكذا بدأت الكتابة منذ عشر سنوات، على بعض المنتديات الأدبية، حيث كنا نقرأ قصص الغرباء، ويقرأون قصصنا. لم يكن هناك مجال للمجاملة، لأن لن تعود عليك بمصلحة شخصية. قابلت روائين وشعراء في عمري مثل، أحمد الصادق، صابرين مهران، عمرو عبد الحميد، أحمد الفياض. وآخرون لم ينشروا بعد، وآخرون لم يكملوا الطريق. البعض اختار الكتابة الجادة، والبعض اختار الكتابة الجماهيرية، المهم هو أن هذه المرحلة لم تدم، صارت موضة قديمة، وربما كانت قديمة الروح منذ بدايتها، بما تحمل من روح قصور الثقافة وأنديتها، حيث النقد القوي الشرس- وفقًا لحكايات أثق في راويها. شهد جيلنا عصرين، عصر قصور الثقافة وعصر السوشيال ميديا.
مع انتهاء عصر المنتديات الأدبية، بحثت عن بديل. اشتركت في المسابقات الأدبية، ولم أكن أعرف أنني محظوظ لهذه الدرجة، فرغم أنني لم أبلغ الثمانية والعشرين، فزت بأكثر من اثنى عشر جائزة أدبية، كجائزة أخبار الأدب، أخبار اليوم، دبي الثقافة، المجلس الأعلى للثقافة، والهيئة المركزية لقصور الثقافة. لم تكن الجوائز هي الغاية من ذلك، بل الكتابة لذاتها، البحث عن متنفس. لكنني لا أنكر أن الجوائز قدمت لي الكثير، إذ إنها جعلت البعض يتوقع، والبعض يترصد، وهذا حمل مفزع، أن هناك قارئ ينتظرك، ولو كان قارئًا واحدًا. في النهاية لا أكتب سوى ما يرضيني، بشكل شخصي، القاريء لا يسكن عقلي أثناء الكتابة، ثمة عالم يسجنني، صور تطاردني، وعلي أن أنقلها بصورتها التي تسكن روحي. بعد الانتهاء من العمل الأدبي أتذكر القاريء، ويفزعني؛ لأنني أقدره. أفكر في قرار النشر، هل يستحق هذا العمل الحياة؟ لا أمانع من تمزيق القصص والروايات الرديئة، فعلت ذلك في روايتين ومجموعتين قصصيتين. أنا والقارئ ظلان لجريمة واحدة؛ وهي أن نصنع عملا أدبيًا يستحق الخلود. لذا كان قرار النشر مفزعًا.
في عام 2014م، اتخذت هذا القرار، ونشرت روايتي "حي"، التي كتبتها في عشرة أشهر، عشرة أشهر لم أفارق فيها مقعدي، فعانيت من آلام الظهر والمعدة. كنت مهتمًا بكتابة لغة ممتعة، تحمل إسلوبًا مميزًا، وتحتضن خرافات عالمها. لغة بعيدة عن الجثث الجامدة؛ يعرفني بها القارئ.
وفي عام 2016م، نشرت مجموعتي الأولى "بنت حلوة وعود"، الفائزة بجائزة دبي الثقافية. كان فكرة اللعب أهم ما يميزها؛ لذا كتبت في مفتتحها عبارة لصلاح جاهين "أكتب لأنني أحبّ أن أقول تيرا را"، وهنا كنت ألعب بالبنية القصصية، كقطعة طين أو صلصال، كما أريد. أفرش القصص بقوانين الإدراك، الشكل، الأرض، الخطوط غير المكتملة، الدوائر. أمزج بين البنية القصصية والفكرية، أعيد صياغة العالم، بإدراك جديد، فالعالم وليد نظرتنا، وربما صار أفضل بنظرة أخرى.
وفي نهاية عام 2016م، فازت مجموعتي القصصية "مصيدة الفراشات" بجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة ونُشرت، وللمرة الأولى يحزنني الفوز، لأن هذه المجموعة كانت كتابتي الأولى، وكان مقدرًا لها أن تمزق.
الجوائز تقوم بدورها في إبراز الأفضل، من منظورها، لكن هذا المنظور يرجع إلى الذوق، لا ألوم لجان التحكيم أو النقاد -بالطبع- فالنقاد والجيل الأكبر من الأدباء لا يقرؤون كتابتنا دون هذا المنفذ: الجوائز الأدبية. وقد يكتب مبدعٌ عملا رائعًا، ولا يقرأ، بل يدفن أسفل أكوام الكتب الرديئة. رواية "ذكريات النوم القديم" لعمرو عبد الكريم خير مثال على ذلك، لأن صاحبها لا يملك علاقات في الوسط الثقافي، لا يعرف صحفيًا أو ناقدًا، فإن الرواية طارت مع الريح بعيدًا.
لعل مشكلة فقدان التواصل مع النقاد، أو الأدباء الأكبر عمرًا، هي مشكلة يعاني منها جيلي، وربما سيعاني منها الجيل الأصغر منا. وربما كانت صياغة المشكلة مشكلة في ذاتها. هل على المبدع أن يتواصل مع الناقد؟ أم على الناقد أن يتواصل مع الحركة الثقافية في مصر ليقوم بتغطيتها؟ الحركة النقدية في أزمة كبيرة، والصحافة الثقافية كذلك، وهناك من يسعى لسجن جيل كام في إطار الكتابة الرديئة، المراهقة، الجماهيرية، لأسباب تتعلق بحركة البيع والشراء في المكتبات، ولأسباب تتعلق بصناعة النجوم، رغم وجود العديد من المبدعين الذين قدموا أعمالاً جيدة -أو ينتظر منهم ذلك- فهناك من يحاربهم بالشائعات والدعاية القذرة. أستطيع أن أذكر أسماء لهؤلاء المبدعين، لكنني سأكون في حيرة حينها: هل هؤلاء من جيلي؟ أم الجيل الأكبر؟ أم الأصغر؟
تقسيم الأدباء إلى أجيال مشكلة أخرى، وربما تكون، هذه المشكلة، هي سر انعدام التواصل مع بعضهم البعض. فعلى أي أساس يتم هذا التقسيم، هل وفقًا لتاريخ نشر أول عمل أدبي؟ أم وفقًا لتاريخ ميلاد الكاتب؟ الأجيال هنا قد تبدو مرادفة للشلل، الأصدقاء الذين يبتدؤون الكتابة معًا، ويبتدؤون الحلم معًا، ويرفضون سيطرة الجيل الأقدم على صناعة الحركة الثقافية، واحتكارها، ولما يصلون يقومون بذات الدور. ثوار يتمردون على سلطة الكهنة، فيهزموهم، فيصيرون كهنة بدورهم. الدوائر مشكلة كبيرة، الدوائر المغلقة، غير مسموح لك بالاقتراب منها إلا إذا قدمت ما يكفي من القرابين والصلوات. والصحافة الثقافية مثلها مثل الحركة النقدية، قد تسقط الكثير من الكتابات الجيدة، ودون أن تشعر، تهتم بأسماء على حساب أعمال أفضل؛ لأن أصحاب هذه الأعمال لم يعرفوا بعد، وقد تمر سنوات كثيرات قبل أن يموتوا، حتى نذكرهم ونبكيهم.
هذه مشكلات قديمة، قام نجيب سرور برصدها، ونقدّها، وركد الزمن منذ ذلك الحين. لا نزال نعيش "بين السما والأرض" في قصة نجيب محفوظ، إننا نعيش ذات المشاكل، ونكتب عن ذات المشاكل، كأننا سقطنا في فجوة زمنية، لذا تفقد الكتابة قوتها بحكم التكرار، تصير كل كتابة مسخًا لأختها، والمبدع هو الذي يهرب من هذا الفخ. كثيرًا من أحاول نسيان هذه المشاكل بالكتابة أو القراءة، أستمتع بقراءة الأعمال الأدبية الجيدة التي تصنع عالمها، وأضع مسافة جيدة تفصل بيني والمبدع، فلا تعنيني الأقاويل، وما يدور في الكواليس. فلا يهمني إن كان الكاتب مغرورًا أم متواضعًا أم وضيعًا، بل إنني أتقبل غرور الكاتب ما كتب عملا جيدًا، في الكتابة كن نرجسيًا إذ لزم الأمر، كما يؤمن الكاتب محمد علي إبراهيم، وهو أحد الأدباء القلائل المهتمين بالتواصل، وكذلك فإن الخمايسي من هؤلاء الذين يهتمون بقراءة الجيل الجديد، دون وجود صداقة شخصية بالكاتب، وهناك آخرون من يفعلون ذلك، لكنهم قلائل جدًا في نظري. على أية حال، هكذا أحاول أن أفعل، أثور، فلا أصير كاهنًا ذات يوم. أحب الكتابة، والقراءة، ولا أريد أن أخسر هذه المتعة النقية؛ خلق جمال في هذا العالم. لذا أقرأ الكتابات الجيدة، أقرأ ولا أبالي بالأقاويل، فالزمن سيعبرنا ذات يوم، وقلة هي من ستنقش أسمائها على جسد الزمن.
أستمتع بقراءة محمد ربيع في عطارد، وأحمد مجدي همام في أوجاع ابن آوي، ودعاء إبراهيم في جنازة ثانية لرجل وحيد، وعمرو عاشور في رب الحكايات، ومحمد علي إبراهيم في أنت حر ما دمت عبدي، وأشرف الخمايسي في منافي الرب، وطارق إمام في هدوء القتلة، وإبراهيم عبد المجيد في لا أحد ينام في الإسكندرية. هناك العديد من الأعمال الرائعة، والملهمة، ولابد أنني نسيت أسماء كثيرة، وقد ذكرت ذلك بشكل عشوائي، لأنني لا أجيد تقسيم الأدباء إلى أجيال، حين أقرأ عملا فأنا أرتبط بالعمل الأدبي، لا الكاتب. البعض يسبقنا بخطوة، لكننا على الطريق، وهذا أهم ما في الأمر. وأعتقد أن على الحركة النقدية أن تقوم بدورها، وتجمع الأدباء في مدرسة ما، لا تقوم بتقسيمهم إلى أجيال. فالمدارسة الأدبية وليدة التجربة وظروف العصر، والتجريب حاضر في كتابات كثيرة، ينقصها فقط قرائتها بأدوات نقدية جديدة.
 أذكر كلمات د.صلاح فضل في مقدمة كتاب علم الإسلوب حين قال أن علم الأسلوب وريث شرعي لعلم البلاغة العجوز، البلاغة أنهكتها الفنون فلم تقدر على مواكبة العصر، بينما ولد علم الإسلوب كابن شرعي لعلم اللغة، وعلم الجمال، ولسوء الحظ فإن النقد العربي لم يسهم في هذا العلم بشيء، ولم يتم قراءة الأعمال الأدبية من خلال منهج جديد، إلا في حالات قليلة جدًا.
ثمة كتابة جديدة جادة لابد أن تقرأ ويحتفى بها. كتابة تشغلها التجريب وكسر القوالب النمطية، البعد عن اللغة الميتة المليئة والإكليشهات. نقل اللغة إلى منطقة أخرى، أكثر حياة، كما فعل بها الحلاج من قبل. على هذا الطريق أسير أنا أيضًا، تشغلني اللغة وتجديدها، هكذا كان حالي وأنا أكتب روايتي الثانية "سورة الأفعى"، التي تصدر خلال أيام. هذه الرواية التي قمت بكتابتها في عامين، تبدأ بمفتتح للرواية، هو صوت الرب في التوراة. "حرب هي حياة الإنسان على الأرض"، وتدور حول الإنسان بما يحمل من نقائض، الإنسان المنفي، المعزول، الباحث عن مدينة فاضلة؛ ليفسدها في أغلب الظن. في سورة الأفعى أردت أن أفسد روايتي الأولى "حي"، أردتُ أن ألوث طفولتي، وبرائتي، وأمنياتي بعالم أفضل. أتمنى لهذه الرواية حظها من القراءة، وأن تنال احترام القارئ، والنقاد، فالكتابة غايتنا، ومحاولة كتابة عمل أدبي جميل، في هذا العالم القبيح، يعد فعلا ثوريًا ساميًا.

مصطفى الشيمي: الجوائز الأدبية لعبة إن لم تعجبك شروطها فلا تلعب - جريدة أخبار الأدب



شهادتي في التحقيق الصحفي "غاية الجوائز وغوايتها"
 جريدة أخبار الأدب عدد ٢١/١/ ٢٠١٧تحقيق إيهاب محمود الحضري







 بلا شك،‮ ‬الجوائز الأدبية تضيف إلي رصيد الكاتب‮. ‬أنا واحد من هؤلاء الذين كان لهم الحظ في الفوز بأكثر من جائزة أدبية،‮ ‬بلغ‮ ‬عددها اثنتي عشرة‮. ‬ولم أملك‮ ‬يومًا علاقات أو صداقات مع نقاد أو لجان التحكيم‮. ‬أذكر الجائزة الأولي التي فزت بها،‮ ‬جائزة كتاب اليوم،‮ ‬التابعة لأخبار اليوم،‮ ‬كان عمري وقتها عشرين عامًا،‮ ‬وكان رئيس لجنة التحكيم هو الروائي الراحل فؤاد قنديل،‮ ‬ومن ضمن اللجنة القاص سعيد الكفراوي،‮ ‬والناقد سيد البحراوي،‮ ‬وبصدق بالغ‮ ‬لم أكن أعرف شيئًا عنهم،‮ ‬كنت صغيرًا،‮ ‬وكانت المرة الأولي التي أعرف فيها أسمائهم،‮ ‬ورغم ذلك كنت محظوظًا بما يكفي لأكون متواجدًا في القائمة القصيرة للجائزة،‮ ‬وأنال المركز الخامس‮. ‬إلي اليوم لا أعرف سر هذا المقعد،‮ ‬أقول كنت صغيرًا،‮ ‬وكان عمر معظم الفائزين في فترة الثلاثين،‮ ‬ربما رأت لجنة التحكيم أنني أستحق منافسة الكبار،‮ ‬وأن في جعبة هذا الصغير شيئا‮.‬
البعض يهاجم الجوائز الأدبية،‮ ‬يتهمها بالانحياز لأسماء بعينها،‮ ‬أو اهتمامها الزائد بالتغطية الجغرافية،‮ ‬لكنني أراها تقوم بدورها،‮ ‬في تقديم الأفضل،‮ ‬من منظورها‮. ‬لا أنكر أن هناك حسابات،‮ ‬لكن،‮ ‬اهتمام جائزة بالتغطية الجغرافية أراه مهمًا،‮ ‬فلولا البوكر ما عرفت مبدعا رائعًا مثل ربيع جابر،‮ ‬هذه النقطة أراها في صالح الجائزة،‮ ‬لا ضدها‮. ‬لكن البعض يري الأمر بمبدأ الربح والخسارة‮.‬
 القاريء هو الرابح،‮ ‬إبراز الأعمال الأفضل في سوق مكتظ بالكتب الرديئة،،‮ ‬والإطلاع علي كتابة أخري في الوطن العربي‮. ‬بالنسبة للكاتب فالفوز بجائزة ليس سوي رمية نرد،‮ ‬قد يحالفك الحظ للفوز وقد لا يحدث ذلك‮. ‬أقول هذا عن تجربة،‮ ‬فقد فازت مجموعتي القصصية‮ "‬بنت حلوة وعود‮"‬،‮ ‬بجائزة كبيرة،‮ ‬وهي دبي الثقافية،‮ ‬بينما لم يكن لها الحظ بالفوز عندما شاركت بها في مسابقة المجلس الأعلي للثقافة،‮ ‬وبدلا عنها فازت مجموعتي القصصية‮ "‬ليلي والفراشات‮" ‬في دورة أخري‮.‬
 لكن هناك جوائز أخري،‮ ‬لا أحبُّ‮ ‬لعبتها،‮ ‬مثل الجوائز التي تضع شروطًا،،‮ ‬سياسية أو أخلاقية،‮ ‬علي العمل الأدبي،‮ ‬والإبداع أكثر حرية من الانقياد لمثل هذا القيد‮. ‬الإبداع لا يقدم أخلاقًا معلبة وجاهزة،‮ ‬بل علي العكس،‮ ‬يضرب منظومة المجتمع،‮ ‬ويكشف ما فيها من عوار،‮ ‬وهي منظومة نسبية؛ تتبدل مع الزمن،‮ ‬وتتشكل من جديد‮. ‬وقد لا يكون الإبداع مهتمًا حتي بهذا النقد وإنما يلعب من أجل اللعب‮.‬
مثل هذه الجوائز التي تقدم شروطًا وقيودًا علي الكتابة أو التي كشفت عن عدم مصداقيتها،‮ ‬علي المبدع أن يتجنب الخوض عليها،‮ ‬ليس من خلال دعوات،‮ ‬أو جعجعات،‮ ‬بل في صمت‮. ‬إنها لعبة،‮ ‬إن لم تعجبك شروطها فلا تلعب،‮ ‬وإذا رضيت بشروطها فتحمل نتائجها‮. ‬الأهم في الجوائز أنها تهبك الدافع للكتابة،‮ ‬وتجعل الآخرين ينتظرون عملك،‮ ‬وتقدمك بصورة جيدة إلي القراء أو الوسط الأدبي،‮ ‬لكن تظل قيمتها المادية هي الجائزة الحقيقية للمبدع؛ في ظل صناعة نشر،‮ ‬تأخذ عرقك بلا ثمن أو تسرق حقوقك‮. ‬المبدع،‮ ‬في النهاية،‮ ‬مثل باقي الخلق؛ يأكل ويشرب ويمرض‮. ‬الكتابة قيمة سامية لذاتها،‮ ‬لا شك في ذلك،‮ ‬مثلها مثل علاج المرضي،‮ ‬والأطباء يتربحون من مهنتهم‮. ‬الكتابة مهنة،‮ ‬كأي مهنة أخري،‮ ‬لابد أن تعطي للمبدع،‮ ‬والجوائز الأدبية هي التي تقوم بهذا الدور‮.‬

مصطفى الشيمي: الجوائز الأدبية هي البديل الأفضل - جريدة الأخبار.

مصطفى الشيمي يروي تجربة النشر لجريدة الأخبار
ضمن تحقيق "هكذا عبرنا مستنقعات اليأس"

تحقيق محمد السرساوي






فى الختام يقول الروائى مصطفى الشيمى: المرة الأولى التي فكرت فيها بالنشر كانت بعد تواجدي في القائمة القصيرة لجائزة أخبار اليوم (كتاب اليوم)، أرسلت العمل إلى دار نشر، وفوجأت بموافقة الناشر بعد لحظات قليلة، أفزعني ذلك. لم يمض وقتًا كافيًا للقراءة أو للإطلاع، وبالطبع كان العرض هو الدفع مقابل النشر، أخذت ذيلي في أسناني وهربت، النشر بطريقة كهذه مهين. كانت الجوائز الأدبية هي البديل الأفضل، قلت لنفسي "علي أن أصنع اسمًا"، ومع توالي الفوز بالجوائز الأدبية، وجدت أن الوقت قد حان عام ٢٠١٤ لنشر روايتي "حي"، مع دار العين. كنت أقضي خدمتي العسكرية، ولسوء الحظ لم ينل الانتشار المئمول، لأن دور النشر في مصر تعتمد على جهود الكاتب في تسويق عمله رغم أن هذا دورها في المقام الأول، بعدها نشرت مجموعتي "بنت حلوة وعود" بعد فوزها بجائزة دبي الثقافية مع دار الربيع العربي، ومجموعتي القصصية "مصيدة الفراشات" نشرت في سلسلة الجوائز بعد فوزها بجائزة الهيئة قصور الثقافة. وخلال أيام ستصدر روايتي الجديدة "سورة الأفعى"  بعد أن صنعت أسما وسمعة تجعلان دور النشر الكبرى لا تحجم عن اصدار أعمالى بدعوى أنى كاتب مغمور.



لقراءة التحقيق من هذا الرابط